اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
السادس : قال نوحٌ عليه السلامُ :﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ إلى قوله :﴿وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، [ وفي قصَّةُ هود حذف قوله :﴿وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(١)، والفرق أنَّهُ لمَّا ظهر في قِصَّةِ نُوح - عليه السلام - أنَّ فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة، لم يكن لإعادته في هذه القصَّة حاجة(٢).
قوله :" إذْ جَعَلَكُمْ " في " إذْ " وجهان :
أحدهما : أنَّه ظرفٌ منصوبٌ بما تضمنتهُ الآلاء من معنى الفعلِ، كأنه قيل :" واذكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عليكم في هذا الوَقْتِ "، ومفعول " اذْكُرَوا " محذوفٌ لدلالة قوله بعد ذلك :﴿فاذكروا آلاءَ الله﴾، ولأن قوله :﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾، وزادكم كذا هو نفس الآلاء وهذا ظاهر قول الحُوفِي.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(٣) :" إذْ " مفعول " اذْكُرُوا " أي : اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسيمة، وتقدَّم الكلامُ في الخلفاء والخلائف والخليف.
قوله :" فِي الخَلْقِ " يحتملُ أن يراد به المصدر بمعنى في امتداد قامتكم وحسن صوركم، وعظم أجْسَامِكُمْ، ويحتمل أنْ يراد به معنى المفعول به، أي : في المَخْلُوقين بمعنى زادكم في النَّاسِ مثلكم بسطة عليهم، فإنَّهُ لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الأجرام.
قال الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ :" كانت قامة الطّويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستُّون ذراعاً(٤) ".
وتقدم الكلامُ على " بسطة " في البقرة.
قوله :﴿فاذكروا آلاءَ الله﴾، أي : نعمه، وهو جمع مفرده " إلْي " بكسر الهمزة وسُكُونِ اللاَّمِ ؛ كحِملْل وأحْمَالِ، أو " ألْيٌ " بضمِّ الهمزة وسُكُونِ اللاَّمِ : كقُفْل، وأقْفَالٍ، أو " إلى " بكسر الهمزة، وفتح اللام ؛ كضِلَع وأضلاع، وعِنَب وأعْنَاب، أو " ألَى " بفتحهما كقَفَا وأقْفَاء ؛ قال العْشضى :[ المنسرح ]
أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزَالَ وَلاَيَقْطَعُ رِحْماً ولا يَخُونُ ألَى(٥)
يُنشد بكسر الهمزة، وهو المشهورُ، وبفتحها ؛ ومثلها " الآنَاء " جمع " إِنْي " أو " أُنْي " أو " إِنّى " أو " أَنّى ".
وقال الأخفش(٦) :" إنْوٌ ".
والآناء الأوقات كقوله :﴿وَمِنْ آنَاءِ الليل﴾ [طه: ١٣٠]، وسيأتي.
ثم قال :" لعلَّكُم تُفْلِحُونَ " فلا بُدَّ هاهنا من إضمار ؛ لأنَّ الصَّلاح الذي هو الظَّفر بالثَّواب لا يحصل بمجرد التذكر، بل لا بدّ من العمل، والتقدير : فاذكروا آلاء اللَّهِ واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلّكم تفلحون.
١ سقط من أ..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٢٨..
٣ ينظر: الكشاف ٢/١١٧..
٤ تقدم..
٥ ينظر: ديوانه ٢٨٥، مجاز القرآن ١/٢١٨، معاني الزجاج ٢/٣٨٤، الدر المصون ٣/٢٩١..
٦ ينظر: معاني القرآن للأخفش ١/٢١٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى