التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
فأخذ هود - عليه السلام - في إزالة هذا العجب من نفوسهم، فقال :
﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ أى : أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم تعرفون صدقه ونسبه وحسبه، إن ما عجبتم له ليس موقع عجب، بل هو عين الحكمة فقد اقتضت رحمة الله أن يرسل لعباده من بينهم من يرشدهم إلى الطريق القويم و ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ثم أخذ في تذكيرهم بواقعهم الذي يعيشون فيه لكى يحملهم على شكر الله فقال :
﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أى : اذكروا بتأمل واعتبار فضل الله عليكم ونعمه حيث جعلكم مستخلفين في الأرض من بعد قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان لكفرهم وجحودهم.
قال الآلوسى ما ملخصه : و " إذا " منصوب على المفعولية لقوله :﴿واذكروا﴾ أى : اذكروا هذا الوقت المشتمل على النعم الجسام. وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة في إيجاب ذكره، ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضرا بتفاصيله. وهو معطوف على مقدر كأنه قيل : لا تعجبوا وتدبروا في أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ".
ثم ذكرهم بنعمة ثانية فقال :﴿وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً﴾ أى : زادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة، أو زادكم بسطة في قوة أبدانكم وضخامة أجسامكم، ومن حق هذا الاستخلاف وتلك القوة، أن تقابلا بالشكر لله رب العالمين.
وقد ذكر بعض المفسرين روايات تتعلق بضخامة أجسام قوم هود وقوتهم وهى روايات ضعيفة لا يعتد بها، ولذا أضربنا عنها، ويكفينا أن القرآن الكريم قد أشار إلى قوتهم وجبروتهم بدون تفصيل لذلك كما في قوله - تعالى - :﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ وكما في قوله :﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ثم كرر هود - عليه السلام - تذكيرهم بنعم الله فقال :﴿فاذكروا آلآءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أى : فاذكروا نعم الله واشكروها له لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين من إدامتها عليهم وزيادتها لهم، ولن تكونوا كذلك إلا بعبادتكم له وحده - عز وجل -.
وآلاء الله : نعمه الكثيرة. والآلاء جمع إلى كحمل وأحمال. أو ألى، كقفل وأقفال. أو إلى، كمعى وأمعاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى