تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية٦ وقوله تعالى :﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ يذكر في الآية أنهم يسألهم جميعا : الرسل والمرسل إليهم. (١). وقال في آية أخرى :﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولكن قوله تعالى :﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩] أي لا يسأل عما فعل وعن نفس ما ارتكب كقوله تعالى :﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾ [غافر: ٨٤]. ما أذنبت ؟ وما فعلت ؟ ولكن يسأل : لماذا فعلت ؟ يسأل عن الحجة : لم أذنبت ؟ ولم فعلت ذا ؟ ويسأل في وقت، ولا يسأل في وقت.
وقال بعضهم ﴿لا يسأل عن ذنبه﴾ غيره، وإنما يسأل صاحبه وفاعله.
يخبر، والله أعلم، أن الآخرة على خلاف أمر الدنيا ؛ لأن في الدنيا قد يؤاخذ غير بذنب آخر، ربما، ويسأل إحضار قريبه، وأما في الآخرة فإنه لا يؤاخذ غير بذنب آخر، كذلك كان ما ذكرنا. أو أن يكون قوله تعالى :﴿لا يسأل﴾ عما أظهر، وأبدى، ولكن يسأل عما أسرّ، وأخفى ؛ لأن الملائكة قد يكتبون ما أبدوه، وأظهروه، كقوله تعالى :﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] فيقع السؤال عما أسرّوا على التقرير، ولا يسأل بعد ذلك.
وقوله تعالى :﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ قال بعض أهل التأويل : يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى الأمم، ويسأل قومهم : هل بلّغ الرسل إليهم الرسالة ؟ ويكون سؤاله(٢) الرسل سؤال شهادة كقوله تعالى :﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ الآية [ ١٤٣ ] [ أنهم قد بلّغوا ](٣) الرسالة.
وقال بعضهم : يسأل الملائكة عن تبليغ الرسالة إلى الأنبياء، ويسأل الأنبياء عليهم السلام عن تبليغ الملائكة إليهم. وأمكن أن يكون السؤال(٤) للرسل عما أجيبوا، وكان سؤال الأمم عما أجابوا الرسل كقوله تعالى :﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾ [المائدة: ١٠٩] وقوله تعالى :﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥]. أو يكون سؤال القوم سؤال تقرير عندهم وإقرار لما كانوا ينكرون التبليغ إليهم كقوله تعالى :﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] هذا السؤال سؤال تقرير وتعيير، لا غير ؛ لأنه كان يعلم أنه لم يكن قال لهم ذلك، لكنه يسألهم سؤال تقرير ليقرّوا بذلك لئلا يقولوا : هو قال لهم ذلك ؛ لأنهم قالوا : عيسى هو الذي قال لهم ذلك. فعلى ذلك الأول.
وقال بعضهم ﴿لا يسأل عن ذنبه﴾ غيره، وإنما يسأل صاحبه وفاعله.
يخبر، والله أعلم، أن الآخرة على خلاف أمر الدنيا ؛ لأن في الدنيا قد يؤاخذ غير بذنب آخر، ربما، ويسأل إحضار قريبه، وأما في الآخرة فإنه لا يؤاخذ غير بذنب آخر، كذلك كان ما ذكرنا. أو أن يكون قوله تعالى :﴿لا يسأل﴾ عما أظهر، وأبدى، ولكن يسأل عما أسرّ، وأخفى ؛ لأن الملائكة قد يكتبون ما أبدوه، وأظهروه، كقوله تعالى :﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] فيقع السؤال عما أسرّوا على التقرير، ولا يسأل بعد ذلك.
وقوله تعالى :﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ قال بعض أهل التأويل : يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى الأمم، ويسأل قومهم : هل بلّغ الرسل إليهم الرسالة ؟ ويكون سؤاله(٢) الرسل سؤال شهادة كقوله تعالى :﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ الآية [ ١٤٣ ] [ أنهم قد بلّغوا ](٣) الرسالة.
وقال بعضهم : يسأل الملائكة عن تبليغ الرسالة إلى الأنبياء، ويسأل الأنبياء عليهم السلام عن تبليغ الملائكة إليهم. وأمكن أن يكون السؤال(٤) للرسل عما أجيبوا، وكان سؤال الأمم عما أجابوا الرسل كقوله تعالى :﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾ [المائدة: ١٠٩] وقوله تعالى :﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥]. أو يكون سؤال القوم سؤال تقرير عندهم وإقرار لما كانوا ينكرون التبليغ إليهم كقوله تعالى :﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] هذا السؤال سؤال تقرير وتعيير، لا غير ؛ لأنه كان يعلم أنه لم يكن قال لهم ذلك، لكنه يسألهم سؤال تقرير ليقرّوا بذلك لئلا يقولوا : هو قال لهم ذلك ؛ لأنهم قالوا : عيسى هو الذي قال لهم ذلك. فعلى ذلك الأول.
١ في الأصل وم: عليهم..
٢ في الأصل وم: سؤالهم..
٣ في الأصل وم: لأنه قد بلغ..
٤ ساقطة من م..
٢ في الأصل وم: سؤالهم..
٣ في الأصل وم: لأنه قد بلغ..
٤ ساقطة من م..