العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير

عن الكتاب
[ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين( ٧ ) ]( الأعراف : آية ٧ ) يعني : لا نسألهم لنستفيد منهم شيئا لم نعلمه ؛ بل نحن نقص عليهم جميع ما عملوا بعلم حقيقي أزلي محيط بكل شيء، وما كنا في دار الدنيا غائبين عن شيء فعلوه، فلا نسألهم سؤال استعلام واستكشاف، وإنما نسألهم سؤال توبيخ وتقريع، أما في الكفار فبالمباشرة، وفي المرسلين فليبرؤا أنفسهم سؤال بأنهم بلغوا، فيتوجه التقريع العظيم على الكفار الذين كذبوهم [ فلنقصن عليهم بعلم ] فوالله لنقصن عليهم بعلم.
ومعنى :[ فلنقصن عليهم بعلم ] نذكر لهم أعمالهم فذلك قصة، قصة، قصة، فيقول الله للعبد : يا فلان بن فلان ألم تعلم أنك فعلت في اليوم الفلاني، في الوقت الفلاني، في الساعة الفلانية، من الشهر الفلاني، في البقعة الفلانية، عملت كذا وكذا، وكذا وكذا ؟ ثم يسرد عليه أعماله قصة قصة، وقعة بعد وقعة، حتى يأتي على جميع ما فعل، وكذلك تشهد عليهم بقاع الأرض ؛ لأن الإنسان إذا عصى الله في بقعة من بقاع الأرض يومئذ ينطقها الله، وتشهد عليه البقعة، وتقول : أشهد على فلان بن فلان أنه في ساعة كذا في يوم كذا في شهر كذا فعل علي كذا وكذا. كما يأتي إيضاح هذا في سورة الزلزلة في قوله :[ إذا زلزلت الأرض زلزالها( ١ ) ] إلى قوله[ يومئذ تحدث أخبارها( ٤ ) بأن ربك أوحى لها( ٥ ) ] ( الزلزلة : الآيات١-٥ ) تحدث الأرض أخبارها فتخبر بما فعل الناس عليها، كما أنهم في ذلك الوقت تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم وجلودهم، كما قال تعالى :[ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أرجلهم بما كانوا يكسبون( ٦٥ ) ]( يس : آية ٦٥ ) ولما لاموا جلودهم في الشهادة عليهم :[ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ]( فصلت : آية ٢١ ) والله ( جل وعلاه ) يخبر أنهم في دار الدنيا ما كانوا يتسترون على أعضائهم خوف أن تشهد عليهم، لا يظنون أنها تشهد عليهم [ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون( ٢٢ ) وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ]( فصلت : الآيتان ٢٣، ٢٢ ) يعني :[ فلنقصن عليهم ] ( الأعراف : آية ٧ ) على الأنبياء والأمم ما فعله كل إنسان على رؤوس الأشهاد، فعلت كذا وكذا، مع أنه يجد كل ما فعل من حين يخط عليه القلم إلى أن يموت مكتوبا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ؛ وإذا وضع الكتاب خاف أهل الذنوب خوفا هائلا شديدا ؛ ولذا قال تعالى :[ ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ] مشفقين : أي : خائفين خوفا عظيما يتخلله الإشفاق على أنفسهم من الهلاك[ ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ]( الكهف : آية ٤٩ ) وفي ذلك الوقت يعطى كل إنسان كتابه على رؤوس الأشهاد ويؤمر بأن يقرأه هو بنفسه، كما قال جل وعلا :[ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا( ١٣ ) اقرأ كتابك كفى بنفسيك اليوم عليك حسيبا( ١٤ ) ]( الإسراء : الآيتان ١٤، ١٣ ) فإذا عرف الإنسان أن جميع ما يقول في دار الدنيا سيلقى على رؤوس الأشهاد ويقص عليه أمام الخلائق في الآخرة : فعلت كذا وكذا، في يوم كذا، في تاريخ كذا، وأنه يلقاه في كتاب منشور على رؤوس الأشهاد، إذا كان المسلم يعرف هذا وعنده مسكة من عقل يجب عليه في الدار الدنيا- وقت إمكان الفرصة- أن لا يخزي نفسه ويخجلها على رؤوس الأشهاد خزيا وخجلا يجره إلى النار، فيحاسب وينظر إلى الملكين المصاحبين له، وأن لا يقول ولا يفعل إلا شيئا إذا رآه مسجلا عليه يوم القيامة، أو قيل له :" أنت فعلت " كان يبيض وجهه، ولا يسوده، ولا يخزيه، ولا يفضحه. وعلى كل واحد منا أن يعلم الحقائق القرآنية، وأسرار الوحي، ولا يبقى كالبهيمة التي تأكل النهار وتنام الليل، هذا لا ينبغي ؛ لأن الرحيل قريب والقضاء قريب، والمحاسبة حق، وكل ما فعله الإنسان مسجل عليه، وسيقرأ على رؤوس الأشهاد، وسيجده في كتاب منشور، فعلينا معاشر الإخوان أن لا نفضح أنفسنا يوم القيامة، وأن لا نفوت الفرصة وقت الإمكان ونضيعها في قال وقيل حتى يضيع العمر المحدد، ويجر الإنسان إلى القبر وهو صفر الكفين، فقير ليس عنده حسنات، لا ينشر عنه يوم القيامة إلا ما يفضحه ويخزيه، وفضيحة الآخرة وخزيها ليست كفضيحة الدنيا، فالذي يفضح في الدنيا يكون خسيس العرض وهو في أشد الفضيحة وهو يفرح ويمرح، ويأكل ويشرب، صحيح الجسم، لا أثر عليه. أما فضيحة الآخرة فإنها يتبعها العذاب المخلد، والجر بالنواصي والأقدام إلى النار. فعلينا كلا أن ننتهز الفرصة قبل أن يضيع الوقت، وأن لا نفرط لئلا نندم حيث لا ينفع الندم، لأن الله ( جل وعلا ) مسجل علينا كل ما فعلنا ؛ ولذا قال :[ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين( ٧ ) ].
وقد أجمع جميع العلماء أن مثل هذه الآيات لم ينزل الله من( السماء إلى الأرض ) واعظا أكبر، ولا زاجرا أعظم من هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، الذي لا تكاد تقلب ورقة واحدة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم ؛ لأن جبار السماوات والأرض، خالق الخلق يقول لكم : يا عبادي الأذلاء الضعفاء المساكين : اعلموا أني مطلع على كل ما تفعلون من الخسائس والخبائث، أسجله عليكم بعلم حقيقي أزلي إلهي، ولست غائبا عن شيء تفعلونه، بل كل ما تفعلون بمرأى مني ومسمع، فاحذروا أن تنتهكوا حرماتي، وأن تستوجبوا سخطي وعذابي يوم القيامة.
وضرب بعض العلماء لهذا مثلا- ولله المثل الأعلى-وقد كررناه في هذه الدروس تكرارا كثيرا تكرار القرآن له في جميع الآيات، لو فرضنا أن هذا البراح من الأرض فيه ملك- ولله المثل الأعلى- إذا انتهكت حرماته يغضب غضبا شديدا، وينكل بمن أغضبه أشد النكال وأعظمه، وحول هذا الملك نساؤه وبناته وجواريه، أترون أن الحاضرين يخطر في بال أحد منهم أن يشير إلى جارية من جواريه، أو إحدى بناته ؟ لا، بل كل منهم خاشع الطرف، خاضع الأعضاء، غايته السلامة، لا يتحرك، ولا يفعل أي شيء يغضب ذلك الملك وهو ينظر إليه. هذا- ولله المثل الأعلى- في ملك الآدميين، يموت وتأكله التراب والدود، فكيف ولله المثل الأعلى-بخالق السماوات والأرض، هو أشد بطشا وأعظم نكالا، وهو مطلع عليكم، يقول لكم : اعلموا أن كل ما تفعلون أني مطلع عليه. فلو علم أهل بلدة من البلاد أن أمير ذلك البلد يطلع على كل ما يفعلونه من الخبائث والخسائس في الليل، وانه يراه، لباتوا متأدبين لا يفعلون إلا شيئا حسنا خوفا من عقابه، مع ضعف عقاب ملوك الدنيا( ولله المثل الأعلى- فالله يقول :[ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين( ٧ ) ] [ وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ]( يونس : آية ٦١ ) ولأجل أن هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، هو أعظم أسباب طاعة الله ؛ لأن من راقب الله، ولاحظ أن الله مطلع عليه- إن كان عاقلا- استحيا من الله، ولم يرتكب ما يسخط الله، ولا يفضحه هو ويخزيه يوم القيامة. أراد جبريل عليه السلام أن يعلم الصحابة ( رضي الله عنهم ) هذا الزاجر الكبر، والواعظ العظم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حديث جبريل المشهورة، وقال له :" يا محمد-صلوات الله عليه- أخبرني عن الإحسان " والإحسان : هو أن تأتي بالعمل حسنا على الوجه اللائق عند الله ( جل وعلا )، والإحسان هو الذي خلقنا من أجله ؛ لأن الله يقول في أول سورة هود :[ خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ] ثم بين الحكمة في خلقه الخلائق فقال :[ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ]( هود : آية ٧ ) ولم يقل : أكثر عملا. وقال في أول سورة الكهف :[ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ] ثم بين الحكمة في خلق الأرض وزينتها قال :[ لنبلوهم أيهم أحسن عملا ]( الكهف : آية ٧ ) وقال في أول سورة الملك :[ الذي خلق الموت والحياة ] ثم بين الحكمة فقال :[ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ]( الملك : آية ٢ ) فهذه الآيات دلت على انه خلق الخلق ليمتحنهم، وهذا لا ينافي :[ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( ٥٦ ) ]( الذاريات : آية ٥٦ ) أي : إلا لآمرهم بعبادتي على ألسنة رسلي، وأمتحنهم فيظهر المحسن منهم وغير المحسن. فلما كان الإحسان هو الذي خلقنا من اجله، أراد جبريل أن ينبه الصحابة على الطريق إليه فقال : يا محمد أخبرني عن الإحسان " صلى الله عليه وسلم. فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن طريق الإحسان محصورة في هذا الزاجر الأكبر، والواعظ العظيم، وهو أن يعلم العبد الضعيف الذليل المسكين أن جبار السماوات والأرض مطلع عليه، حاضر لا يغيب عن شيء من فعله، يعلم كل ما يفعل ؛ ولذا قال " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". فجميع الخلائق الله ( جل وعلا ) مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أعمالهم ؛ ولذا قال :[ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين( ٧ ) ]( الأعراف : آية ٧ ).
وآية الأعراف هذه وغيرها من الآيات تدل على بطلان مذهب المعتزلة النافين للصفات، فيقولون : إن الله عالم لا بعلم قام بذاته، قادر لا بقدرة قامت بذاته... إلى آخرها. ويقولون : إن العلم لو كان ثابتا لكان موجودا أزليا قديما، والقديم لا يتعدد. وهذا من سخافة عقولهم، والله أثبت لنفسه أنه عالم بعلم فقال :[ فلنقصن عليهم بعلم ] وأثبت لنفسه صفة العلم ونظيرها قوله :[ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ] ( النساء : آية ١٦٦ ) وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم له صفة العلم والقدرة في دعاء الاستخارة المشهور المأثور :" اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك " فأثبت له صفة العلم وصفة القدرة. فهذه النصوص القرآنية النبوية من الآيات والأحاديث تدل على بطلان سخافة المعتزلة في نفيهم لصفات المعاني وإثباتهم أحكامها ؛ ولذا قال جل وعلا :[ فلنقصن عليهم بعلم ].
[ وما كنا غائبين ]( الأعراف : آية٧ ) صيغة الجمع في قوله :[ وما كنا ] للتعظيم، وقد جاء عن ابن عباس( رضي الله عنه ) أن السماوات السبع، والأرضين السبع ومن فيهما في يد الله ( جل وعلا ) أصغر من حبة خردل في يد أحدنا. وله المثل الأعلى فهو العلي العظم، الكبير الأكبر، الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء، فعلينا جميعا أن نعلم أن كل ما نفعل أن ربنا مطلع عليه، ومدخره لنا فمجازينا عليه، وليعلم كل واحد منا أن حركاته في دار الدنيا هي بيته الذي يبنيه، والذي يصير مصيره الأبدي إليه، فإن كانت حركاته طيبة كلها طاعة لله فإنه يبني بها غرفة من غرف الجنة، ينال فيها الحور العين، والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، وإن كانت حركاته في دار الدنيا حركات سيئة مخالفة ( في الأصل :" مخالفة لغير ما أنزل الله " وهو سبق لسان ) لما أنزل الله فإن تلك الحركات إنما يبني بها منزله ومصيره الأخير، وهو سجن من سجون جهنم ؛ لأنه لا مسكن في الآخرة إلا غرف الجنة أو سجون جهنم، وقد يدخل الواحد من أهل جهنم في سجنه ومقره كما يدخل الوتد في الحائط لشدة ضيق مكانه عليه، كما قال جل وعلا :[ وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا( ١٣ ) ]( الفرقان : آية

تفسير هذه الآية من كتب أخرى