اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَالَ الملأ الذين استكبروا﴾ هم الرؤساء ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب﴾ ونخرج أتباعك من قريتنا.
وقوله :﴿والذين آمَنُواْ﴾ عطف على الكاف، و " يا شعيبُ " اعتراض بين المتعاطفين.
قوله :﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ عطف على جواب القسم، إذ التقدير : والله لنخرجنَّكَ والمؤمنين أو لتعودُنَّ، فالعَوْدُ مُسند إلى ضمير النبي ومَنْ آمن معه.
فإن قيل : إن شعيباً لم يكن قطّ على دينهم ولا ملتهم، فكيف يحسن أن يقال :﴿أو لتعودن في ملتنا﴾، وقوله :﴿قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إن عدنا في ملتكم﴾ يدل أيضاً على ذلك ؟.
فالجواب : أن " عاد " في لسان العرب لها استعمالان :
أحدهما - وهو الأصل - أنه الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأول.
والثاني : استعمالُها بمعنى " صار "، وحينئذ ترفعُ الاسم وتنصبُ الخبرَ، فلا تكتفي بمرفوع وتفتقر إلى منصوب، [ وهذا عند بعضهم ] ومنهم من منع أن تكون بمعنى " صار " فمن مجيئها بمعنى " صار " قوله :[ الطويل ]
وَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إذَا ما تَرَكْتُهُأخَا القَومِ واسْتَغْنَى عَنِ المَسْحِ شَارِبُهْ
وَبِالْمَحْض حَتَّى عَادَ جَعْداً عَنَطْنَطاًإذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الفَحْلِ غَارِبُهْ(١)
فرفع ب " عاد " ضمير الأول ونصب بها " جَعْداً "، ومَنْ مَنَع ذلك يَجْعل المنصوب حالاً قال :[ الطويل ]
فَإنْ تَكُنْ الأيَّامُ أحْسَنَ مُدَّةًإليَّ فَقَدْ عَادَتْ لَهُنَّْ ذُنُوبُ(٢)
أي : صار لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوباً كانت لهن قبل الإحسان، وعلى هذا فزال الإشكال، والمعنى : لتصيرنّ في ملتنا بعد أن لم تكونوا، ف﴿في ملتنا﴾ خبر على هذا.
وأمّا على الأول فالجواب من وجوه :
أحدها : أن هذا القول من رؤسائهم، قصدوا به التلبيس على العوام، والإيهام لهم أنه كان على دينهم وفي مِلَّتِهِمْ.
الثاني : أنهم خاطبوا شعيباً بخطاب أتباعه، وأجروا عليه أحكامهم.
الثالث : أن يُراد بعَوْده رجوعُه إلى حالة سكوته قبل بعثته ؛ لأنه قبل أن يبعث إليهم كان يُخْفي إيمانه، وهو ساكت عنهم بريء مِنْ معبودهم غير الله.
وعدَّى " عاد " ب " في " الظرفية، كأن المِلَّة لهم بمنزلةِ الوعاءِ المحيط بهم.
قوله :﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الاستفهامُ للإنكار تقديره : أيوجدُ منكم أحد هذين الشيئين : أعني الإخراج من القرية، والعَوْد في الملة على كل حال حتى في حال كراهتنا لذلك ؟.
وقال الزمخشري(٣) :" الهمزةُ للاستفهام، والواوُ واو الحال تقديره : أتعيدوننا في ملَّتكم في حال كراهتنا ".
قال أبو حيان(٤) :" وليست هذه واو الحال، بل واو العطف، عطفت هذه الحال على حال محذوفة، كقوله - عليه الصلاة والسلام - :( رُدُّوا الساَّئِلَ ولَوْ بِظلْفٍ مُحرقٍ(٥) ). ليس المعنى : رُدُّوه حال الصدقة عليه بظلف مُحرق، بل معناه : رُدُّوه مصحوباً بالصدقة ولو مصحوباً بظلفٍ محرق، وقد تقدّمت هذه المسألة، وأنه يصح أن تُسمَّى واو الحال وواو العطف [ وتحرير ذلك، ولولا تكريره لما كرَّرْته ](٦).
وقال أبو البقاء(٧) : و " لو " هنا بمعنى " إنْ " لأنها للمستقبل، ويجوز أن تكون على أصلها، ويكون المعنى : لو كنا كارهين في هذا الحال أي إن كنا كارهين لذلك فتجبروننا عليه.
وقوله :" لأنها للمستقبل " ممنوع.
١ تقدم..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٢٨، والرازي ١٤/١٤٤. وروح المعاني ٩/٢..
٣ ينظر: الكشاف ٢/١٣٠..
٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٤٥..
٥ اخرجه مالك في الموطأ ٢/٩٢٣، كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم: باب ما جاد في المسكين الحديث ٨ وأخرجه أحمد في المسند ٦/٤٣٥ ضمن مسند حواء جدة عمرو بن معاذ رضي الله عنها، وأخرجه أبو داود في السنن ٢/٣٠٧، كتاب الزكاة: باب حق السائل الحديث ١٦٦٧، وأخرجه الترمذي في السنن ٣/٥٢-٥٣ كتاب الزكاة باب ما جاء في حق السائل ٢٩، الحديث (٦٦٥) وقال: (حديث بجير حديث حسن صحيح). وأخرجه النسائي في المجتبى من السنن ٥/٨١، كتاب الزكاة باب رد السائل وأخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٢١١ كتاب الزكاة: باب إعطاء السائل ولو ظلفا محرقا الحديث (٨٢٥) وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/٤١٧، كتاب الزكاة باب تأكيد الإعطاء للسائل وقالك (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. .
٦ سقط من أ..
٧ ينظر: الإملاء ١/٢٧٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى