تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٨٨ وقوله تعالى :﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن الملأ من قومه : هم كبراؤهم ورؤساؤهم. وقوله ﴿استكبروا﴾ أي استكبروا عن الخضوع والطاعة لمن هو دونهم عندهم(١) لأنهم كانوا يضعّفون شعيبا في ما بينهم، ويزدرونه، بقولهم(٢) :﴿وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز﴾ [هود: ٩١].
ثم لم يروا الأمر بالخضوع لمن هو دونهم في أمر الدنيا عدلا، وهم إنما أخذوا من إبليس اللعين [ رأيه، وقلّدوه حين ](٣) قال :﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ [ الأعراف : ١٦ وص : ٧٦ ] [ حين أمر ](٤) بالسجود لآدم، ولم ير اللعين الأمر بالخضوع لآدم من الله عدلا. فعلى ذلك هؤلاء لم يروا الخضوع لمن دونهم عندهم عدلا، فاستكبروا عليه، فكفروا لذلك.
وقوله تعالى :﴿لنخرجنّك يا شعيب﴾ قال الحسن :﴿لنخرجنّك﴾ أي لنقتلنّك ﴿والذين آمنوا معك من قريتنا﴾ وقال غيره :﴿لنخرجنّك﴾الإخراج نفسه ؛ أي لنخرجنّك ومن معك من المؤمنين من قريتنا إن لم تتّبع ديننا.
وقد كان منهم للأنبياء المعنيان(٥) جميعا : التوعّد بالقتل والإخراج جميعا كما قالوا :﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ [هود: ٩١]، وكقول قوم لوط للوط :﴿لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين﴾ [الشعراء: ١٦٧]، وكقول قوم نوح ﴿لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين﴾ [الشعراء: ١١٦]، وما أخبر عن قول هؤلاء لرسولنا حين(٦) قال :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٣٠]. قد كان من القوم إلى الأنبياء والرسل عليهم السلام المعنيان(٧) جميعا : التوعّد بالقتل والإخراج جميعا.
فعلى ذلك يحتمل ذلك من قوم شعيب ما ذكرنا، والله أعلم.
وكذلك كانوا يقولون للرسل جميعا حين(٨) قالوا :﴿لنخرجنّكم من أرضنا﴾ الآية [إبراهيم: ١٣]. هذه(٩) كانت عادة جميع الكفرة يخوّفون الرسل بالإخراج مرة وبالقتل ثانيا.
وقوله تعالى :﴿أو لتعودنّ في ملّتنا﴾ يحتمل قوله تعالى :﴿أو لتعودنّ في ملّتنا﴾ لما عندهم أنه كان على دينهم الذي هم عليه لما يرون منه عبادته لله في ما يعبده(١٠) سرا، فقالوا :﴿أو لتعودنّ في ملّتنا﴾ على ما كان عندهم أنه على ذلك. وهو كما قالوا لصالح :﴿قد كنت فينا مرجوّا فينا قبل هذا﴾ [هود: ٦٢]، كان عندهم أنه على دينهم قبل ذلك.
فعلى ذلك يحتمل قول(١١) هؤلاء ﴿أو لتعودنّ﴾ من العود إلى ما كان عندهم أنه على ذلك.
ويحتمل على الابتداء :[ ابتداء ](١٢) الدخول فيها والاختبار كقوله تعالى :﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] على منع الدخول فيها لا أنهم كانوا فيها، ثم أخرجهم، فعلى ذلك الأول.
وقوله تعالى :﴿أولو كنا كارهين﴾ يقول : أو لنعودنّ في ملّتكم، وإن كنا كارهين : أي تأبى عقولنا، وتكره طباعنا الدخول(١٣) في ملّتكم، فكيف نعود فيها ؟
١ من م، في الأصل: عند..
٢ في الأصل وم: كقولهم..
٣ في الأصل وم: رأياه قلدوا حيث..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: المعنيين..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: المعنيين..
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل: وم: هذا..
١٠ في الأصل وم: بعده..
١١ في الأصل وم: قوله..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ أدرج قبلها في الأصل وم: عن..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى