فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ الوزن مبتدأ وخبره الحق، أي الوزن في هذا اليوم العدل الذي لا جور فيه، أو الخبر يومئذ، والحق وصف للمبتدأ، أي الوزن العدل كائن في هذا اليوم وقيل : إن الحق خبر مبتدأ محذوف.
واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن الكائن في هذا اليوم، فقيل : المراد به وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزناً حقيقياً، وهذا هو الصحيح، وهو الذي قامت عليه الأدلة ؛ وقيل : توزن نفس الأعمال، وإن كانت أعراضاً فإن الله يقلبها يوم القيامة أجساماً كما جاء في الخبر الصحيح :«إن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فِرْقان من طير صوافّ » وكذلك ثبت في الصحيح أنه يأتي القرآن في صورة شاب شاحب اللون ونحو ذلك. وقيل : الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقيل : الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكرهما من باب ضرب المثل، كما تقول هذا الكلام في وزن هذا. قال الزجاج : هذا سائغ من جهة اللسان، والأولى أن نتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيري : وقد أحسن الزجاج فيما قال، إذ لو حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، ثم قال : وقد أجمعت الأمة في الصدر الأوّل على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، صارت هذه الظواهر نصوصاً انتهى. والحق هو : القول الأوّل.
وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فما يأتون في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه، بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم، فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال : كل ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها، بل كل فريق يدعى على العقل ما يطابق هواه، ويوافق ما يذهب إليه هو أو من هو تابع له، فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم، يعرف هذا كل منصف، ومن أنكره فليصفّ فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه.
وقد ورد ذكر الوزن والموازين في مواضع من القرآن كقوله :﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾، وقوله :﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ﴾، وقوله :﴿فَمَن ثَقُلَتْ موازينه فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون وَمَنْ خَفَّتْ موازينه فأُوْلَئِكَ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالدون﴾، وقوله :﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وقوله :﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ موازينه فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.
والفاء في ﴿فَمَن ثَقُلَتْ موازينه﴾ للتفصيل. والموازين : جمع ميزان، وأصله موزان قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وثقل الموازين هذا يكون بثقل ما وضع فيها من صحائف الأعمال. وقيل : إن الموازين جمع موزون، أي فمن رجحت أعماله الموزونة، والأوّل : أولى. وظاهر جمع الموازين المضافة إلى العامل أن لكل واحد من العاملين موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله. وقيل : وهو ميزان واحد عبر عنه بلفظ الجمع كما يقال : خرج فلان إلى مكة على البغال، والإشارة بقوله :﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إلى من، والجمع باعتبار معناه كما رجع إليه ضمير ﴿موازينه﴾ باعتبار لفظه هو مبتدأ خبره ﴿هُمْ المفلحون﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ قال : العدل ﴿فَمَن ثَقُلَتْ موازينه﴾ قال : حسناته ﴿وَمَنْ خَفَّتْ موازينه﴾ قال : حسناته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، توزن الأعمال. وقد ورد في كيفية الميزان والوزن والموزون أحاديث كثيرة.
وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ :" يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدّ البصر، فيقول : أتنكر من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا ربّ، فيقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول : لا يا ربّ، فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة، وإنّه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول : يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقال : إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " وقد صححه أيضاً الترمذي، وإسناده أحمد حسن.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم﴾ قال : خلقوا في أصلاب الرجال، وصوّروا في أرحام النساء.
وأخرج الفريابي عنه أنه قال : خلقوا في ظهر آدم، ثم صوّروا في الأرحام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً قال : أما خلقناكم فآدم، وأما ثم صوّرناكم فذريته.
وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال : خلق إبليس من نار العزة. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت : قال رسول الله ﷺ :«خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من نار، وخلق آدم مما وصفه لكم» وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : أوّل من قاس إبليس في قوله :﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وإسناده صحيح إلى الحسن. وأخرج أبو نعيم في الحلية، والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، أن رسول الله ﷺ قال :«أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله له اسجد لآدم، فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين» قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه، قرنه الله يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس، وينبغي أن ينظر في إسناد هذا الحديث، فما أظنه يصح رفعه وهو لا يشبه كلام النبوّة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال :﴿فبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ أضللتني. وأخرج عبد بن حميد، عنه، في قوله :﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم﴾ قال : طريق مكة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿وَعَنْ أيمانهم﴾ أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ قال : أسنّ لهم المعاصي وأحق عليهم الباطل ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين﴾ قال : موحدين.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول : من حيث يبصرن ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من حيث لا يبصرون ﴿وَعَنْ أيمانهم﴾ من حيث يبصرون ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ من حيث لا يبصرون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عنه، أيضاً في الآية قال : لم يستطع أن يقول من فوقهم. وفي لفظ علم أن الرحمة تنزل من فوقهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في قوله :﴿مَذْءومًا﴾ قال : ملوماً، مدحوراً : قال مقيتاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ﴿مَذْءومًا﴾ قال : منفياً ﴿مَّدْحُورًا﴾ قال : مطروداً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى