اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً﴾ فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن هذا الموصول في محل رفع بالابتداء وخبره الجملة التشبيهية بعده.
قال الزمخشري(١) :" وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل : الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهْلِكوا واستُؤصلوا كأن لم يُقيموا في دارهم ؛ لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله تعالى ".
قال شهاب الدين(٢) :" قوله :" يفيد الاختصاص " هو معنى قول الأصوليين :" يفيد الحصر " على خلاف بينهم في ذلك إذا قلت : زيد العالم، والخلاف في قولك : العالم زيد أشهرُ منه فيما تقدَّم فيه المبتدأ ".
الثاني : أن الخبر هو نفس الموصول الثاني وخبره، فإن الموصول الثاني مبتدأ والجملةُ من قوله :﴿كانوا هم الخاسرين﴾ في محل رفع خبراً له، وهو وخبره خبر الأول، و﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ﴾ : إمَّا اعتراض، وإمَّا حال من فاعل " كذَّبوا ".
الثالث : أن يكون الموصولُ الثاني خبراً بعد خبر عن الموصول الأول، والخبر الأول الجملة التشبيهية.
الرابع : أن يكون الموصول الثاني بدلاً من قوله :﴿وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٩٠] فكأنه قال :" وقال الذين كفروا منهم الذين كذّبوا شعيباً " وقوله :﴿لئن اتبعتم شعيباً﴾ معمول للقول فليس بأجنبي.
الخامس : أنه صفة له، أي : للذين كفروا من قومه.
هذه عبارة عن أبي البقاء(٣)، وتابعه أبو حيان(٤) عليها، والأحسن أن يقال : بدلٌ من الملأ أو نعت له ؛ لأنه هو المحدَّثُ عنه والموصول صفة له، والجملة التشبيهية على هذين الوجهين حال من فاعل " كذَّبوا ".
وأمّا الموصول الثاني فقد تقدم أنه يجوز أن يكون خبراً باعتبارين : أعني كونه أول أو ثانياً، ويجوز أن يكون بدلاً من فاعل " يغنوا " أو منصوباً بإضمار " أعني " أو مبتدأ وما بعده الخبر. وهذا هو الظاهر لتكون كل جملة مستقلة بنفسها، وعلى هذا الوجه ذكر الزمخشري(٥) أيضاً أن الابتداء يفيد الاختصاص قال :" أي هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه، وقد تقدَّم موضحاً ".
قوله :﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ يغنون : بمعنى يقيمون يقال : غَنِي بالمكان يَغْنى فيه أي : أقام دهراً طويلاً، والمغاني المنازل التي كانوا فيها واحدها مغنى، وقيَّده بعضهم بالإقامة في عيش رغد، فهو أخصُّ من مطلق الإقامة ؛ قال الأسَودُ بْنُ يَعْفُرَ :[ الكامل ]
وقيل : معنى الآية هنا من الغِنَى الذي هو ضد الفقر، قاله الزجاج(٧) وابن الأنباري وتابعهما ابن عطية(٨) ؛ وأنشدوا :[ الطويل ]
قالوا : معناه استغنينا ورضينا، فمعنى ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ كأن لم يعيشوا فيها مستغنين.
قال ابن الخطيب(١٠) : فعلى هذا التفسير شبّه الله - تعالى - حال هؤلاء المكذبين بحال من من لم يكن قط في تلك الديار قال الشاعر :[ الطويل ]
وقدّر الراغب غني بمعنى الإقامة بالمكان إلى معنى الغنى الذي هو ضد الفقر فقال :﴿وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مُسْتَغْنِياً به عن غيره﴾.
قوله :﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كأن لم يغنوا﴾ كرر قوله :﴿الذين كذبوا شعيباً﴾ تعظيماً لذمهم وتعظيماً لما يستحقون من الجزاء، والعرب تكرر مثل هذا في التعظيم والتفخيم، فيقول الرجل لغيره :" أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي هنا أعراضنا "، ولمَّا قال القوم :﴿لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون﴾ بيَّن الله - تعالى - أن الذين لم يتبعوه وخافوه هم الخاسرون، وقد تقدم الكلام على قوله :" فتولّى عنهم " في أن التولي بعد نزول العذاب أو قبله.
قال الكلبي :" لم يعذب قوم نبي حتى أخرج من نبيهم ".
دلّت الآية على أشياء : منها : أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار لا بتأثير الكواكب والطبيعة، وإلا لحصل في أتباع شعيب كما حصل للكفّار.
[ ومنها أنها تدل على أن ذلك الفاعل المختار عالم بجميع الجزئيات حتى يمكن التمييز بين المطيع والعاصي ](١٢).
ومنها : أنها تدل على المعجز العظيم في حق شعيب - عليه السلام - ؛ لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجموعين في بلدة واحدة كان ذلك من أعظم المعجزات.
أحدها : أن هذا الموصول في محل رفع بالابتداء وخبره الجملة التشبيهية بعده.
قال الزمخشري(١) :" وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل : الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهْلِكوا واستُؤصلوا كأن لم يُقيموا في دارهم ؛ لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله تعالى ".
قال شهاب الدين(٢) :" قوله :" يفيد الاختصاص " هو معنى قول الأصوليين :" يفيد الحصر " على خلاف بينهم في ذلك إذا قلت : زيد العالم، والخلاف في قولك : العالم زيد أشهرُ منه فيما تقدَّم فيه المبتدأ ".
الثاني : أن الخبر هو نفس الموصول الثاني وخبره، فإن الموصول الثاني مبتدأ والجملةُ من قوله :﴿كانوا هم الخاسرين﴾ في محل رفع خبراً له، وهو وخبره خبر الأول، و﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ﴾ : إمَّا اعتراض، وإمَّا حال من فاعل " كذَّبوا ".
الثالث : أن يكون الموصولُ الثاني خبراً بعد خبر عن الموصول الأول، والخبر الأول الجملة التشبيهية.
الرابع : أن يكون الموصول الثاني بدلاً من قوله :﴿وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٩٠] فكأنه قال :" وقال الذين كفروا منهم الذين كذّبوا شعيباً " وقوله :﴿لئن اتبعتم شعيباً﴾ معمول للقول فليس بأجنبي.
الخامس : أنه صفة له، أي : للذين كفروا من قومه.
هذه عبارة عن أبي البقاء(٣)، وتابعه أبو حيان(٤) عليها، والأحسن أن يقال : بدلٌ من الملأ أو نعت له ؛ لأنه هو المحدَّثُ عنه والموصول صفة له، والجملة التشبيهية على هذين الوجهين حال من فاعل " كذَّبوا ".
وأمّا الموصول الثاني فقد تقدم أنه يجوز أن يكون خبراً باعتبارين : أعني كونه أول أو ثانياً، ويجوز أن يكون بدلاً من فاعل " يغنوا " أو منصوباً بإضمار " أعني " أو مبتدأ وما بعده الخبر. وهذا هو الظاهر لتكون كل جملة مستقلة بنفسها، وعلى هذا الوجه ذكر الزمخشري(٥) أيضاً أن الابتداء يفيد الاختصاص قال :" أي هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه، وقد تقدَّم موضحاً ".
قوله :﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ يغنون : بمعنى يقيمون يقال : غَنِي بالمكان يَغْنى فيه أي : أقام دهراً طويلاً، والمغاني المنازل التي كانوا فيها واحدها مغنى، وقيَّده بعضهم بالإقامة في عيش رغد، فهو أخصُّ من مطلق الإقامة ؛ قال الأسَودُ بْنُ يَعْفُرَ :[ الكامل ]
| وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بأنْعَمِ عِيشَةٍ | فِي ظِلِّ مَلْكٍ ثَابتِ الأوْتَادِ(٦) |
| غَنِيَا زَمَاناً بالتَّصَعْلُك والغِنَى | [ كما الدَّهرُ في أيَّامِهِ العُسْرُ واليُسْرُ ] |
| كَسَبْنَا صُرُوفَ الدَّهْرِ لِيناً وغلْظَةً | وكُلاًّ سَقَانَاهُ بِكأسمهما الدَّهْرُ(٩) |
قال ابن الخطيب(١٠) : فعلى هذا التفسير شبّه الله - تعالى - حال هؤلاء المكذبين بحال من من لم يكن قط في تلك الديار قال الشاعر :[ الطويل ]
| كأن لم يَكُنْ بَيْنَ الحجون إلى الصفا | أنيس ولم يسمر بمكة سامر |
| بَلَى نَحْنُ كُنَّا أهْلَهَا فأبَادَنَا | صُرُوفُ اللَّيَالِي والحُدُودُ العَواثِرُ(١١) |
قوله :﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كأن لم يغنوا﴾ كرر قوله :﴿الذين كذبوا شعيباً﴾ تعظيماً لذمهم وتعظيماً لما يستحقون من الجزاء، والعرب تكرر مثل هذا في التعظيم والتفخيم، فيقول الرجل لغيره :" أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي هنا أعراضنا "، ولمَّا قال القوم :﴿لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون﴾ بيَّن الله - تعالى - أن الذين لم يتبعوه وخافوه هم الخاسرون، وقد تقدم الكلام على قوله :" فتولّى عنهم " في أن التولي بعد نزول العذاب أو قبله.
قال الكلبي :" لم يعذب قوم نبي حتى أخرج من نبيهم ".
فصل في الدلالة من الآية
دلّت الآية على أشياء : منها : أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار لا بتأثير الكواكب والطبيعة، وإلا لحصل في أتباع شعيب كما حصل للكفّار.
[ ومنها أنها تدل على أن ذلك الفاعل المختار عالم بجميع الجزئيات حتى يمكن التمييز بين المطيع والعاصي ](١٢).
ومنها : أنها تدل على المعجز العظيم في حق شعيب - عليه السلام - ؛ لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجموعين في بلدة واحدة كان ذلك من أعظم المعجزات.
١ ينظر: الكشاف ٢/١٣١..
٢ ينظر: الدر المصون ٣/٣٠٥-٣٠٦..
٣ ينظر: الإملاء ١/٢٨٠..
٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٤٨..
٥ ينظر: الكشاف ٢/١٣١..
٦ ينظر: الرازي ١٤/١٤٨، والدر المصون ٣/٣٠٦..
٧ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٣٩٦..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٣٠..
٩ ينظر: القرطبي ٧/١٦١، والمحرر الوجيز ٢/٤٣٠، وروح المعاني ٥/٦. واللسان (صعلك)..
١٠ ينظر الرازي ١٤/١٤٨..
١١ البيتان لعمرو بن الحارث بن مضاص أو للحارث الجرهمي. ينظر لسان العرب (حجن)، ومعجم البلدان ٢/٢٦٠، والفخر الرازي ١٤/١٤٨، والمحرر الوجيز ٢/٤٣٠..
١٢ سقط من ب..
٢ ينظر: الدر المصون ٣/٣٠٥-٣٠٦..
٣ ينظر: الإملاء ١/٢٨٠..
٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٤٨..
٥ ينظر: الكشاف ٢/١٣١..
٦ ينظر: الرازي ١٤/١٤٨، والدر المصون ٣/٣٠٦..
٧ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٣٩٦..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٣٠..
٩ ينظر: القرطبي ٧/١٦١، والمحرر الوجيز ٢/٤٣٠، وروح المعاني ٥/٦. واللسان (صعلك)..
١٠ ينظر الرازي ١٤/١٤٨..
١١ البيتان لعمرو بن الحارث بن مضاص أو للحارث الجرهمي. ينظر لسان العرب (حجن)، ومعجم البلدان ٢/٢٦٠، والفخر الرازي ١٤/١٤٨، والمحرر الوجيز ٢/٤٣٠..
١٢ سقط من ب..