اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
بين تعالى أنَّ تدبيره في أهْلِ القرى لا يجري على نَمَطٍ وَاحِدٍ وَإنَّمَا يُدَبِّرُهُم بما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقرب فقال :﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة﴾ ؛ لأنَّ ورود النِّعمة [ في البدن والمال ] بعد البأساء والضَّرَّاءِ يدعو إلى الانْقِيَادِ، والاشتغال بالشُّكْرِ.
وفي " مكان " وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ مفعول به لا ظَرْف، والمعنى : بَدَّلْنَا مكان الحال السَّيِّئَةِ [ الحال الحسنة ](١)، فالحسنةُ هي المأخوذة الحاصلةُ ومكان السيِّئةِ هو المتروك الذَّاهِبُ، وهو الذي تصحبه " الباء " في مثل هذا التركيب لو قيل في نظيره : بدَّلْتُ زيداً بِعَمْروٍ، فزيدٌ هو المأخوذ، وعمرو المتروكُ، وقد تقدَّمَ تحقيقُ هذا في البَقَرَةِ في موضعين :
أولهما :﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: ٥٩].
والثاني :﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ [البقرة: ٢١١].
ف " مَكَانَ " و " الحَسنَة " مفعولان إلاَّ أن أحدهُما وصل إليه الفعل بِنَفْسِهِ [ وهو " الحَسَنَةُ (٢) " ]، والآخر بحذف حرف الجرِّ وهو " مكان ".
والثاني : أنَّهُ مَنْصُوبٌ على الظَّرْفِ، والتَّقديرُ :" ثمَّ بَدَّلْنَا [ في ] مكان السَّيِّئَةِ الحسنةِ " إلا أنَّ هذا ينبغي أن يُردَّ ؛ لأن " بدَّل " لا بُدَّ له من مفعولين أحَدُهَمَا على إسقاط الباءِ.
والمراد بالحَسَنَةِ والسيِّئَةِ هاهنا : الشِّدَّةُ والرَّخَاءُ.
قال أهل اللُّغَةِ :" السَّيِّئَةُ : كلُّ ما يَسُوءُ صَاحِبَهُ، والحسنَةُ : كل ما اسْتَحسَنَهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ ".
قوله :" حَتَّى عَفَوا " " حتَّى " هنا غائيةٌ، وتقدير مَنْ قدّرها ب " إلَى " فإنَّمَا يريدُ تَفْسِيرَ المعنى لا الإعرابَ ؛ لأن حتَّى الجارَّة لا تُبَاشِرُ إلاَّ المضارع المنصوب بإضمار " أنْ " ؛ لأنها في التَّقْديرِ داخلة على المصدر المُنْسَبِك منها، ومن الفعل، [ وأمّا الماضي ] فلا يطَّرِدُ حذف " أنْ " معه، فلا يقدّر معه أنَّها حرف جرٍّ داخلة على أن المصدريَّة، أي : حتَّى أن عفوا، وهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه قول أبي البقاءِ :" حتَّى عَفَوْا أي : إلى أن عفوا ".
ومعنى " عَفَوا " هنا كَثُروا من عَفَا الشعْر إذا كَثُر، ومنه :" وأعْفُوا اللِّحَى (٣) " يُقَالُ : عَفَاه، وأعْفَاه ثلاثياً ورباعيّاً ؛ قال زهيرٌ :[ الوافر ]
أذَلِكَ أمْ أقَبُّ البَطْنِ جَأبٌعَلَيْهِ مِنْ عَقِيقَتِهِ عَفِاءُ(٤)
وفي الحديث :" إذَا عَفَا الوَبَرُ وبَرَأ الدُّبُرُ فَقَدْ حلَّت العُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرَ " ؛ وأنشد الزَّمَخْشريُّ على ذلك قولَ الحُطَيْئَةِ :[ الطويل ]
بِمُسْتأسِدِ القُرْبَانِ عَافٍ نَبَاتُهُ. . . (٥)
وقول لَبِيد :[ الوافر ]
ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَابأسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ(٦)
وتقدَّم تحقيقُ هذه المادّة في البقرة(٧).

فصل في المراد من الآية


ومعنى الآية أنَّ الله - تعالى - أبدلهم مكان الباساء والضرَّاء الحسنة، وهي النِّعمَةُ والسَّعَةُ والخَصْبُ والصِّحَّةُ.
" حتى عفوا " كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، وقالوا من غرتهم وغفلتهم :﴿قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضراء والسراء﴾، أي : هكذا كانت عادة الدَّهر قديماً لنا ولآبائنا، ولم يكن ذلك عقوبةً من اللَّهِ، فكُونُوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤُكم، فإنَّهُم لم يتركوا دِينَهُم لما أصابهم من الضَّرَّاءِ.
قوله :" فَأخَذْنَاهُمْ ".
قال أبُو البقاءِ(٨) :" هو عطفٌ على " عَفَوْا ". يريدُ : وما عطف عليه أيضاً، أعني أنَّ الأخذ ليس متسبباً عن العَفَاءِ فقط، بل عليه وعلى قولهم تلك المَقَالةِ الجاهليَّةِ ؛ لأنَّ المعنى ليس أنَّهُ لمُجرَّدِ كثْرَتِهِمْ، ونموِّ أموالِهِمْ أخذهم بغتة بل بمجموع الأمْرَيْنِ، بل الظَّاهِرُ أنَّهُ بقولهم ذلك فقط.
و " بَغْتَةً " إمَّا حالاً أو مَصْدراً، والبَغْتَةُ الفُجَاءَة، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ حال أيضاً وهي في قوَّةِ المُؤكِّدَةِ ؛ لأنَّ " بَغْتَةً " تفيدُ إفادتها، سواء أعْرَبْنَا " بغتة " حالاً أم مَصْدراً.
واعلم أنَّ الحكمة في حكاية هذا المعنى ليعتبر من سمع هذه القصَّة.
١ سقط من أ..
٢ سقط من أ..
٣ أخرج البخاري (١٠/٣٥١) كتاب اللباس: باب إعفاء اللحى حديث (٥٨٩٣) ومسلم ١/٢٢٢ كتاب الطهارة: باب خصال الفطرة حديث (٥٢/٢٥٩) من حديث ابن عمر..
٤ البيت ينظر: ديوانه ٦٥ وشرح الديوان لثعلب ٥٩، واللسان (عفا) الدر المصون ٣/٣٠٧ ويروى صدره:
"أدلك أم شتيم الوجه جأب"..

٥ البيت ينظر: ديوانه ١٨٦، اللسان (عطل) (عفا)، الدر المصون ٣/٣٠٨..
٦ البيت ينظر: ديوانه ١٩، الدر المصون ٣/٣٠٨..
٧ ينظر: تفسير الآية ٥٢ من سورة البقرة..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢٨٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى