مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿فَلاَ اقتحم العقبة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ﴾ يعني فلم يشكر تلك الآيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب أو إطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة وأساس كل خير، بل غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى أن الإنفاق على هذا الوجه مرضي نافع عند الله لا أن يهلك ماله لبداً في الرياء والفخار. وقلما تستعمل «لا » مع الماضي إلا مكررة، وإنما لم تكرر في الكلام الأفصح لأنه لما فسر اقتحام القبة بثلاثة أشياء صار كأنه أعاد «لا » ثلاث مرات وتقديره : فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ولا آمن. والاقتحام الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، والقُحمة الشدة فجعل الصالحة عقبة وعملها اقتحاماً لها في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن : عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. والمراد بقوله ﴿مَا العقبة﴾ ما اقتحامها ومعناه أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. وفك الرقبة تخليصها من الرق والإعانة في مال الكتابة.
﴿فَكَّ رَقَبَةً * أَوْ إِطْعَامٌ﴾ مكي وأبو عمرو وعلي على الإبدال من اقتحم العقبة، وقوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾ اعتراض. غيرهم ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ﴾ على : اقتحامها فك رقبة أو إطعام. والمسغبة المجاعة، والمقربة القرابة، والمتربة الفقر، مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب. يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب فيكون مأواه المزابل ووصف اليوم بذي مسغبة كقولهم همٌّ ناصب أي ذو نصب. ومعنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ﴾ أي داوم على الإيمان. وقيل :«ثم » بمعنى الواو. وقيل : إنما جاء ب «ثم » لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ بالتراحم فيما بينهم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى