البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فلا اقتحم العقبة﴾ : أي لم يشكر تلك النعم السابقة، والعقبة استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال، تشبيه بعقبة الجبل، وهو ما صعب منه، وكان صعوداً، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها.
واقتحمها : دخلها بسرعة وضغط وشدّة، والقحمة : الشدّة والسنة الشديدة.
ويقال : قحم في الأمر قحوماً : رمى نفسه فيه من غير روية.
والظاهر أن لا للنفي، وهو قول أبي عبيدة والفرّاء والزجاج، كأنه قال : وهبنا له الجوارح ودللناه على السبيل، فما فعل خيراً، أي فلم يقتحم.
قال الفرّاء والزجاج : ذكر لا مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي حتى تعيد، كقوله تعالى :﴿فلا صدق ولا صلى﴾ وإنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله :﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾، قائماً مقام التكرير، كأنه قال : فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
وقيل : هو جار مجرى الدعاء، كقوله : لا نجا ولا سلم، دعاء عليه أن لا يفعل خيراً.
وقيل : هو تحضيض بألا، ولا نعرف أن لا وحدها تكون للتحضيض، وليس معها الهمزة.
وقيل : العقبة : جهنم، لا ينجي منها إلا هذه الأعمال، قاله الحسن.
وقال ابن عباس ومجاهد وكعب : جبل في جهنم.
وقال الزمخشري، بعد أن تنحل مقالة الفرّاء والزجاج : هي بمعنى لا متكررة في المعنى، لأن معنى ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ : فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً.
ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك ؟ انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى