مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين، وذلك لأنه روي أن فنحاص بن عازوراء، وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتيا رسول الله ﷺ وأخبراه فقال : أصبتما خيرا وأفلحتما، فنزلت هذه الآية، واعلم أنا نتكلم أولا في الحسد ثم نرجع إلى التفسير.
المسألة الأولى : في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة، الأول : قوله عليه السلام :( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ). الثاني : قال أنس :«كنا يوما جالسين عند النبي ﷺ فقال : يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت، قال : نعم، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر، غير أني لم أسمعه يقول : إلا خيرا، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، فأردت أن أعرف عملك، فلم أرك تعمل عملا كثيرا، فما الذي بلغ بك ذاك ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيبا ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله : هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق ) الثالث : قال عليه السلام :( دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين ) الرابع : قال :( إنه سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا : ما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج )
الخامس : أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلا يغبط بمكانه وقال : إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال : أحدثك من عمله ثلاثا : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة. السادس : قال عليه السلام :«إن لنعم الله أعداء، قيل : وما أولئك ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ». السابع : قال عليه السلام :«ستة يدخلون النار قبل الحساب، الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد ».
أما الآثار، فالأول : حكي أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط، فقال : إني أريد أن أعظك بشيء، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس، ثم قرأ :﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر﴾ وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة. أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها، فأخرجه الله، ثم قرأ :﴿اهبطا منها﴾ وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده، ثم قرأ :﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق﴾ الثاني : قال ابن الزبير : ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا. الرابع : قال معاوية : كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. الخامس : قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولا، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالا.
المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة، أما الأول : فحرام بكل حال، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى. والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات. ( أحدها ) : هذه الآية وهي قوله تعالى :﴿لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾ فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد. ( وثانيها ) : قوله تعالى :﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ ( وثالثها ) : قوله تعالى :﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ وهذا الفرح شماتة، والحسد والشماتة متلازمان، ( ورابعها ) : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله :﴿قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم﴾ فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له. ( وخامسها ) : قوله تعالى :﴿ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا﴾ أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد. ( وسادسها ) : قال تعالى في معرض الإنكار :﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ ( وسابعها ) : قال الله تعالى :﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين﴾ إلى قوله :﴿إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم﴾ قيل في التفسير : حسدا. ( وثامنها ) : قوله تعالى :﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول. ( وتاسعها ) : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوما قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا، فكانوا ينصرون، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى :﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ إلى قوله :﴿أن يكفروا بما أنزل الله بغيا﴾ أي حسدا. وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة، فهذا حكم الحسد. أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه. ( أولها ) قوله تعالى :﴿وفى ذلك فليتنافس المتنافسون﴾. ( وثانيها ) قوله تعالى :﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها. ( وثالثها ) قوله عليه السلام :( لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس ). وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، فههنا يجب عليه أن يحب له مثل ذلك، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضيا بالمعصية وذلك حرام، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان.
( أحدهما ) : أن يحصل له مثل ما حصل للغير. ( والثاني ) : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام :( ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن، الحسد والظن والطيرة ثم قال : وله منهم مخرج إذا حسدت فلا تبغ )، أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه.
المسألة الثالثة : في مراتب الحسد، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة. ( الأولى ) : أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد. ( والثانية ) : أن يحب زوال تلك النعمة عنه إليه وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له، فالمطلوب بالذات حصوله له، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض. ( الثالثة ) : أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما. ( الرابعة ) : أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة : منها مذمومة وغير مذمومة، والثانية : أخف من الثالثة، والأول : مذموم محض قال تعالى :﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم.
المسألة الرابعة : ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب :
السبب الأول : العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه، وذلك الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح، ومهما أصابته نعمة ساءته، وذلك لأنه ضد مراده، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه، فأما أن يبغض إنسانا ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به، إذ قال :{ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تم
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين، وذلك لأنه روي أن فنحاص بن عازوراء، وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتيا رسول الله ﷺ وأخبراه فقال : أصبتما خيرا وأفلحتما، فنزلت هذه الآية، واعلم أنا نتكلم أولا في الحسد ثم نرجع إلى التفسير.
المسألة الأولى : في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة، الأول : قوله عليه السلام :( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ). الثاني : قال أنس :«كنا يوما جالسين عند النبي ﷺ فقال : يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت، قال : نعم، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر، غير أني لم أسمعه يقول : إلا خيرا، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، فأردت أن أعرف عملك، فلم أرك تعمل عملا كثيرا، فما الذي بلغ بك ذاك ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيبا ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله : هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق ) الثالث : قال عليه السلام :( دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين ) الرابع : قال :( إنه سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا : ما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج )
الخامس : أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلا يغبط بمكانه وقال : إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال : أحدثك من عمله ثلاثا : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة. السادس : قال عليه السلام :«إن لنعم الله أعداء، قيل : وما أولئك ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ». السابع : قال عليه السلام :«ستة يدخلون النار قبل الحساب، الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد ».
أما الآثار، فالأول : حكي أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط، فقال : إني أريد أن أعظك بشيء، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس، ثم قرأ :﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر﴾ وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة. أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها، فأخرجه الله، ثم قرأ :﴿اهبطا منها﴾ وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده، ثم قرأ :﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق﴾ الثاني : قال ابن الزبير : ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا. الرابع : قال معاوية : كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. الخامس : قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولا، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالا.
المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة، أما الأول : فحرام بكل حال، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى. والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات. ( أحدها ) : هذه الآية وهي قوله تعالى :﴿لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾ فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد. ( وثانيها ) : قوله تعالى :﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ ( وثالثها ) : قوله تعالى :﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ وهذا الفرح شماتة، والحسد والشماتة متلازمان، ( ورابعها ) : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله :﴿قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم﴾ فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له. ( وخامسها ) : قوله تعالى :﴿ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا﴾ أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد. ( وسادسها ) : قال تعالى في معرض الإنكار :﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ ( وسابعها ) : قال الله تعالى :﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين﴾ إلى قوله :﴿إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم﴾ قيل في التفسير : حسدا. ( وثامنها ) : قوله تعالى :﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول. ( وتاسعها ) : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوما قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا، فكانوا ينصرون، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى :﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ إلى قوله :﴿أن يكفروا بما أنزل الله بغيا﴾ أي حسدا. وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة، فهذا حكم الحسد. أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه. ( أولها ) قوله تعالى :﴿وفى ذلك فليتنافس المتنافسون﴾. ( وثانيها ) قوله تعالى :﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها. ( وثالثها ) قوله عليه السلام :( لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس ). وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، فههنا يجب عليه أن يحب له مثل ذلك، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضيا بالمعصية وذلك حرام، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان.
( أحدهما ) : أن يحصل له مثل ما حصل للغير. ( والثاني ) : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام :( ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن، الحسد والظن والطيرة ثم قال : وله منهم مخرج إذا حسدت فلا تبغ )، أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه.
المسألة الثالثة : في مراتب الحسد، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة. ( الأولى ) : أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد. ( والثانية ) : أن يحب زوال تلك النعمة عنه إليه وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له، فالمطلوب بالذات حصوله له، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض. ( الثالثة ) : أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما. ( الرابعة ) : أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة : منها مذمومة وغير مذمومة، والثانية : أخف من الثالثة، والأول : مذموم محض قال تعالى :﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم.
المسألة الرابعة : ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب :
السبب الأول : العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه، وذلك الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح، ومهما أصابته نعمة ساءته، وذلك لأنه ضد مراده، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه، فأما أن يبغض إنسانا ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به، إذ قال :{ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تم