محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٩ من سورة البقرة في ١٢١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٩ من سورة البقرة

١٢١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَدّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قال أبو جعفر : وقد صرّح هذا القول من قول الله جل ثناؤه، بأن خطابه بجميع هذه الآيات من قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تقولوا رَاعِنا﴾ وإن صرف في نفسه الكلام إلى خطاب النبيّ ﷺ، إنما هو خطاب منه للمؤمنين وأصحابه، وعتاب منه لهم، ونهي عن انتصاح اليهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم في شيء من أمور دينهم، ودليل على أنهم كانوا استعملوا، أو من استعمل منهم في خطابه ومسألته رسول الله ﷺ الجفاء، وما لم يكن له استعماله معه، تأسيا باليهود في ذلك أو ببعضهم. فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك : لا تقولوا لنبيكم ﷺ كما تقول له اليهود :«راعنا » تأسيا منكم بهم، ولكن قولوا :«انظرنا واسمعوا »، فإن أذى رسول الله ﷺ كفر بي وجحود لحقّي الواجب لي عليكم في تعظيمه وتوقيره، ولمن كفر بي عذاب أليم فإن اليهود والمشركين ما يودّون أن ينزل عليكم من خير من ربكم، ولكن كثيرا منهم ودّوا أنهم يردّونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد ﷺ، من بعدما تبين لهم الحقّ في أمر محمد وأنه نبيّ إليهم وإلى خلقي كافة. وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله :﴿وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ كعب بن الأشرف.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله :﴿وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ هو كعب بن الأشرف.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان العمري، عن معمر، عن الزهري وقتادة :﴿وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ﴾قال كعب بن الأشرف. وقال بعضهم بما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثني ابن إسحاق. وحدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال : كان حُيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشدّ يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله ﷺ، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما :﴿وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدّونَكُمْ﴾ الآية.
وليس لقول القائل عَنَى بقوله : وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ كعب بن الأشرف معنى مفهوم لأن كعب بن الأشرف واحد، وقد أخبر الله جلّ ثناؤه أن كثيرا منهم يودّون لو يردّون المؤمنين كفارا بعد إيمانهم. والواحد لا يقال له كثير بمعنى الكثرة في العدد، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التي وصف الله بها من وصفه بها في هذه الآية الكثرة في العزّ ورفعة المنزلة في قومه وعشيرته، كما يقال : فلان في الناس كثير، يراد به كثرة المنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ، لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة، فقال :﴿لَوْ يَرُدّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمانِكُمْ كُفّارا حَسَدا﴾ فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد. أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الخبر عن الجماعة، والمقصود بالخبر عنه الواحد، نظير ما قلنا آنفا في بيت جميل فيكون ذلك أيضا خطأ، وذلك أن الكلام إذا كان بذلك المعنى فلا بد من دلالة فيه تدلّ على أن ذلك معناه، ولا دلالة تدلّ في قوله : وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ أن المراد به واحد دون جماعة كثيرة، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال.

القول في تأويل قوله تعالى : حَسَدا مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ.


ويعني جل ثناؤه بقوله :﴿حَسَدا مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ أن كثيرا من أهل الكتاب يودّون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم من الردّة عن إيمانهم إلى الكفر حسدا منهم وبغيا عليهم. والحسد إذا منصوب على غير النعت للكفار، ولكن على وجه المصدر الذي يأتي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ المصدر، كقول القائل لغيره : تمنيت لك ما تمنيت من السوء حسدا مني لك. فيكون الحسن مصدرا من معنى قوله : تمنيت من السوء لأن في قوله تمنيت لك ذلك، معنى حسدتك على ذلك. فعلى هذا نصب الحسد، لأن في قوله :﴿وَدّ كَثِير مِنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمَانكُمْ كُفّارا﴾ يعني : حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيمان برسوله، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلاً منكم رءوفا بكم رحيما، ولم يجعله منهم، فتكونوا لهم تبعا. فكان قوله : حَسَدا مصدرا من ذلك المعنى.
وأما قوله :﴿مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ فإنه يعني بذلك : من قِبَلِ أنفسهم، كما يقول القائل : لي عندك كذا وكذا، بمعنى : لي قِبَلك. وكما :
وحدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ( عن أبيه، عن الربيع بن أنس ) قوله :﴿مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ قال : من قبل أنفسهم.
وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين من عند أنفسهم إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لهُمُ الحَقّ﴾.


يعني جل ثناؤه بقوله :﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الحَقّ﴾ أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب الذين يودّون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم الحقّ في أمر محمد ﷺ وما جاء به من عند ربه والملة التي دعا إليها فأضاء لهم أن ذلك الحقّ الذي لا يمترون فيه. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمُ الحَقّ﴾ من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله ﷺ، والإسلامَ دينُ الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية :﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمُ الحَقّ﴾ يقول : تبين لهم أن محمدا رسول الله ﷺ يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله وزاد فيه : فكفروا به حسدا وبغيا، إذْ كان من غيرهم.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمُ الحَقّ﴾ قال : الحقّ : هو محمد ﷺ فتبين لهم أنه هو الرسول.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد :﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمُ الحَقّ﴾ قال : قد تبين لهم أنه رسول الله.
قال أبو جعفر : فدلّ بقوله ذلك أن كُفْرَ الذين قصّ قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله عنادٌ، وعلى علم منهم ومعرفة، بأنهم على الله مفترون. كما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس :﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمُ الحَقّ﴾ يقول الله تعالى ذكره : من بعد ما أضاء لهم الحقّ لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشدّ الملامة.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ حتى يَأتِيَ اللّهُ بِأمْرِهِ.


يعني جل ثناؤه بقوله : فاعْفُوا فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم، إرادةَ صَدّكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم، وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم ﷺ : اسْمَعْ غَيْر مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد. فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقال لنبيه ﷺ وللمؤمنين به :﴿قاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَلا بالْيَوْمِ الآخر، وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكتاب حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم على المؤمنين حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدّوا الجزية عن يد صَغَارا. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :
﴿فاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتى يَأْتِيَ اللّهُ بأمْرِهِ إنّ اللّهَ على كلّ شَيْءٍ قَدِير﴾ ونسخ ذلك قوله :﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتى يأتِي اللّهُ بأمْرِهِ﴾ فأتى الله بأمره فقال :﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ﴾ حتى بلغ :﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي صَغَارا ونقمة لهم فنسخت هذه الآية ما كان قبلها :﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتى يَأْتِيَ اللّهُ بأمْرِهِ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿فاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتى يَأْتِيَ اللّهُ بأمْرِهِ﴾ قال : اعفوا عن أهل الكتاب حتى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقال :﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَلا بالْيَوْمِ الاَخِرِ﴾ إلى :﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿فاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتى يَأْتِيَ اللّهُ بِأمْرِهِ﴾ قال : نسختها :﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتى يَأتِيَ اللّهُ بأمْرِهِ﴾ قال : هذا منسوخ، نَسَخَه :﴿قاتِلُوا الذين لا يُؤمِنُونَ باللّهِ وَلا بالْيَوْمِ الاَخِرِ﴾ إلى قوله :﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿إنّ الله على كُلّ شيْءٍ قَدِير﴾.


قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى على معنى القدير وأنه القويّ. فمعنى الآية ههنا : أن الله على كل ما يشاء بالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم قديرٌ، إن شاء الانتقام منهم بعنادهم ربهم وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان، لا يتعذّر عليه شيء أراده ولا يتعذّر عليه أمر شاء قضاءه لأن له الخلق والأمر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وعن المكان الذي أمه وأراده نأيا.
وهذه السبيل التي أخبر الله عنها، أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواءها، هي الصراط المستقيم"، الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم).
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾


قال أبو جعفر: وقد صرح هذا القول من قول الله جل ثناؤه، بأن خطابه بجميع هذه الآيات من قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) - وإن صرف في نفسه الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو خطاب منه للمؤمنين من أصحابه، (١) وعتاب منه لهم، ونهي عن انتصاح اليهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم في شيء من أمور دينهم - ودليل على أنهم كانوا استعملوا أو من استعمل منهم في خطابه ومسألته رسول الله ﷺ الجفاء، وما لم يكن له استعماله معه، (٢) تأسيا باليهود في ذلك أو ببعضهم. فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك: (٣) لا تقولوا لنبيكم ﷺ كما تقول له اليهود:"راعنا"، تأسيا منكم بهم، ولكن قولوا:"انظرنا واسمعوا"، فإن أذى رسول الله ﷺ كفر بي، وجحود لحقي الواجب لي عليكم في تعظيمه وتوقيره، ولمن كفر بي عذاب أليم; فإن اليهود والمشركين ما يودون أن ينزل عليكم
(١) في المطبوعة: "للمؤمنين وأصحابه"، وكأنه الصواب ما أثبت.
(٢) سياق العبارة: أو من استعمل.. الجفاء، واستعمل ما لم يكن له استعماله معه، تأسيا باليهود.
(٣) في المطبوعة: "قال لهم ربهم"، والصواب زيادة الفاء.
من خير من ربكم، ولكن كثيرا منهم ودوا أنهم يردونكم من بعد إيمانكم كفارا، حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد، وأنه نبي إليهم وإلى خلقي كافة.
* * *
وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: (ود كثير من أهل الكتاب)، كعب بن الأشرف.
١٧٨٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: (ود كثير من أهل الكتاب)، هو كعب بن الأشرف.
١٧٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان العمري، عن معمر، عن الزهري وقتادة: (ود كثير من أهل الكتاب)، قال: كعب بن الأشرف. (١)
وقال بعضهم بما:-
١٧٨٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق - وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) الآية. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وليس لقول القائل عنى بقوله: (ود كثير من أهل الكتاب)
(١) الأثر: ١٧٨٧ - في المطبوعة: "أبو سفيان المعمري". وهو محمد بن حميد اليشكري المعمري البصري نزيل بغداد، قيل له المعمري" لأنه رحل إلى معمر بن راشد الأزدي. وهو ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: "في حديثه نظر" مات سنة ١٨٢ (تهذيب التهذيب ٩: ١٣٢).
(٢) الأثر: ١٧٨٨ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٧.
كعب بن الأشرف، معنى مفهوم. لأن كعب بن الأشرف واحد، وقد أخبر الله جل ثناؤه أن كثيرا منهم يودون لو يردون المؤمنين كفارا بعد إيمانهم، والواحد لا يقال له"كثير"، بمعنى الكثرة في العدد، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التي وصف الله بها من وصفه بها في هذه الآية، الكثرة في العز ورفعة المنزلة في قومه وعشيرته، كما يقال:"فلان في الناس كثير"، يراد به كثرة المنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ، لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة فقال: (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا)، فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد = أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الخبر عن الجماعة، والمقصود بالخبر عنه الواحد، نظير ما قلنا آنفا في بيت جميل، (١) فيكون ذلك أيضا خطأ. وذلك أن الكلام إذا كان بذلك المعنى، فلا بد من دلالة فيه تدل على أن ذلك معناه، ولا دلالة تدل في قوله: (ود كثير من أهل الكتاب) أن المراد به واحد دون جماعة كثيرة، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك، وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾


قال أبو جعفر: ويعني جل ثناؤه بقوله: (حسدا من عند أنفسهم)، أن كثيرا من أهل الكتاب يودون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم، من الردة عن إيمانهم إلى الكفر، حسدا منهم وبغيا عليهم.
* * *
و"الحسد" إذا منصوب على غير النعت للكفار، ولكن على وجه المصدر الذي يأتي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ المصدر، كقول القائل لغيره:"تمنيت لك ما تمنيت من السوء حسدا مني لك"، فيكون"الحسد" مصدرا
(١) انظر ما سلف قريبا: ٤٨٧ قوله: "ألا إن جيراني العشية رائح".
من معنى قوله:"تمنيت من السوء". لأن في قوله تمنيت لك ذلك، معنى: حسدتك على ذلك. فعلى هذا نصب"الحسد"، لأن في قوله: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا)، معني: حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيمان برسوله، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رءوفا بكم رحيما، ولم يجعله منهم، فتكونوا لهم تبعا. فكان قوله: (حسدا)، مصدرا من ذلك المعنى.
* * *
وأما قوله: (من عند أنفسهم)، فإنه يعني بذلك: من قبل أنفسهم، كما يقول القائل:"لي عندك كذا وكذا"، بمعنى: لي قبلك، وكما:
١٧٨٩ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: (من عند أنفسهم)، قال: من قبل أنفسهم. (١)
وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين، من عند أنفسهم، إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (من بعد ما تبين لهم الحق)، أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب -الذين يودون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم- الحقُّ في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم: أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه، كما:-
(١) الأثر: ١٧٨٩ - كان هذا الإسناد مبتورا، فأتممه استظهارا من الإسناد الدائر في التفسير في مئات المواضع السالفة، أقربها رقم: ١٦٤٧ وسيأتي أيضًا رقم: ١٧٩٢، وكان الأثر نفسه مبتورا فأتممته من تفسير ابن كثير ١: ٢٨٠، والدر المنثور ١: ١٠٧.
١٧٩٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (من بعد ما تبين لهم الحق)، من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلام دين الله.
١٧٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: (من بعد ما تبين لهم الحق)، يقول: تبين لهم أن محمدا رسول الله، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
١٧٩٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله - وزاد فيه: فكفروا به حسدا وبغيا، إذْ كان من غيرهم.
١٧٩٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (من بعد ما تبين لهم الحق)، قال: الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم، فتبين لهم أنه هو الرسول.
١٧٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (من بعد ما تبين لهم الحق)، قال: قد تبين لهم أنه رسول الله.
* * *
قال أبو جعفر: فدل بقوله ذلك: أن كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله، عناد، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون، كما:-
١٧٩٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (من بعد ما تبين لهم الحق)، يقول الله تعالى ذكره: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشد الملامة.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (فاعفوا) فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم، إرادة صدكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم - وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم صلى الله عليه وسلم: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ)، [النساء: ٤٦]، واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد. فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين به: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). [التوبة: ٢٩]. فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا، كما:-
١٧٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير)، ونسخ ذلك قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، [التوبة: ٥]
١٧٩٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)، فأتى الله بأمره فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، حتى بلغ (وهم صاغرون)، أي: صغارا
ونقمة لهم. فنسخت هذه الآية ما كان قبلها: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره).
١٧٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)، قال: اعفوا عن أهل الكتاب حتى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، إلى: (وهم صاغرون).
١٧٩٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) قال: نسختها: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
١٨٠٠- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)، قال: هذا منسوخ، نسخه (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)، إلى قوله: (وهم صاغرون).
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾


قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى"القدير"، وأنه القوي. (١)
فمعنى الآية ههنا: إن الله - على كل ما يشاء بالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم - قدير، إن شاء انتقم منهم بعنادهم ربهم، (٢) وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه، لأن له الخلق والأمر.
* * *
(١) انظر ما سلف قريبا: ٤٨٤ وفي ١: ٣٦١.
(٢) في المطبوعة: "إن شاء الله الانتقام منهم" والسياق يقتضي ما أثبت.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يحذر تعالى(١) عباده المؤمنين عن سلوك طَرَائق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال : كان حُيَيُّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهودَ للعرب حسدًا، إذْ خَصهم الله برسوله ﷺ وكانا جَاهدَين في ردِّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما :﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر عن الزهري، في قوله تعالى :﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال : هو كعب بن الأشرف.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه : أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ. وفيه(٢) أنزل الله :﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ إلى قوله :﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾
وقال الضحاك، عن ابن عباس : أن رسولا أميا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل(٣) والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا ؛ ولذلك قال
الله تعالى :﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول : من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرَّهم ووبخهم ولامهم أشدَّ الملامة، وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل(٤) عليهم وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.
وقال الربيع بن أنس :﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم. وقال أبو العالية :﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ من بعد ما تبين [ لهم ](٥) أن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدا وبغيًا ؛ إذ كان من غيرهم. وكذا قال قتادة والربيع والسدي.
وقوله :﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مثل قوله تعالى :﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نسخ ذلك قوله :﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله :﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله :﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي : إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله :﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان(٦) أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عُرْوَة بن الزبير : أن أسامة بن زيد أخبره، قال : كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله :﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان رسول الله ﷺ يتأوَّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش(٧).
وهذا إسناده(٨) صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة [ ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ](٩).
١ في جـ: "يحذر تبارك وتعالى"..
٢ في ط، ب: "وفيهم"..
٣ في جـ، ط، ب: "من الرسل والكتب"..
٤ في جـ، ط، أ، و: "أنزل الله"..
٥ زيادة من ب، أ، و..
٦ في أ: "أبو الوليد"..
٧ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٣٣)..
٨ في ط، ب: "وهذا إسناد"..
٩ زيادة من جـ، ط..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
مَنْ يَشْتَر الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: فَقَدْ خَرَجَ عَنِ (١) الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَهَكَذَا حَالُ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنْ تَصْدِيقِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِهِمْ وَالِانْقِيَادِ لَهُمْ، إِلَى مُخَالَفَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَالِاقْتِرَاحِ عَلَيْهِمْ بِالْأَسْئِلَةِ التِي لَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْكُفْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٨، ٢٩].
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَتَبَدَّلُ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾
يُحَذِّرُ تَعَالَى (٢) عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ سُلُوكِ طَرَائق الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُعْلِمُهُمْ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَمَا هُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَسَدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِفَضْلِهِمْ وَفَضْلِ نَبِيِّهِمْ. وَيَأْمُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ وَالِاحْتِمَالِ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ مِنَ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ. وَيَأْمُرُهُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. وَيَحُثُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهِ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عباس، قال: كَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ مِنْ أَشَدِّ يهودَ لِلْعَرَبِ حَسَدًا، إذْ خَصهم اللَّهُ بِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَا جَاهدَين فِي ردِّ النَّاسِ عَنِ الْإِسْلَامِ مَا اسْتَطَاعَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: هُوَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ كَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ (٣) أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولًا أُمِّيًّا يُخْبِرُهُمْ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ (٤) وَالْآيَاتِ، ثُمَّ يُصَدِّقُ بِذَلِكَ كُلِّهُ مِثْلَ تَصْدِيقِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ جَحَدُوا ذَلِكَ كُفْرًا وحسدًا وبغيًا؛ ولذلك قال
(١) في أ: "من".
(٢) في جـ: "يحذر تبارك وتعالى".
(٣) في ط، ب: "وفيهم".
(٤) في جـ، ط، ب: "من الرسل والكتب".
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا أَضَاءَ لَهُمُ الْحَقُّ لَمْ يَجْهَلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الْحَسَدَ حَمَلَهُمْ عَلَى الْجُحُودِ، فعيرَّهم وَوَبَّخَهُمْ وَلَامَهُمْ أشدَّ الْمَلَامَةِ، وَشَرَعَ لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا أُنْزِلَ (١) عَلَيْهِمْ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِمْ، بِكَرَامَتِهِ وَثَوَابِهِ الْجَزِيلِ وَمَعُونَتِهِ لَهُمْ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ [لَهُمْ] (٢) أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَكَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا؛ إِذْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٦].
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] فَنَسَخَ هَذَا عَفْوَهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ (٣) أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتأوَّل مِنَ الْعَفْوِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ بِقَتْلٍ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ (٤).
وَهَذَا إِسْنَادُهُ (٥) صَحِيحٌ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ [وَلَكِنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (٦).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَحُثُّ (٧) تَعَالَى عَلَى الِاشْتِغَالِ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وتَعُودُ عَلَيْهِمْ عاقبتُه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ وإيتاء الزكاة،
(١) في جـ، ط، أ، و: "أنزل الله".
(٢) زيادة من ب، أ، و.
(٣) في أ: "أبو الوليد".
(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٣٣).
(٥) في ط، ب: "وهذا إسناد".
(٦) زيادة من جـ، ط.
(٧) في جـ، ط، ب، أ، و: "يحثهم".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب، وأنهم بلغت بهم الحال، أنهم ودوا ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ وسعوا في ذلك، وأعملوا المكايد، وكيدهم راجع عليهم [ كما ] قال تعالى :﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم.
فأمرهم الله بمقابلة من أساء إليهم غاية الإساءة بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره.
ثم بعد ذلك، أتى الله بأمره إياهم بالجهاد، فشفى الله أنفس المؤمنين منهم، فقتلوا من قتلوا، واسترقوا من استرقوا، وأجلوا من أجلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٨ - ١١٠} ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
ينهى الله المؤمنين، أو اليهود، بأن يسألوا رسولهم ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ والمراد بذلك، أسئلة التعنت والاعتراض، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ فهذه ونحوها، هي المنهي عنها.
وأما سؤال الاسترشاد والتعلم، فهذا محمود قد أمر الله به كما قال تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ويقررهم (١) عليه، كما في قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ونحو ذلك.
ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة، قد تصل بصاحبها إلى الكفر، قال: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب، وأنهم بلغت بهم الحال، أنهم ودوا ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ وسعوا في ذلك، وأعملوا المكايد، وكيدهم راجع عليهم [كما] قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم.
فأمرهم الله بمقابلة من أساء إليهم غاية الإساءة بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره.
ثم بعد ذلك، أتى الله بأمره إياهم بالجهاد، فشفى الله أنفس المؤمنين منهم، فقتلوا من قتلوا، واسترقوا من استرقوا، وأجلوا من أجلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ثم أمرهم [الله] بالاشتغال في الوقت الحاضر، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير، فإنه لا يضيع عند الله، بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
(١) في ب: ويقرهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
من عند أنفسهم
اى من قبل النفس لا انه عندهم حق

إعراب الآية ١٠٩ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

سؤالا كما سئل موسى وإن خفّفت الهمزة وجعلتها بين الهمزة والياء فقلت: سئل، وقرأ الحسن سيل «١» وهذا على لغة من قال: سلت أسال ويجوز أن يكون على بدل الهمزة إلّا أنّ بدل الهمزة بعيد (موسى) اسم ما لم يسمّ فاعله لم يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور ولم ينوّن لأنه لا ينصرف لعجمته. وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ جزم بالشرط كسرت اللام لالتقاء الساكنين واختير الكسر لأنه أخو الجزم، وقيل: لأن الضّم والفتح يكونان بغير تنوين إعرابا. وجواب الشرط فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٩]

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)
وَدَّ كَثِيرٌ رفع بودّ. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ خفض بمن، لَوْ يَرُدُّونَكُمْ فعل مستقبل. كُفَّاراً مفعول ثان وإن شئت كان حالا. حَسَداً مصدر وقال الفراء: هو كالمفسّر. فَاعْفُوا أمر والأصل فاعفوا وحذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١١]

وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)
أجاز الفراء «٢» أن يكون هُوداً بمعنى يهودي وحذف منه الزائدة وأن يكون جمع هائد، والقول الثاني مذهب البصريين. قال الأخفش سعيد: إِلَّا مَنْ كانَ جعل كان واحدا على لفظ «من» ثم قال: هودا فجمع لأنّ معنى من جمع. تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ ابتداء وخبر ويجوز تلك أمانيهم. قُلْ هاتُوا والأصل هاتيوا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين يقال في الواحد المذكر: هات يا هذا، مثل رام وفي المؤنث هاتي، مثل رامي. وإِنْ كُنْتُمْ شرط أي «إن كنتم صادقين فبيّنوا ما قلتم ببرهان».

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٢]

بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ على لفظ من ثم قال: فلهم على المعنى.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٤]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)
ابتداء وخبر أي وأي أحد أظلم. مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أن في
(١) انظر البحر المحيط ١/ ٥١٦.
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٧٣، والبحر المحيط ١/ ٥٢٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٩ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. [١٠٩].
قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعو إلى ديننا فهو خير لكم.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل.
أخبرنا أحمد بن محمد [بن الحسن]، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه:
أَن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من [أهل] المدينة حين قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزلت: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ﴾.

القراءات في الآية ١٠٩ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

تَبَيَّنَ لَهُمُ

ادغام النون في اللام ادغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

اظهار النون المفتوحة

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٩ من سورة البقرة

١٤ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٩ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- ﴿من بعد ما تبين لهم﴾، يقول: من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيّرهم الله ووبّخهم ولامهم أشد الملامة، وشَرَع لنبيه ﷺ والمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم، وما أنزل الله من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٣ مختصرًا، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٥.
٢
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾، قال: من بعد ما تبين لهم أنّ محمدًا رسول الله ﷺ يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حَسَدًا وبَغْيًا؛ إذ كان من غيرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٥، وفي تفسير ابن جرير (ت: شاكر) ٤‏/‏٥٠٢ مثله من قول أبي العالية، أما في تفسير ابن جرير (ت: التركي) ٢‏/‏٤٢٣ فموقوف على الربيع من قوله كما سيأتي.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾، قال: من بعد ما تبين لهم أنّ محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل؛ نَعتَه وأمرَه ونبوَّتَه، ومن بعد ما تبين لهم أنّ الإسلامَ دينُ الله الذي جاء به محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٢ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾، قال: الحق هو محمد ﷺ، فتبيَّنَّ لهم أنه هو الرسول١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٥.
٥
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾، يقول: يتبين لهم أنّ محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا؛ إذْ كان من غيرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٥.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ في التوراة أنّ محمدًا نبيٌّ، ودينه الإسلام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٠-١٣١.
٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾، قال: قد تبين لهم أنّه رسول الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن جرير (٢/٤٢٢) في بيان معنى قوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾: «يعني -جل ثناؤه- بقوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾: أي: من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب -الذين يودون أنهم يردونكم كفارًا من بعد إيمانكم- الحق في أمر محمد، وما جاء به من عند ربه، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم: أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه». واستشهد بآثار السلف، ثم قال (٢/٤٢٣): «فدل بقوله ذلك: أنّ كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله عنادٌ، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون». واستشهد عليه بأثر ابن عباس، ولم يورد غيره.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك-: إنّ رسولًا أُمِّيًا يخبرهم بما في أيديهم من الرسل والكتب والآيات، ثم يصدق بذلك عليه مثل تصديقهم أو أشد من تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا، وكذلك قال الله: ﴿كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٥.
٩
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿حسدا من عند أنفسهم﴾، قال: من قِبَلِ أنفسهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢١، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن جرير (٢/٤٢١) في بيان معنى قوله: ﴿من عند أنفسهم﴾: «يعني بذلك: من قِبَلِ أنفسهم، كما يقول القائل: لي عندك كذا وكذا، بمعنى: لي قِبَلك». ولم يورد فيه إلا أثر الربيع بن أنس.

النسخ في الآية، وتفسيرها

٩ أقوال
١
عن أسامة بن زيد، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية، وقال الله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى آخر الآية، وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٣٩ (٤٥٦٦)، ٨‏/‏٤٥ (٦٢٠٧).
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾، وقوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ [الحجر:٩٤]، ونحو هذا في العفو عن المشركين، قال: نُسِخ ذلك كله بقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ [التوبة:٢٩]، وقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٤ مختصرًا، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٦، والبيهقي ٢‏/‏٥٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣
عن عبد الله بن عباس: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بعذابه؛ القتل والسبي لبني قُرَيْظة، والجلاء والنفي لبني النَّضِير١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٥٨، وتفسير البغوي ١‏/‏١٣٦.
٤
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾، يقول: اعفوا عن أهل الكتاب، واصفحوا عنهم حتى يحدث الله أمرًا. فأحدث الله بعد ذلك في سورة براءة: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿وهم صاغرون (٢٩)﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٦ (١٠٩٠).
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾، قال: أمر الله نبيَّه أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره، فأنزل الله في براءة وأمَرَه فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية [التوبة:٢٩]. فنسختها هذه الآية، وأمره الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يُسْلِموا، أو يُقِرُّوا بالجزية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وذكر يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٧٠- نحوه.
٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾، قال: نسختها قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٥، وابن جرير ٢‏/‏٤٢٤.
٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾، قال: هي منسوخة، نسختها: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة:٢٩]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٤، والنحاس في ناسخه ص١٠٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٢٣-٥٢٤)، وابن كثير (٢/١٩) إلى نَسْخِ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... ﴾ [التوبة:٢٩] استنادًا إلى السياق، وآثار السلف، فقال ابن جرير: «يعني بقوله: ﴿فاعفوا﴾ فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم: ﴿واسمع غير مسمع وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين﴾ [النساء:٤٦]، ﴿واصفحوا﴾ عما كان منهم من جهل في ذلك، ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء. فقضى فيهم -تعالى ذكره- وأتى بأمره، فقال لنبيه وللمؤمنين به: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، فنسخ الله العفوَ عنهم والصفحَ بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارًا». وقال ابن كثير: «ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾». وذكر ابن عطية (١/٣٢١) قولًا أنها منسوخة بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، ثم قال مُضيفًا: «وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته». ثم علّق بقوله: «وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع، أو قتل قريظة وإجلاء النضير، وأمر من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه الآية بعينها، لأنه لا يختلف أنّ آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها».
٨
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾، قال: اعْفُوا عن أهل الكتاب حتى يُحْدِث الله أمرًا. فأحدث الله بعدُ، فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة:٢٩]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٢٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٦ (عَقِب ١٠٩٠).
٩
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ يقول: اتركوهم، ﴿واصفحوا﴾ يقول: وأعرضوا عن اليهود، ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فأتى الله عز وجل بأمره في أهل قريظة؛ القتل والسبي، وفي أهل النضير الجلاء والنفي من منازلهم وجناتهم التي بالمدينة إلى أذْرَعات وأريحا من أرض الشام، ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ من القتل والجلاء قدير١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣١.

نزول الآية

٥ أقوال
١
عن كعب بن مالك -من طريق ابنه-: أنّ كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ، ويُحَرِّض عليه كفارَ قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أشدَّ الأذى، فأمر اللهُ رسولَه والمسلمين بالصبر على ذلك، والعفوِ عنهم، ففيهم أنزل الله: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ الآية [آل عمران:١٨٦]. وفيهم أنزل الله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٩‏/‏٥٠٥ (٢٤٠٠٩‏/‏٦٥)، وأبو داود ٤‏/‏٦١٣-٦١٤ (٣٠٠٠) دون ذكر آية سورة البقرة، وأخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٤٢٨ بنحوه، وابن المنذر ٢‏/‏٥٢٣. قال ابن حجر العُجاب في بيان الأسباب ١‏/‏٣٥٦ بعد أن ذكره بإسناد الذهلي في الزهريات، ومن طريقه الواحدي في أسباب النزول: «وهذا سند صحيح».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: كان حُيَيّ بن أخطب، وأبو ياسر ابن أخطب من أشد يهود حسدًا للعرب؛ إذ خَصَّهم الله برسوله ﷺ، وكانا جاهِدَيْن في ردِّ الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ الآية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما أسنده ابن هشام عنه في السيرة ١‏/‏٥٤٨ عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس به-، ومن طريقه ابن جرير ٢‏/‏٤١٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٠٤ (١٠٨١). قال ابن حجر في العُجاب ١‏/‏٣٥١ عن هذا الإسناد: «سند جيد».
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن عطية (١/٣١٩) على هذا القول مُبَيِّنًا أنه يشمل أتباعهما أيضًا؛ ليناسب الكثرة الواردة في الآية، فقال: «وفي الضمن الأتباع، فتجيء العبارة متمكنة».
٣
قال عبد الله بن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم؟! ولو كنتم على الحق ما هُزِمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم١
التخريج
  1. ١أورده الواحدي في أسباب النزول ص٣٥. وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠: «لم أجده مسندًا، وهو في تفسير الثعلبي كذلك بلا سند ولا راوٍ». وقال في العجاب ١‏/‏٣٥٤: «هذا لعله من تفسير الكلبي».
٤
عن قتادة بن دعامة، ومحمد بن مسلم الزهري -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾، قالا: كعب بن الأشرف١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٥٥، وابن جرير ٢/ ٤١٩، وابن أبي حاتم ١/ ٢٠٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابن جرير (٢/ ٤٢٠)، وابن عطية (١/ ٣١٩) استنادًا إلى السياق، ولغة العرب أن يكون المعنيُّ بقوله: ﴿ودَّ كثير من أهل الكتاب﴾ كعب بن الأشرف، كما نُسِبَ إلى الزهري، وقتادة. فقال ابن جرير: «وليس لقول القائل عنى بقوله: ﴿ودَّ كثير من أهل الكتاب﴾ كعب بن الأشرف، معنىً مفهوم؛ لأن كعب بن الأشرف واحد، وقد أخبر الله أن كثيرًا منهم يودون لو يَرُدُّون المؤمنين كفارًا بعد إيمانهم، والواحد لا يقال له: كثير، بمعنى الكثرة في العدد، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة في هذه الآية الكثرةَ في العز ورفعة المنزلة في قومه وعشيرته، فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ؛ لأن الله قد وصفهم بصفة الجماعة، فقال: ﴿لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا﴾، فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد، أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الخبر عن الجماعة، والمقصود بالخبر عنه الواحد، فيكون ذلك أيضًا خطأ. وذلك أنّ الكلام إذا كان بذلك المعنى فلا بُدَّ من دلالة فيه تدل على أن ذلك معناه، ولا دلالة تدل في قوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ أنّ المراد به واحد دون جماعة كثيرة، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك، وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال». وقال ابن عطية: «وهذا تحامل، وقوله: ﴿يردونكم﴾ يرد عليه».
٥
قال مقاتل بن سليمان:﴿ودَّ كثير من أهل الكتاب﴾، وذلك أن نفرًا من اليهود منهم فِنْحاصُ، وزيد بن قيس -بعد قتال أحد- دَعَوا حذيفة وعمارًا إلى دينهم، وقالوا لهما: إنّكما لن تُصِيبا خيرًا لِلَّذي أصابهم يوم أحد من البلاء. وقالوا لهما: ديننا أفضل من دينكم، ونحن أهدى منكم سبيلًا. قال لهم عمار: كيف نَقْضُ العهد فيكم؟ قالوا: شديد. قال عمار: فإني عاهدتُ ربي أن لا أكْفُر بمحمد أبدًا، ولا أتَّبع دينًا غير دينه. فقالت اليهود: أمّا عمار فقد ضلَّ وصبأ عن الهُدى بَعْدَ إذ بصره الله، فكيف أنت يا حذيفة، ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، أطيع ربي، وأقتدي برسولي، وأعمل بكتاب الله ربي، حتى يأتيني اليقين على الإسلام، والله السلام، ومنه السلام. فقالوا: وإلهِ موسى، لقد أُشْرِبَت قلوبُكم حبَّ محمد. فقال عمار: ربي أحمده، وربي أكرم محمدًا، ومنه اشتق الجلالة، إن محمدًا أحمد هو محمد. ثم أتَيا النبيَّ ﷺ فأخبراه، فقال: «ما رددتُما عليهما». فقالا: قلنا: الله ربنا، ومحمد رسولنا، والقرآن إمامنا، الله نطيع، وبمحمد نقتدي، وبكتاب الله نعمل. فقال النبي ﷺ: «أصبتما أخا الخير، وأفلحتما». فأنزل الله عز وجل يُحَذِّر المؤمنين: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٠-١٣١. قال الزَّيْلَعِي في تخريج أحاديث الكشاف ١‏/‏٧٩: «غريب، وهو في تفسير الثعلبي هكذا من غير سند ولا راو». وقال ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ١‏/‏٣٥٦: «ذكره الثعلبي بغير إسناد».
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٩ من سورة البقرة

١٩ وقفةً في هذه الآية

  • (حسدا من عند أنفسهم) الحاسد منشأ مرضه من داخل (نفسه).

    — عقيل الشمري

  • "حسدا من عند أنفسهم " لا تتكدر بكثرة الحساد ولا تبحث عما فعلته بهم إنه من عند أنفسهم.

    — عبدالله بلقاسم

  • "فاعفوا واصفحوا" عمّن قال الله ثالث ثلاثة.. وعمّن قال يد الله مغلولة.. فكيف بمن قال : لم أقتنع بوجهة نظرك .

    — علي الفيفي

  • قرأ_ الإمام ( فاعفوا واصفحوا ) "ماذا عليك ألا يُعذّب أحد بسببك!! قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كل الناس مني في حِلّ ".

    — عامر بن عيسي اللهو

  • تدبر قوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)تجده دليلًا واضحًا على أن حرمان التوفيق أقعدهم عن الإيمان؛ فإنهم لم يحسدوا غيرهم عليه، إلا بعد أن تبينت لهم حقيقته إذ محال أن يحسدوا غيرهم على ما هو باطل عندهم، وفي أيديهم ما يزعمون أنه خير منه.

    — القصاب

  • (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) الحسد قد يهجم على الإنسان، ولا يكون في وسعه دفعه؛ وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به وإظهار القدح في المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه.

    — محمد الخضر حسين

  • "ود كثير من أهل الكتاب لويردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق" #الحسد سبب الحرمان ويكون ممن علم صوابك وصدقك

    — محاسن التاويل

  • (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ) حسدهم هو إثبات أن المؤمنين في نعمة الإيمان ، فالحسد لا يكون إلا لزوال نعمة موجودة عند الغير .(في المطبوع 1/524)

    — محمد متولي الشعراوي

  • سورة البقرة (109)

    — محمد الربيعة

  • (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) نحن محسودون على نعمة القران من قبل أمم الأرض .

    — عقيل الشمري

  • ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (*) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ ‏بعد تحذيرنا من عداوة أهل الكتاب وبيان حسدهم لنا، تأتي آية ترشدنا للاشتغال بما ينفعنا، ولعل في ذلك أنَّ طريق السلامة من الكفر وحسد أهل الكتاب وبغيهم، هو الاشتغال بما ينفعنا في الدارين لا سيما إقام الصلاة وإيتاء الزكاة! البقرة (109-110)

    — ميساء سمير الجارودي

  • آية (١٠٩) : (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) * قال تعالى (من عند أنفسهم) ولم يقل منهم تأكيداً على تأصيل هذا الحسد فيهم وصدوره من أنفسهم أكثر من قوله منهم . * (فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ) ما الفرق بين يغفر ويعفو ويتوب ويصفح ويسامح التي هي متقاربة فيما يبدو ؟ العفو ترك عقوبة المذنب ، يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته ، فالعفو أن تمحو من نفسك أثر أي إساءة وكأنها لم تحدث . الصفح هو الجانب لصفحة الوجه وهو ترك اللوم والتثريب وهو أبلغ من العفو لأنك قد تعفو عن ذنب امرئ لكنك تبقى له لائماً . المغفرة ستر الذنب من غفر الشي أي ستره . التوبة ترك الذنب والإقلاع عنه مع الندم والعزم على عدم العودة . السماح المسامحة هي المساهلة في اللغة .

    — مختصر لمسات بيانية

و٧ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ١٠٩ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا واصْفَحُوا حتَّى يأتِىَ اللهُ بأَمْرِه﴾.
هذه الآيةُ - عند السُّدِّي - منسوخَةٌ بالأمرِ بالقتالِ في (سورة) براءة وغيرها، وقد أعلمَنا اللهُ في نَصِّها أنه سيأتي بأمره وينسخُها.
وقد قال جماعةٌ: إنها ليست مِن هذا البابِ، (ولا) نسخَ فيها، لأن الله عزَّ وجلَّ قد جعلَ (للعفو والصَّفح) أَجلاً بقولِه: ﴿حتّى يأتىَ الله بأمره﴾. فهو فرضٌ أَعلَمَنا (الله) أنه سينقُلُنا عنه في وقتٍ آخر. والمنسوخُ لا يكونُ محدوداً بوقتٍ، إنما يكون مُطلقاً.
(قال أبو محمد): والقولُ بأنها منسوخةٌ أَبْيَن لأنَّ الوقتَ الّذي تعلق به الأمرُ بالعفوِ والصَّفْح غيرُ معلوم حَدُّه وأَمَدُه.
ولو حَدَّ الوقتَ وبيَّنه فقال: إلى وقتِ كذا لكان كونُ الآيةِ غيرَ (منسوخة) أبين.
وكِلا القولين حسنٌ - إن شاء الله -.

ترجمات معاني الآية ١٠٩ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(109) Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال