كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾، قال الفرَّاءُ وأراد يهوداً فحذفت الياءُ الزائدة. قال الأخفشُ :(الْهُوْدُ جَمْعُ هَادٍ ؛ مِثْلُ عَائِدٍ وَعُودٍ، وَحَائِلٍ وَحُولٍ). وَفي مُصحف أُبَيٍّ :(إلاَّ مَنْ كَانَ يَهُودِيّاً أوْ نَصْرَانِيّاً).
ومعنى الآية : قالت اليهودُ : لن يدخل الجنةَ إلا مَن كان يهودياً ولا دينَ إلا اليهوديةُ. وقالت النصارى : لن يدخلَ الجنةَ إلا مَن كان نصرانيّاً، ولا دينَ إلا النصرانيةُ. فأنزلَ الله تعالى :﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، يجوز أن تكون ﴿تِلْكَ﴾ كنايةٌ عن الجنة ؛ ويجوزُ أن تكون المقالةُ. وأمانيُّهم : أباطيلُهم بلغةِ قريش، وقيل : شهواتُهم التي تَمَنَّوْهَا على اللهِ بغير الحقِّ. ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحَمَّدُ :﴿هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ ؛ أي حُجَّتكم على ذلك من التوراةِ والانجيل، ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
ثُم قال الله تعالى ردّاً عليهم وتكذيباً لَهم :﴿بَلَى﴾ ؛ أي ليس كما قالوا، بل يُدْخِلُ الجنَّةَ، ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾ ؛ أي من أخلصَ دينَهُ لله. وَقِيْلَ : مَن فوَّض أمرهُ إلى الله. وقيل : مَن خضع وتواضعَ لله. وأصل الإسلامِ : الاسْتِسْلاَمُ : وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالانْقِيَادُ. وإنَّما خُصَّ الوجهُ ؛ لأنه إذا جادَ بوجههِ في السجود لم يَبْخَلْ بسائر جوارحهِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي محسنٌ في عمله، وقيل : معناه : وهو مؤمن مخلصٌ، ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي فيما يستقبلُهم من أهوال القيامة، ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؛ على ما خلفوا في الدنيا ؛ لأنَّهم يتيقَّنون بثوابهم عند الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى