البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
تلك : من أسماء الإشارة، يطلق على المؤنثة في حالة البعد، ويقال : تلك وتيلك وتالك، بفتح التاء وسكون اللام، وبكسرها وياء بعدها، وكسر اللام وبفتحها، وألف بعدها وكسر اللام، قال :
هاتوا : معناه أحضروا، والهاء أصلية لا بدل من همزة أتى، لتعديها إلى واحد لا يحفظ هاتي الجواب، وللزوم الألف، إذ لو كانت همزة لظهرت، إذ زال موجب إبدالها، وهو الهمزة قبلها، فليس وزنها أفعل، خلافاً لمن زعم ذلك، بل وزنها فاعل كرام.
وهي فعل، خلافاً لمن زعم أنها اسم فعل، والدليل على فعليتها اتصال الضمائر بها.
ولمن زعم أنها صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر، وهو الزمخشري، وهو أمر وفعله متصرف.
تقول : هاتي يهاتي مهاتاة، وليس من الأفعال التي أميت تصريف لفظه إلا الأمر منه، خلافاً لمن زعم ذلك.
وليست ها للتنبيه دخلت على أتى فألزمت همزة أتى الحذف، لأن الأصل أن لا حذف، ولأن معنى هات ومعنى ائت مختلفان.
فمعنى هات أحضر، ومعنى ائت أحضر.
وتقول : هات هاتي هاتيا هاتوا هاتين، تصرفها كرامي.
البرهان : الدليل على صحة الدعوى، قيل : هو مأخوذ من البره، وهو القطع، فتكون النون زائدة.
وقيل : من البرهنة، وهي البيان، قالوا : برهن إذا بين، فتكون النون زائدة لفقدان فعلن ووجود فعلل، فينبني على هذا الاشتقاق.
التسمية ببرهان، هل ينصرف أو لا ينصرف ؟
﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أن نصارى﴾ : سبب نزولها اختصام نصارى نجران ويهود المدينة، وتناظرهم بين يدي الرسول ﷺ.
فقالت اليهود :﴿ليست النصارى على شيء﴾، وقالت النصارى :﴿ليست اليهود على شيء﴾، وكفروا بالتوراة وموسى، قاله ابن عباس.
والضمير في وقالوا عائد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولهم في القول، لن يدخل الجنة، لأن القول صدر من الجميع، باعتبار أن كل فريق منهما قال ذلك، لا أن كل فرد فرد قال ذلك حاكماً على أن حصر دخول الجنة على كل فرد فرد من اليهود والنصارى، ولذلك جاء في العطف بأو التي هي للتفصيل والتنويع، وأوضح ذلك العلم بمعاداة الفريقين، وتضليل بعضهم بعضاً، فامتنع أن يحكم كل فريق على الآخر بدخول الجنة، ونظيره في لف الضمير، وفي كون أو للتفصيل قوله :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾، إذ معلوم أن اليهودي لا يأمر بالنصرانية، ولا النصراني يأمر باليهودية، ولما كان دخول الجنة متأخراً، جاء النفي بلن المخلصة للاستقبال، ومن فاعلة بيدخل، وهو من الاستثناء المفرّغ، والمعنى : لن يدخل الجنة أحد إلا من.
ويجوز أن تكون على مذهب الفراء بدلاً، أو يكون منصوباً على الاستثناء، إذ يجيز أن يراعى ذلك المحذوف، ويجعله هو الفاعل، ويحذفه، وهو لو كان ملفوظاً به لجاز البدل والنصب على الاستثناء، فكذلك إذا كان محذوفاً وحمل أولاً على لفظ من، فأفرد الضمير في كان، ثم حمل على المعنى، فجمع في خبر كان فقال :﴿هوداً أو نصارى﴾.
وهود : جمع هائد، كعائد وعود.
وتقدم مفرد النصارى ما هو أنصران أم نصرى.
وفي جواز مثل هذين الحملين خلاف، أعني أن يكون الخبر غير فعل، بل صفة يفصل بين مذكرها ومؤنثها بالتاء نحو : من كان قائمين الزيدون، ومن كان قائمين الزيدان.
فمذهب الكوفيين وكثير من البصريين جواز ذلك.
وذهب قوم إلى المنع، وإليه ذهب أبو العباس، وهم محجوجون بثبوت ذلك في كلام العرب كهذه الآية، فإن هوداً في الأظهر جمع هائد، وهو من الصفات التي يفصل بينها وبن مؤنثها بالتاء، وكقول الشاعر :
وأيقظ من كان منكم نياما***
فنيام : جمع نائم، وهو من الصفات التي يفصل بين مذكرها ومؤمثها بالتاء، وقدم هوداً على نصارى لتقدمها في الزمان.
وقرأ أبي : إلا من كان يهودياً أو نصرانياً، فحمل الاسم والخبر معاً على اللفظ، وهو الإفراد والتذكير.
﴿تلك أمانيهم﴾ : جملة من مبتدأ وخبر معترضة بين قولهم ذلك وطلب الدليل على صحة دعواهم.
وتلك يشار بها إلى الواحدة المفردة، وإلى الجمع غير المسلم من المذكر والمؤنث، فحمله الزمخشري على الجمع قال : أشير بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردّوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم.
انتهى كلامه.
وما ذهب إليه في الوجه الأول ليس بظاهر، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء، فقد انفصلت وكملت واستقلت في النزول، فيبعد أن يشار إليها.
وأما ما ذهب إليه في الوجه الثاني ففيه مجاز الحذف، وفيه قلب الوضع، إذ الأصل أن يكون تلك مبتدأ، وأمانيهم خبر.
فقلب هو الوضع، إذ قال : أن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه.
وفيه أنه متى كان الخبر مشبهاً به المبتدأ، فلا يجوز تقديمه، مثل : زيد زهير، نص على ذلك النحويون.
فإن تقدم ما هو أصل في أن يشبه به، كان من عكس التشبيه ومن باب المبالغة، إذ جعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً كقولك : الأسد زيد شجاعة، والأظهر أن تلك إشارة إلى مقالتهم :﴿لن يدخل الجنة﴾، أي تلك المقالة أمانيهم، أي ليس ذلك عن تحقيق ولا دليل على من كتاب الله ولا من أخبار من رسول، وإنما ذلك على سبيل التمني.
وإن كانوا هم حازمين بمقالتهم، لكنها لما لم تكن عن برهان، كانت أماني، والتمني يقع بالجائز والممتنع.
فهذا من الممتنع، ولذلك أتى بلفظ الأماني، ولم يأت بلفظ مرجوّاتهم، لأن الرجاء يتعلق بالجائز، تقول : ليتني طائر، ولا يجوز، لعلني طائر، وإنما أفرد المبتدأ لفظاً، لأنه كناية عن المقالة، والمقالة مصدر يصلح للقليل والكثير، فأريد بها هنا الكثير باعتبار القائلين، ولذلك جمع الخير، فطابق من حيث المعنى في الجمعية.
وقد تقدّم شرح الأماني في قوله :﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ فيحتمل أن يكون المعنى : تلك أكاذيبهم وأباطيلهم، أو تلك مختاراتهم وشهواتهم، أو تلك تلاواتهم.
﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ : لما تقدم منهم الدعوى بأنه لن يدخل الجنة إلا من ذكروا، طولبوا بالدليل على صحة دعواهم.
وفي هذا دليل على أن من ادعى نفياً أو إثباتاً، فلا بد له من الدليل.
وتدل الآية على بطلان التقليد، وهو قبول الشيء بغير دليل.
قال الزمخشري : وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل.
إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم، أي أوضحوا دعوتكم.
وظاهر الآية أن متعلق الصدق هو دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة.
وقيل : صادقين في إيمانكم.
وقيل : في أمانيكم.
وقيل معنى صادقين : صالحين كما زعمتم، وكل ما أضيف إلى الصلاح والخير أضيف إلى الصدق.
تقول : رجل صدق، وصديق صدق، ودالة صدق، ومنه :﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ وقيل : معناه إن كنتم موقنين بما أخذ الله ميثاقه وعهوده، ومنه :﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة أشياء منها : افتتاحها بحسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة، بأن نهوا عن قول لفظ لإيهام مّا إلى لفظ أنص في المقصود، وأصرح في المطلوب.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.
| إلى الجودي حتى صار حجراً | وحان لتالك الغمر انحسارا |
وهي فعل، خلافاً لمن زعم أنها اسم فعل، والدليل على فعليتها اتصال الضمائر بها.
ولمن زعم أنها صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر، وهو الزمخشري، وهو أمر وفعله متصرف.
تقول : هاتي يهاتي مهاتاة، وليس من الأفعال التي أميت تصريف لفظه إلا الأمر منه، خلافاً لمن زعم ذلك.
وليست ها للتنبيه دخلت على أتى فألزمت همزة أتى الحذف، لأن الأصل أن لا حذف، ولأن معنى هات ومعنى ائت مختلفان.
فمعنى هات أحضر، ومعنى ائت أحضر.
وتقول : هات هاتي هاتيا هاتوا هاتين، تصرفها كرامي.
البرهان : الدليل على صحة الدعوى، قيل : هو مأخوذ من البره، وهو القطع، فتكون النون زائدة.
وقيل : من البرهنة، وهي البيان، قالوا : برهن إذا بين، فتكون النون زائدة لفقدان فعلن ووجود فعلل، فينبني على هذا الاشتقاق.
التسمية ببرهان، هل ينصرف أو لا ينصرف ؟
﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أن نصارى﴾ : سبب نزولها اختصام نصارى نجران ويهود المدينة، وتناظرهم بين يدي الرسول ﷺ.
فقالت اليهود :﴿ليست النصارى على شيء﴾، وقالت النصارى :﴿ليست اليهود على شيء﴾، وكفروا بالتوراة وموسى، قاله ابن عباس.
والضمير في وقالوا عائد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولهم في القول، لن يدخل الجنة، لأن القول صدر من الجميع، باعتبار أن كل فريق منهما قال ذلك، لا أن كل فرد فرد قال ذلك حاكماً على أن حصر دخول الجنة على كل فرد فرد من اليهود والنصارى، ولذلك جاء في العطف بأو التي هي للتفصيل والتنويع، وأوضح ذلك العلم بمعاداة الفريقين، وتضليل بعضهم بعضاً، فامتنع أن يحكم كل فريق على الآخر بدخول الجنة، ونظيره في لف الضمير، وفي كون أو للتفصيل قوله :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾، إذ معلوم أن اليهودي لا يأمر بالنصرانية، ولا النصراني يأمر باليهودية، ولما كان دخول الجنة متأخراً، جاء النفي بلن المخلصة للاستقبال، ومن فاعلة بيدخل، وهو من الاستثناء المفرّغ، والمعنى : لن يدخل الجنة أحد إلا من.
ويجوز أن تكون على مذهب الفراء بدلاً، أو يكون منصوباً على الاستثناء، إذ يجيز أن يراعى ذلك المحذوف، ويجعله هو الفاعل، ويحذفه، وهو لو كان ملفوظاً به لجاز البدل والنصب على الاستثناء، فكذلك إذا كان محذوفاً وحمل أولاً على لفظ من، فأفرد الضمير في كان، ثم حمل على المعنى، فجمع في خبر كان فقال :﴿هوداً أو نصارى﴾.
وهود : جمع هائد، كعائد وعود.
وتقدم مفرد النصارى ما هو أنصران أم نصرى.
وفي جواز مثل هذين الحملين خلاف، أعني أن يكون الخبر غير فعل، بل صفة يفصل بين مذكرها ومؤنثها بالتاء نحو : من كان قائمين الزيدون، ومن كان قائمين الزيدان.
فمذهب الكوفيين وكثير من البصريين جواز ذلك.
وذهب قوم إلى المنع، وإليه ذهب أبو العباس، وهم محجوجون بثبوت ذلك في كلام العرب كهذه الآية، فإن هوداً في الأظهر جمع هائد، وهو من الصفات التي يفصل بينها وبن مؤنثها بالتاء، وكقول الشاعر :
وأيقظ من كان منكم نياما***
فنيام : جمع نائم، وهو من الصفات التي يفصل بين مذكرها ومؤمثها بالتاء، وقدم هوداً على نصارى لتقدمها في الزمان.
وقرأ أبي : إلا من كان يهودياً أو نصرانياً، فحمل الاسم والخبر معاً على اللفظ، وهو الإفراد والتذكير.
﴿تلك أمانيهم﴾ : جملة من مبتدأ وخبر معترضة بين قولهم ذلك وطلب الدليل على صحة دعواهم.
وتلك يشار بها إلى الواحدة المفردة، وإلى الجمع غير المسلم من المذكر والمؤنث، فحمله الزمخشري على الجمع قال : أشير بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردّوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم.
انتهى كلامه.
وما ذهب إليه في الوجه الأول ليس بظاهر، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء، فقد انفصلت وكملت واستقلت في النزول، فيبعد أن يشار إليها.
وأما ما ذهب إليه في الوجه الثاني ففيه مجاز الحذف، وفيه قلب الوضع، إذ الأصل أن يكون تلك مبتدأ، وأمانيهم خبر.
فقلب هو الوضع، إذ قال : أن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه.
وفيه أنه متى كان الخبر مشبهاً به المبتدأ، فلا يجوز تقديمه، مثل : زيد زهير، نص على ذلك النحويون.
فإن تقدم ما هو أصل في أن يشبه به، كان من عكس التشبيه ومن باب المبالغة، إذ جعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً كقولك : الأسد زيد شجاعة، والأظهر أن تلك إشارة إلى مقالتهم :﴿لن يدخل الجنة﴾، أي تلك المقالة أمانيهم، أي ليس ذلك عن تحقيق ولا دليل على من كتاب الله ولا من أخبار من رسول، وإنما ذلك على سبيل التمني.
وإن كانوا هم حازمين بمقالتهم، لكنها لما لم تكن عن برهان، كانت أماني، والتمني يقع بالجائز والممتنع.
فهذا من الممتنع، ولذلك أتى بلفظ الأماني، ولم يأت بلفظ مرجوّاتهم، لأن الرجاء يتعلق بالجائز، تقول : ليتني طائر، ولا يجوز، لعلني طائر، وإنما أفرد المبتدأ لفظاً، لأنه كناية عن المقالة، والمقالة مصدر يصلح للقليل والكثير، فأريد بها هنا الكثير باعتبار القائلين، ولذلك جمع الخير، فطابق من حيث المعنى في الجمعية.
وقد تقدّم شرح الأماني في قوله :﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ فيحتمل أن يكون المعنى : تلك أكاذيبهم وأباطيلهم، أو تلك مختاراتهم وشهواتهم، أو تلك تلاواتهم.
﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ : لما تقدم منهم الدعوى بأنه لن يدخل الجنة إلا من ذكروا، طولبوا بالدليل على صحة دعواهم.
وفي هذا دليل على أن من ادعى نفياً أو إثباتاً، فلا بد له من الدليل.
وتدل الآية على بطلان التقليد، وهو قبول الشيء بغير دليل.
قال الزمخشري : وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل.
إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم، أي أوضحوا دعوتكم.
وظاهر الآية أن متعلق الصدق هو دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة.
وقيل : صادقين في إيمانكم.
وقيل : في أمانيكم.
وقيل معنى صادقين : صالحين كما زعمتم، وكل ما أضيف إلى الصلاح والخير أضيف إلى الصدق.
تقول : رجل صدق، وصديق صدق، ودالة صدق، ومنه :﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ وقيل : معناه إن كنتم موقنين بما أخذ الله ميثاقه وعهوده، ومنه :﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.