المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ( ١١١ )
وقوله تعالى :﴿وقالوا لن يدخل الجنة﴾ معناه قال اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقال النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فجمع قولهم، ودل تفريق نوعيهم على تفرق قوليهم، وهذا هو الإيجاز واللف(١)، وهود جمع هائد، مثل عائد وعود، ومعناه التائب الراجع، ومثله في الجمع بازل وبزل وحائل وحول وبائر وبور، وقيل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع كفطر وعدل ورضا، وقال الفراء، أصله يهودي حذفت ياءاه على غير قياس.
وقرأ أبي بن كعب «إلا من كان يهودياً »، وكذبهم الله تعالى وجعل قولهم أمنية، وقد قطعوا(٢) قبل بقوله ﴿فتمنوا الموت﴾ [ البقرة : ٩٤، الجمعة : ٦ ]، وأمر محمد ﷺ بدعائهم إلى إظهار البرهان(٣)، وقيل : إن الهاء في ﴿هاتوا﴾ أصلية من هاتا يهاتي، وأميت تصريف هذه اللفظة كله إلا الأمر منه وقيل : هي عوض من همزة آتى، وقيل : ها تنبيه، وألزمت همزة آتى الحذف، والبرهان الدليل الذي يوقع اليقين(٤)، قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي بإثبات النظر ويرد على من ينفيه(٥)،
١ - معنى كلام المؤلف أن الضمير في قوله تعالى: (قالوا) يعود على أهل الكتاب، ويشمل اليهود والنصارى، (وهذا لف)، ثم جاء قوله سبحانه: (إلا من كان هودا أو نصارى) بتوضيح فيه (نشر) لما سبق من (لف)، وبهذا يتضح لك قول ابن عطية: (وهذا هو الإيجاز واللف)..
٢ - أي: عجزوا لما دعاهم النبي ﷺ تنفيذا لأمر الله في قوله: (قل إن كانت لكم الدارالآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) –وقد سبقت الآية وفي رقم (٩٤) من سورة البقرة..
٣ - بقوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)..
٤ - أي يثبته في النفس..
٥ - وهو دليل على بطلان القول بالتقليد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى