البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
البديع : النادر الغريب الشكل.
بدع يبدع بداعة فهو بديع، إذا كان نادراً، غريب الصورة في الحسن، وهو راجع لمعنى الابتداع، وهو الاختراع والإنشاء.
قضى : قدّر، ويجيء بمعنى أمضى.
قضى يقضي قضاء.
قال :
سأغسل عني العار بالسيف جالباًعليّ قضاء الله ما كان جالبا
قال الأزهري : قضى على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، قال أبو ذؤيب :
وعليهما مسرودتان قضاهماداود أو صنع السوابغ تبّع
وقال الشماخ في عمر :
قضيت أموراً ثم غادرت بعدهابوائق في أكمامها لم تفتق
فيكون بمعنى خلق :﴿فقضاهن سبع سموات﴾، وأعلم :﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ وأمر :﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ وألزم، منه قضى القاضي، ووفى :﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ وأراد :﴿إذا قضى أمراً﴾
﴿بديع السموات والأرض﴾ : لما ذكر أنه مالك لجميع من في السموات والأرض، وأنهم كلّ قانتون له، وهم المظروف للسموات والأرض، ذكر الظرفين وخصهما بالبداعة، لأنهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات.
وارتفاع بديع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو من باب الصفة المشبهة باسم الفاعل.
فالمجرور مشبه بالمفعول، وأصله الأول بديع سمواته، ثم شبه الوصف فأضمر فيه، فنصب السموات، ثم جر من نصب.
وفيه أيضاً ضمير يعود على الله تعالى، ويكون المعنى في الأصل أنه تعالى بدعت سمواته، أي جاءت في الخلق على شكل مبتدع لم يسبق نظيره.
وهذا الوجه ابتدأ به الزمخشري، إلا أنه قال : وبديع السموات من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهذا ليس عندنا.
كذلك بل من إضافة الصفة المشبهة إلى منصوبها.
والصفة عندنا لا تكون مشبهة حتى تنصب أو تخفض، وأما إذا رفعت ما بعدها فليس عندنا صفة مشبهة، لأن عمل الرفع في الفاعل يستوي فيه الصفات المتعدية وغير المتعدية.
فإذا قلنا : زيد قائم أبوه، فقائم رافع للأب على حدّ رفع ضارب له.
إذا قلت : زيد ضارب أبوه عمراً، لا تقول : إن قائماً هنا من حيث عمل الرفع شبه بضارب، وإذا كان كذلك، فإضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه لا يجوز لما تقرّر في علم العربية، إلا إن أخذنا كلام الزمخشري على التجوّز فيمكن، ويكون المعنى من إضافة الصفة المشبهة إلى ما كان فاعلاً بها قبل أن يشبه.
وحكى الزمخشري وجهاً ثانياً قال : وقيل البديع بمعنى المبدع، كما أن السميع في قول عمرو :
أمن ريحانة الداعي السميع***
بمعنى : المسمع، وفيه نظر.
انتهى كلامه.
وهذا الوجه لم يذكر ابن عطية غيره، قال : وبديع مصروف من مبدع، كبصير من مبصر، ومنه قول عمرو بن معدى كرب :
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرّقني وأصحابي هجوع
يريد : المسمع والمبدع والمنشىء، ومنه أصحاب البدع، ومنه قول عمر بن الخطاب في صلاة رمضان : نعمت البدعة هذه، انتهى.
والنظر الذي ذكره الزمخشري، والله أعلم، أن فعيلاً بمعنى مفعل لا ينقاس مع أن بيت عمرو محتمل للتأويل.
وعلى هذا الوجه يكون من باب إضافة اسم الفاعل لمفعوله.
وقرأ المنصور : بديع بالنصب على المدح، وقرئ بالجرّ على أنه بدل من الضمير في له.
﴿وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ : لما ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدل على طواعية المخترع وسرعة تكوينه.
ومعنى قضى هنا : أراد، أي إذا أراد إنشاء أمر واختراعه.
قال ابن عطية : وقضى : معناه قدر، وقد يجيء بمعنى : أمضى.
ويتجه في هذه الآية المعنيان.
فعلى مذهب أهل السنة : قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة : أمضى عند الخلق والإيجاد.
والأمر : واحد الأمور، وليس هنا مصدر أمر يأمر.
والمعتقد في هذه الآية أن الله لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر وقوع المعلومات.
وكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكلّ ما استند إلى الله من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل.
انتهى ما نقلناه هنا من كلامه.
وقال المهدوي :﴿وإذا قضى أمراً﴾، أي أتقنه وأحكمه وفرغ منه.
ومعنى : فإنما يقول له كن فيكون، يقول من أجله.
وقيل : قال له كن، وهو معدوم، لأنه بمنزلة الموجود، إذ هو عنده معلوم.
قال الطبري : أمره للشيء بكن لا يتقدّم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجوداً بالأمر إلا وهو مأمور بالوجود.
قال : ونظيره قيام الأموات من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله ولا يتأخر عنه، كما قال :
﴿ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ فالهاء في له تعود على الأمر، أو على القضاء الذي دلّ عليه قضى، أو على المراد الذي دلّ عليه الكلام.
انتهى ما نقلناه من كتابه.
وقال مكي : معنى الآية أنه عالم بما سيكون وما هو كائن، فقوله : كن، إنما هو للموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا.
انتهى كلامه.
وقال الزمخشري : كن فيكون، من كان التامة، أي أحدث فيحدث، وهذا مجاز من الكلام وتمثيل ولا قول، ثم كما لا قول في قوله :
إذ قالت الأنساع للبطن الحق***
وإنما المعنى : ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنما يتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف.
كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف ولا يمتنع، ولا يكون منه الإباء.
أكد بهذا استبعاد الولادة، لأن من كان بهذه الصفة من القدرة، كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها.
انتهى كلامه.
وقال السجاوندي : كن على التمثيل لنفاذ الأمر، قال :
فقالت له العينان سمعاً وطاعةوإلا فالمعدوم كيف يخاطب
أو علامة للملائكة بحدوث الموجود، أو على تقدير ما تصوّر كونه في علمه، أو مخصوص في تحويل الموجود من حال إلى حال، ولو كان كن مخلوقاً، لاحتاج إلى أخرى ولا يتناهي، فدلَّ على أن القرآن غير مخلوق.
انتهى كلامه.
قال المهدوي : وفي هذه الآية دليل على أن كلام الله غير مخلوق، لأنه لو كان مخلوقاً لكان قائلاً له : كن، ولكان قائلاً : لكن كن، حتى ينتهي ذلك إلى ما لا يتناهى، وذلك مستحيل مع ما يؤدّي إليه ذلك من أنه لا يوجد من الله فعل ألبتة، إذ لا بد أن يوجد قبله أفعال، هي أقاويل لا غاية لها، وذلك مستحيل.
ولا يجوز أن يحمل على المجاز، إذ ذلك إنما يكون في الجمادات، ولا يكون فيمن يصح منه القول إلا بدليل.
ويقوي ذلك أن المصدر فيه الذي هو قولنا من قوله :﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ وكد بمصدر آخر، وهو أن نقول، وأهل العربية مجمعون، على أنهم إذا أكدوا الفعل بالمصدر كان حقيقة، ولذلك جاء قوله :﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ إذ كان الله تعالى متولي تكليمه.
وقد قيل : إن معنى فإنما يقول له كن فيكون بكونه.
انتهى كلام المهدوي.
وقال في المنتخب : كن فيكون ليس المراد أنه تعالى يقول كن، فحينئد يكون ذلك الشيء، فإن ذلك فاسد من وجوه، فلا بد من تأويله، وفيه وجوه : الأول : وهو الأقوى، أن المراد نفاذ سرعة قدرة الله في تكوين الأشياء، وإنما يخلقها لا لفكرة، ونظيرة ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ الثاني : أنها علامة يعقلها الملائكة، إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، قاله أبو الهذيل.
الثالث : أنه جاء للموجودين الذين قال لهم :﴿كونوا قردة خاسئين﴾ ومن جرى مجراهم، وهو قول الأصم.
الرابع : أنه أمر للأحياء بالموت، وللموتى بالحياة، والكل ضعيف، والقوي هو الأول.
انتهى كلامه.
هذا ما نقلناه من كلام أهل التفسير في الآية.
وظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له : كن، تبينه الآية الأخرى :﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ وقوله :﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ لكن دليل العقل صد عن اعتقاد مخاطبة المعدوم، وصد عن أن يكون الله تعالى محلاً للحوادث، لأن لفظة كن محدثة، ومن يعقل مدلول اللفظ.
وكونه يسبق بعض حروفه بعضاً، لم يدخله شك في حدوثه، وإذا كان كذلك، فلا خطاب ولا قول لفظياً، وإنما ذلك عبارة عن سرعة الإيجاد وعدم اعتياصه، فهو من مجاز التمثيل، وكأنه قدر أن المعدوم موجود يقبل الأمر ويمتثله بسرعة، بحيث لا يتأخر عن امتثال ما أمر به.
وقرأ الجمهور : فيكون بالرفع، ووجه على أنه على الاستئناف، أي فهو يكون، وعزى إلى سيبويه.
وقال غيره : فيكون عطف على يقول، واختاره الطبري وقرّره.
وقال ابن عطية : وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين حادث، وقد انتهى ما رده به ابن عطية.
ومعنى رده : أن الأمر عنده قد تم، والتكوين حادث، وقد نسق عليه بالفاء، فهو معه، أي يعتقبه، فلا يصح ذلك، لأن القديم لا يعتقبه الحادث.
وتقرير الطبري له هو ما تقدم في أوائل الكلام على هذه المسألة، من أن الأمر لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه.
وما رده به ابن عطية لا يتم إلا بأن تحمل الآية على أن ثم قولاً وأمراً قديماً.
أما إذا كان ذلك على جهة المجاز، ومن باب التمثيل، فيجوز أن يعطف على نقول.
وقرأ ابن عامر : فيكون بالنصب، وفي آل عمران :﴿كن فيكون﴾ ونعلمه، وفي النحل، وفي مريم، وفي يس، وفي المؤمن.
ووافقه الكسائي في النحل ويس، ولم يختلف في ﴿كن فيكون﴾ الحق في آل عمران.
﴿وكن فيكون﴾ قوله الحق في الأنعام أنه بالرفع، ووجه النصب أنه جواب على لفظ كن، لأنه جاء بلفظ الأمر، فشبه بالأمر الحقيقي.
ولا يصح نصبه على جواب الأمر الحقيقي، لأن ذلك إنما يكون على فعلين ينتظم منهما شرط وجزاء نحوه : ائتني فأكرمك، إذ المعنى : إن تأتني أكرمك.
وهنا لا ينتظم ذلك، إذ يصير المعنى : إن يكن يكن، فلا بد من اختلاف بين الشرط والجزاء، إما بالنسبة إلى الفاعل، وإما بالنسبة إلى الفعل في نفسه، أو في شيء من متعلقاته.
وحكى ابن عطية، عن أحمد بن موسى، في قراءة ابن عامر : أنها لحن، وهذا قول خطأ، لأن هذه القراءة في السبعة، فهي قراءة متواترة، ثم هي بعد قراءة ابن عامر، وهو رجل عربي، لم يكن ليلحن.
وقراءة الكسائي في بعض المواضع، وهو إمام الكوفيين في علم العربية، فالقول بأنها لحن، من أقبح الخطأ المؤثم الذي يجر قائله إلى الكفر، إذ هو طعن على ما علم نقله بالتواتر من كتاب الله تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الإخبار عن مجاوزة الحد في الظلم ممن عطل بيوت الله من الذكر وسعي في خرابها، مع أنها من حيث هي منسوبة إلى الله، وهي محالّ ذكره وإيواء عباده الصالحين، كان ينبغي أن لا يدخلوها إلا وهم وجلون خائفون، متذكرون لمن بنيت، ولما يذكر فيها.
ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليس مختصاً بحيز ولا مكان.
وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة.
ثم أخبر عنهم بأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرض ملك له، خاضعون طائعون.
ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلك الفاعل لهما، لا مثال له.
ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه، والبارئ لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له، وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلك، ثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية.
وقد نزلت آيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنه تعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها.
ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراً لمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة، فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت.
ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهم عن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليه من ملة الكفر واتباع الأهواء.
ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصره ولا يمنعه من عذاب الله.
وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مما غاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن من كفر به حق عليه الخسران.
ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه.
ثم أعرض في معظم القرآن عن ندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهك وناداك مرة ومرة ومرة :
لقد أسمعت لو ناديت حياًولكن لا حياة لمن تنادي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى