غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿قالوا اتخذ الله﴾ بلا واو العطف : ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿كن فيكون﴾ بالنصب كل القرآن : ابن عامر إلا قوله ﴿كن فيكون الحق﴾ في آل عمران، و﴿كن فيكون قوله الحق﴾ في الأنعام. وافقه الكسائي في النحل ويس.
الوقوف :﴿خرابها﴾ ( ط ) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿خائفين﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿عظيم﴾ ( ه ) ﴿وجه الله﴾ ( ط )
﴿عليم﴾ ( ه ) ﴿وإذا﴾ ( لا ) تعجيلاً للتنزيه ﴿سبحانه﴾ ( ط ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن ما بعده مبتدأ ﴿قانتون﴾ ( ه ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿فيكون﴾ ( ه ) ﴿آية﴾ ( ط ) ﴿قلوبهم﴾ ( ط ) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿يوقنون﴾ ( ه ).
﴿بديع﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع ﴿السماوات والأرض﴾ عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع : بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سماواته وأرضه. وقيل : بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه تعالى بين كيفية إبداعه فقال :﴿وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ أصل التركيب من " ق ض ى " يدل على القطع. قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال :
وعليهما مسرودتان قضاهماداود أو صنع السوابغ تبع
ثم من قرأ ﴿فيكون﴾ بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لابد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو : اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو : اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه. قلت : لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له. فقول القائل " اذهب تذهب أو فتذهب " معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع " كان " التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى. فإن قلت : إن قوله ﴿فيكون﴾ لما كان من تتمة المقول. فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو " اذهب فتذهب " قلت : هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله ﴿أمراً﴾ وفي قوله ﴿له﴾ ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك. وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله تعالى لشيء على صدور لفظة " ﴿كن﴾ منه لوجوه : الأول أن قوله ﴿كن﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن ﴿إذا﴾ للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله ﴿كن﴾ مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله ﴿كن﴾ بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون ﴿كن﴾ محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على ﴿كن﴾ ( الثاني ) إما أن يخاطب المخلوق ب ﴿كن﴾ قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه. ( الثالث ) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة. ( الرابع ) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ﴿كن﴾ فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى ﴿كن﴾، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه ب ﴿كن﴾ فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة ب ﴿كن﴾ ولا نزاع في اللفظ. ( الخامس ) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا. ( السادس ) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلابد من تأويل، وأصحه أن يقال : المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل : إنه علامة وضعها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل. وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم. وقيل : أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد. فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود عليه السلام : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة. وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿أولئك ما كان لهم﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ من ذل الحجاب ﴿ولهم في الآخرة عذاب﴾ الحرمان من جوار الله. ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء. وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ﴿إن الله واسع﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿عليم﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى