البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
البيت : معروف، وصار علماً بالغلبة على الكعبة، كالنجم للثريا.
الأمن : مصدر أمن يأمن، إذا لم يخف واطمأنت نفسه.
المقام : مفعل من القيام، يحتمل المصدر والزمان والمكان.
اسماعيل : اسم أعجمي علم، ويقال إسماعيل باللام وإسماعين بالنون، قال :
قال جواري الحي لماجيناهذا ورب البيت اسماعينا
ومن غريب ما قيل في التسمية به أن إبراهيم كان يدعو أن يرزقه الله ولداً ويقول : اسمع ايل، وايل هو الله تعالى.
التطهير : مصدر طهر، والتضعيف فيه للتعدية.
يقال : طهر الشيء طهارة : نطف.
الطائف : اسم فاعل من طاف به إذا دار به، ويقال أطاف : بمعنى طاف، قال :
أطافت به جيلان عند فطامه***
والعاكف : اسم فاعل من عكف بالشيء : أقام به ولازمه، قال :
عليه الطير ترقبه عكوفا***
وقال يعكفون على أصنام لهم : أي يقيمون على عبادتها.
﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً﴾ : لما رد على اليهود في إنكارهم التوجه إلى الكعبة، وكانت الكعبة بناء إبراهيم أبيهم، كانوا أحق بتعظيمها، لأنها من مآثر أبيهم.
ولوجه آخر من إظهار فضلها، وهو كونها مثابة للناس وأمناً، وأن فيها مقام إبراهيم، وأنه تعالى أوحى إليه وإلى ولده ببنائها وتطهيرها، وجعلها محلاً للطائف والعاكف والراكع والساجد، وأمره بأن ينادي في الناس بحجها.
والبيت هنا : الكعبة، على قول الجمهور.
وقيل : المراد البيت الحرام لا نفس الكعبة، لأنه وصفه بالأمن، وهذه صفة جميع الحرم، لا صفة الكعبة فقط.
ويجوز إطلاق البيت، ويراد به كل الحرم.
وأما الكعبة فلا تطلق إلا على البناء الذي يطاف به، ولا تطلق على كل الحرم.
والتاء في مثابة للمبالغة، لكثرة من يثوب إليه، قاله الأخفش، أو لتأنيث المصدر، أو لتأنيث البقعة، كما يقال مقام ومقامه، قال الشاعر :
ألم تر أن الأرض رحب فسيحةفهل يعجزني بقعة من بقاعها
ذكر رحباً على مراعاة المكان، وأنث فسيحة على اللفظ.
وقرأ الأعمش وطلحة : مثابات على الجمع، وقال ورقة بن نوفل :
مثاباً لا فناء القبائل كلها***
تخب إليها اليعملات الطلائح
ويروى : الذوابل.
ووجه قراءة الجميع أنه مثابة لكل من الناس، لا يختص به واحد منهم، ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾.
ومثابة، قال مجاهد وابن جبير معناه : يثوبون إليه من كل جانب، أي يحجونه في كل عام، فهم يتفرّقون، ثم يثوبون إليه أعيانهم أو أمثالهم، ولا يقضي أحد منهم وطراً، وقال الشاعر :
جعل البيت مثاباً لهمليس منه الدهر يقضون الوطر
وقال ابن عباس : معاذاً وملجأ.
وقال قتادة والخليل : مجمعاً.
وقال بعض أهل اللغة، فيما حكاه الماوردي : أي مكان.
إثابة : واحدة من الثواب، وأورد هذا القول ابن عطية احتمالاً منه.
والألف واللام في قوله للناس : أما لاستغراق الجنس على مذهب من يرى أن الناس كلهم مخاطبون بفروع الإيمان، وإما للجنس الخاص على مذهب من لا يرى ذلك.
وجعلنا هنا بمعنى صيرنا، فمثابة مفعول ثان.
وقيل : جعل هنا بمعنى : خلق، أو وضع، ويتعلق للناس بمحذوف تقديره : مثابة كائنة، إذ هو في موضع الصفة.
وقيل : يتعلق بلفظ جعلنا، أي لأجل الناس.
والأمن : مصدر جعل البيت إياه على سبيل المبالغة لكثرة ما يقع به من الأمن، أو على حذف مضاف، أي ذا أمن، أو على أنه أطلق على اسم الفاعل مجازاً، أي آمنا، كما قال تعالى :﴿اجعل هذا البلد آمناً﴾، وجعله آمناً، اختلفوا، هل ذلك في الدنيا أو في الآخرة ؟ فمن قال : إنه في الدنيا، فقيل معناه : أن الناس كانوا يقتتلون، ويغير بعضهم على بعض حول مكة، وهي آمنة من ذلك، ويلقى الرجل قاتل أبيه فلا يهيجه، لأنه تعالى جعل لها في النفوس حرمة، وجعلها أمناً للناس والطير والوحش، إلا الخمس الفواسق، فخصصت من ذلك على لسان رسول الله ﷺ.
وأما من أحدث حدثاً خارج الحرم، ثم أتى الحرم، ففي أمنه من أن يهاج فيه خلاف مذكور في الفقه.
وقيل معناه : إنه آمن من لأهله، يسافر أحدهم الأماكن البعيدة، فلا يروعه أحد.
وقيل : معناه : إنه يؤمن من أن يحول الجبابرة بينه وبين من قصده.
ومن قال هذا الأمن في الآخرة، قيل : من المكر عند الموت.
وقيل : من عذاب النار.
وقيل : من بخس ثواب من قصده، قال قوم : وهذا الأمن مختص بالبيت.
وقيل : يشمل البيت والحرم.
وقال في ريّ الظمآن معناه : ذا أمن لقاطنيه من أن يجري عليهم ما يجري على سكان البوادي وسائر بلدان العرب.
والظاهر أن قوله : وأمناً، معطوف على قوله : مثابة، ويفسر الأمن بما تقدّم ذكره.
وذهب بعضهم إلى أن المعنى على الأمر، التقدير : واجعلوه آمناً، أي جعلناه مثابة للناس، فاجعلوه آمناً لا يتعدّى فيه أحد على أحد.
فمعناه أن الله أمر الناس أن يجعلوا ذلك الموضع آمناً من الغارة والقتل، وكان البيت محرّماً بحكم الله، وربما يؤيد هذا التأويل بقراءة من قرأ : واتخذوا على الأمر، فعلى هذا يكون العطف فيه من عطف الجمل، عطفت فيه الجملة الأمرية على جملة خبرية، وعلى القول الظاهر يكون من عطف المفردات.
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ : قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، والجمهور : واتخذوا، بكسر الخاء على الأمر.
وقرأ نافع، وابن عامر : بفتحها، جعلوه فعلاً ماضياً.
فأما قراءة : واتخذوا على الأمر، فاختلف من المواجه به، فقيل : إبراهيم وذريته، أي وقال الله لإبراهيم وذريته : اتخذوا.
وقيل : النبي ﷺ وأمته، أي : وقلنا اتخذوا.
ويؤيده ما روي عن عمر أنه قال : وافقت ربي في ثلاث، فذكر منها وقلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى وروي عن النبي ﷺ أنه أخذ بيد عمر فقال :«هذا مقام إبراهيم »، فقال عمر : أفلا نتخذه مصلى ؟ فقال :«لم أومر بذلك ».
فلم تغب الشمس حتى نزلت.
وعلى هذين القولين يكون اتخذوا معمولاً لقول محذوف.
وقيل : المواجه به بنو إسرائيل، وهو معطوف على قوله :﴿اذكروا نعمتي﴾ وقيل : هو معطوف على قوله :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة﴾، قالوا : لأن المعنى : ثوبوا إلى البيت، فهو معطوف على المعنى.
وهذان القولان بعيدان.
وأما قراءة : واتخذوا، بفتح الخاء، فمعطوف على ما قبله، فأما على مجموع، إذ جعلنا فيحتاج إلى إضمار إذ، وإما على نفس جعلنا، فلا يحتاج إلى تقديرها، بل يكون في صلة إذ.
والمعنى : واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به، وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، قاله الزمخشري.
من مقام : جوّزوا في من أن تكون تبعيضية، وبمعنى في، وزائدة على مذهب الأخفش، والأظهر الأول.
وقال القفال : هي مثل اتخذت من فلان صديقاً، وأعطاني الله من فلان أخاً صالحاً، دخلت من لبيان المتخذ الموهوب، وتميزه في ذلك المعنى والمقام مفعل من القيام، يراد به المكان، أي مكان قيامه، وهو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه، قاله ابن عباس وجابر وقتادة وغيرهم، وخرجه البخاري، وهو الآن موضع ذلك الحجر والمسمى مقام إبراهيم.
وعن عمر أنه سأل المطلب بن أبي رفاعة : هل تدري أين كان موضعه الأول ؟ قال نعم، فأراه موضعه اليوم.
قال أنس : رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، حكاه القشيري.
أو حجر جاءت به أم إسماعيل إليه وهو راكب، فاغتسل عليه، فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه، قاله الربيع بن أنس ؛ أو مواقف الحج كلها، قاله ابن عباس أيضاً وعطاء ومجاهد، أو عرفة والمزدلفة والجمار، قاله عطاء والشعبي، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها ؛ أو الحرم كله، قاله النخعي ومجاهد ؛ أو المسجد الحرام، قاله قوم.
واتفق المحققون على القول الأول ورجح بحديث عمر : أفلا نتخذه مصلى ؟ الحديث، وبقراءة رسول الله ﷺ لما فرغ من الطواف وأتى المقام :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، فدل على أن المراد منه ذلك الموضع، ولأن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حين غاصت فيه رجلاه، وفي ذلك معجزة له، فكان اختصاصه به أقوى من اختصاص غيره.
فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى، ولأن المقام هو موضع القيام، وثبت قيامه على الحجر ولم يثبت على غيره.
مصلى : قبلة، قاله الحسن.
موضع صلاة، قاله قتادة.
موضع دعاء، قاله مجاهد، والأولى الحمل على الصلاة الشرعية لا على الصلاة لغة.
قال ابن عطية : موضع صلاة على قول من قال المقام : الحجر، ومن قال غيره قال : مصلى، مدعى على أصل الصلاة، يعني في اللغة. انتهى.
﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ أي أمرنا أو وصينا، أو أوحينا، أو قلنا أقوال متقاربة المعنى.
﴿أن طهرا﴾ : يحتمل أن تكون أن تفسيرية، أي طهرا، ففسر بها العهد، ويحتمل أن تكون مصدرية، أي بأن طهرا.
فعلى الأول لا موضع لها من الإعراب، وعلى الثاني يحتمل الجرّ والنصب على اختلاف النحويين.
إذا حذف من أن حرف الجر، هل المحل نصب أو خفض ؟ وقد تقدّم لنا الكلام مرة في وصل أن بفعل الأمر، وأنه نص على ذلك سيبويه وغيره، وفي ذلك نظر، لأن جميع ما ذكر من ذلك محتمل، ولا أحفظ من كلامهم : عجبت من أن أضرب زيداً، ولا يعجبني أن أضرب زيداً، فتوصل بالأمر، ولأن انسباك المصدر يحيل معنى الأمر ويصيره مستنداً إليه وينافي ذلك الأمر.
والتطهير : المأمور به هو التنظيف من كل ما لا يليق به.
وقد فسروا التطهير بالبناء والتأسيس على الطهارة والتوحيد، قاله السدّي، وهو بعيد، وبالتطهير من الأوثان.
وذكروا أنه كان عامراً على عهد نوح، وأنه كان فيه أصنام على أشكال صالحيهم، وأنه طال العهد، فعبدت من دون الله، فأمر الله بتطهيره من تلك الأوثان، قاله جبير ومجاهد وعطاء ومقاتل.
والمعنى : أنه لا ينصب فيه وثن، ولا يعبد فيه غير الله.
وقال يمان : معناه بخّراه ونظفاه وخلقاه.
وقيل : من الآفات والريب.
وقيل : من الكفار.
وقيل : من الفرث والدم الذي كان يطرح فيه.
وقيل : معناه أخلصاه لهؤلاء، لا يغشاه غيرهم، والأولى حمله على التطهير مما لا يناسب بيوت الله، فيدخل فيه الأوثان والإنجاس، وجميع الخبائث، وما يمنع منه شرعاً، كالحائض.
﴿بيتي﴾ : هذه إضافة تشريف، لا أن مكاناً محل لله تعالى، ولكن لما أمر ببنائه وتطهيره وإيفاد الناس من كل فج إليه، صار له بذلك اختصاص، فحسنت إضافته إلى الله بذلك، وصار نظير قوله :﴿ناقة الله﴾ ﴿وروح الله﴾ من حيث أن في كل منهما خصوصية لا توجد في غيره، فناسب الإضافة إليه تعالى.
والأمر بتطهيره يقتضي سبق وجوده، إلا إذا حملنا التطهير على البناء والتأسيس على الطهارة والتقوى.
وقد تقدّم أنه كان مبنياً على عهد نوح.
﴿للطائفين والعاكفين﴾ : ظاهره أنه كل من يطوف من حاضر أو باد، قاله عطاء وغيره.
وقال ابن جبير : الغرباء الطارئون على مكة حجاجاً وزوّاراً، فيرحلون عن قريب، ويؤيده أنه ذكر بعده.
وال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى