الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
و ﴿البيت﴾ اسم غالب للكعبة، كالنجم للثريا ﴿مَثَابَةً لّلنَّاسِ﴾ مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم ﴿وَأَمْناً﴾ موضع أمن، كقوله :﴿حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج. وقرىء :«مثابات »، لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم ﴿سَوَاء العاكف فِيهِ والباد﴾ ﴿واتخذوا﴾ على إرادة القول، أي وقلنا : اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه. وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب. وعن النبي ﷺ :" أنه أخذ بيد عمر فقال : هذا مقام إبراهيم، فقال عمر : أفلا نتخذه مصلى يريد أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه تبركاً به وتيمناً بموطىء قدم إبراهيم فقال : لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت » " وعن جابر بن عبد الله :«أنّ رسول الله ﷺ استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، حتى إذا فرغ، عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، وقرأ :﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى﴾ وقيل : مصلى مدعى. ومقام إبراهيم : الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل المطلب بن أبي وداعة : هل تدري أين كان موضعه الأوّل ؟ قال : نعم، فأراه موضعه اليوم. وعن عطاء ﴿مَّقَامِ إبراهيم﴾ : عرفة والمزدلفة والجمار، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها. وعن النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم. وقرىء «واتخذوا » بلفظ الماضي عطفا على «جعلنا » أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذرّيته عنده قبلةً يصلون إليها ﴿عَهِدْنَا﴾ أمرناهما ﴿أَن طَهّرَا بَيْتِىَ﴾ بأن طهرا، أو أي طهرا. والمعنى طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم ﴿والعاكفين﴾ المجاورين الذين عكفوا عنده، أي أقاموا لا يبرحون، أو المعتكفين. ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين في الصلاة، كما قال :﴿لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود﴾ [الحج: ٢٦]، والمعنى : للطائفين والمصلين، لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي.