مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾.
اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة، وهذا شرح التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، ثم نقول : أما البيت فإنه يريد البيت الحرام، واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف واللام عليه، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة، ثم نقول : ليس المراد نفس الكعبة، لأنه تعالى وصفه بكونه ( آمنا ) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى :﴿هديا بالغ الكعبة﴾ والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله :﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك، وقال في آية أخرى :﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ وقال الله تعالى في آية أخرى مخبرا عن إبراهيم :﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت.
أما قوله تعالى :﴿مثابة للناس﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوبا إذا رجع يقال : ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس، ثم ثابوا : أي عادوا مجتمعين، والثواب من هذا أخذ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه، والمثاب من البئر : مجتمع الماء في أسفلها، قال القفال قيل : إن مثابا ومثابة لغتان مثل : مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج، وقيل : الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم : نسابة وعلامة، وأصل مثابة مثوبة مفعلة.
المسألة الثانية : قال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام، وعن ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه، قال الله تعالى :﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ وقيل : مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه، فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى، فما معنى قوله :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العودة إليه مرة بعد مرة، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في التمسك والتقرب إلى الله تعالى، وإظهار العبودية له، والمواظبة على العمرة والطواف، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه، يستوجب بذلك ثوابا عظيما عند الله تعالى.
المسألة الثانية : تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ ووجه الاستدلال به أن قوله :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفا بصفة كونه مثابة للناس، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف، فوجب تحققه في الطواف، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه.
أما قوله تعالى :﴿وأمنا﴾ أي موضع أمن، ثم لا شك أن قوله :﴿جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ خبر، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر.
( أما القول الأول ) : فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال :﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ وقوله :﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء﴾ ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، وأيضا فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ فأخبر عن وقوع القتل فيه.
( القول الثاني ) : أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل، فكان البيت محترما بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، وكانوا يسمون قريشا : أهل الله تعظيما له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام :( إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت ) فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى : أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله ﷺ، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه : إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه، قال الشافعي رحمه الله : وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية، والجواب عنه أن قوله :﴿وأمنا﴾ ليس فيه بيان أنه جعله أمنا فيما ذا فيمكن أن يكون أمنا من القحط، وأن يكون أمنا من نصب الحروب، وأن يكون أمنا من إقامة الحدود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى.
أما قوله تعالى :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي :﴿واتخذوا﴾ بكسر الخاء على صيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر.
( أما القراءة الأولى ) : فقوله :﴿واتخذوا﴾ عطف على ماذا، وفيه أقوال، ( الأول ) : أنه عطف على قوله :﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. ( الثاني ) : إنه عطف على قوله :﴿إني جاعلك للناس إماما﴾ والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك :﴿إني جاعلك للناس إماما﴾ وقال :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال، ونظيره قوله تعالى :﴿وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ ( الثالث ) : أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد ﷺ أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وكأن وجهه :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا﴾ أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنا فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح، أما من قرأ :﴿واتخذوا﴾ بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفا على :﴿جعلنا البيت﴾ واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفا على :﴿وإذ جعلنا البيت﴾ وإذ اتخذوه مصلى.
المسألة الثانية : ذكروا أقوالا في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو :
( القول الأول ) : إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام، ثم هؤلاء ذكروا وجهين :( أحدهما ) : أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضا فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس. ( وثانيها ) : ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان :﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام.
( القول الثاني ) : أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد. ( الثالث ) : أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء. ( الرابع ) : الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه. ( الأول ) : ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. ( وثانيها ) : أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع. ( وثالثها ) : ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : بلى. قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ قال : لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية. ( ورابعها ) : أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى. ( وخامسها ) : أنه تعالى قال :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع. ( وسادسها ) : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، و
اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة، وهذا شرح التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، ثم نقول : أما البيت فإنه يريد البيت الحرام، واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف واللام عليه، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة، ثم نقول : ليس المراد نفس الكعبة، لأنه تعالى وصفه بكونه ( آمنا ) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى :﴿هديا بالغ الكعبة﴾ والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله :﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك، وقال في آية أخرى :﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ وقال الله تعالى في آية أخرى مخبرا عن إبراهيم :﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت.
أما قوله تعالى :﴿مثابة للناس﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوبا إذا رجع يقال : ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس، ثم ثابوا : أي عادوا مجتمعين، والثواب من هذا أخذ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه، والمثاب من البئر : مجتمع الماء في أسفلها، قال القفال قيل : إن مثابا ومثابة لغتان مثل : مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج، وقيل : الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم : نسابة وعلامة، وأصل مثابة مثوبة مفعلة.
المسألة الثانية : قال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام، وعن ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه، قال الله تعالى :﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ وقيل : مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه، فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى، فما معنى قوله :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العودة إليه مرة بعد مرة، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في التمسك والتقرب إلى الله تعالى، وإظهار العبودية له، والمواظبة على العمرة والطواف، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه، يستوجب بذلك ثوابا عظيما عند الله تعالى.
المسألة الثانية : تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ ووجه الاستدلال به أن قوله :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفا بصفة كونه مثابة للناس، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف، فوجب تحققه في الطواف، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه.
أما قوله تعالى :﴿وأمنا﴾ أي موضع أمن، ثم لا شك أن قوله :﴿جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ خبر، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر.
( أما القول الأول ) : فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال :﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ وقوله :﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء﴾ ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، وأيضا فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ فأخبر عن وقوع القتل فيه.
( القول الثاني ) : أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل، فكان البيت محترما بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، وكانوا يسمون قريشا : أهل الله تعظيما له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام :( إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت ) فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى : أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله ﷺ، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه : إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه، قال الشافعي رحمه الله : وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية، والجواب عنه أن قوله :﴿وأمنا﴾ ليس فيه بيان أنه جعله أمنا فيما ذا فيمكن أن يكون أمنا من القحط، وأن يكون أمنا من نصب الحروب، وأن يكون أمنا من إقامة الحدود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى.
أما قوله تعالى :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي :﴿واتخذوا﴾ بكسر الخاء على صيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر.
( أما القراءة الأولى ) : فقوله :﴿واتخذوا﴾ عطف على ماذا، وفيه أقوال، ( الأول ) : أنه عطف على قوله :﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. ( الثاني ) : إنه عطف على قوله :﴿إني جاعلك للناس إماما﴾ والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك :﴿إني جاعلك للناس إماما﴾ وقال :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال، ونظيره قوله تعالى :﴿وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ ( الثالث ) : أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد ﷺ أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وكأن وجهه :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا﴾ أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنا فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح، أما من قرأ :﴿واتخذوا﴾ بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفا على :﴿جعلنا البيت﴾ واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفا على :﴿وإذ جعلنا البيت﴾ وإذ اتخذوه مصلى.
المسألة الثانية : ذكروا أقوالا في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو :
( القول الأول ) : إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام، ثم هؤلاء ذكروا وجهين :( أحدهما ) : أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضا فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس. ( وثانيها ) : ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان :﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام.
( القول الثاني ) : أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد. ( الثالث ) : أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء. ( الرابع ) : الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه. ( الأول ) : ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. ( وثانيها ) : أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع. ( وثالثها ) : ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : بلى. قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ قال : لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية. ( ورابعها ) : أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى. ( وخامسها ) : أنه تعالى قال :﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع. ( وسادسها ) : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، و