الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : القواعد أساس البيت.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والجندي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن جبير أنه قال : سلوني يا معشر الشباب فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم، فأكثر الناس مسألته فقال له رجل : أصلحك الله أرأيت المقام أهو كما نتحدث ؟ قال : وماذا كنت تتحدث ؟ قال : كنا نقول أن إبراهيم حين جاء عرضت عليه امرأة إسماعيل النزول فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر فقال : ليس كذلك فقال سعيد بن جبير : قال ابن عباس : إن أول من اتخذ المناطق من النساء أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنس ولا شيء ؟ قالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليهما. قالت له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم. قالت : إذا لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه قال ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) ( إبراهيم الآية ٣٧ ) وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال : يتلبط. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس : قال النبي ﷺ " فلذلك سعى الناس بينهما ".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتا أيضا فقالت : قد اسمعت إن كان عندك غواث - فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فنحت بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه بيدها وتغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعدما تغرف. قال ابن عباس : قال النبي ﷺ " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال - لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا فشربت وأرضعت ولدها ".
فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتا لله عز وجل يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. . . ! فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا قال : وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا به : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا : نعم. قال ابن عباس قال النبي ﷺ " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس ".
فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معه حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه. . . ! فقالت : خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ؟ فقالت : نحن بشر في ضيق وشدة وشكت إليه قال : إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم. جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم، أمرني أن أقرئ عليك السلام، ويقول : غير عتبة بابك. قال : ذاك أبي وأمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده ؟ فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت : خرج يبتغي لنا. قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بخير وسعة وأثنت على الله. فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم. قال : فما شرابكم قالت : الماء. قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ " ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه. قال : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه " قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته إنا بخير. قال : أما أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم، وهو يقرأ السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال : ذاك أبي وأنت العتبة فأمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد، ثم قال : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. قال : فاصنع ما أمرك. قال : وتعينني. . . ؟ قال : وأعينك. . . قال : فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال : فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
قال معمر : وسمعت رجلا يقول : كان إبراهيم يأتيهم على البراق قال معمر : وسمعت رجلا يذكر أنهما حين التقيا بكيا حتى أجابتهما الطير.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم قال : أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق وجعل إسماعيل أمامه وهو ابن سنتين وهاجر خلفه، ومعه جبريل عليه السلام يدله على موضع البيت حتى قدم به مكة، فأنزل إسماعيل وأمه إلى جانب البيت، ثم انصرف إبراهيم إلى الشام، ثم أوحى الله إلى إبراهيم أن يبني البيت، وهو يومئذ ابن مائة سنة وإسماعيل يومئذ ابن ثلاثين فبناه معه، وتوفي إسماعيل بعد أبيه فدفن داخل الحجر مما يلي الكعبة مع أمه هاجر، وولي ثابت بن إسماعيل البيت بعد أبيه مع أخواله جرهم.
وأخرج الديلمي عن علي عن النبي ﷺ في قوله ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت. . .﴾ الآية. قال " جاءت سحابة على تربيع البيت لها رأس تتكلم، ارتفاع البيت على تربيعي فرفعاه على تربيعها ".
وأخرج ابن أبي شيبة واسحق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد والحرث بن أبي أسامة وابن جرير وابن أبي حاتم والأزرقي والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب. أن رجلا قال له : ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال : لا، ولكنه أول بيت وضع للناس فيه البركة والهدى، ومقلم إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، ثم حدث أن إبراهيم لما أمر ببناء البيت ضاق به ذرعا فلم يدر كيف يبنيه، فأرسل الله إليه السكينة - وهي ريح خجوج ولها رأسان - فتطوقت له على موضع البيت، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم، فلما بلغ موضع الحجر قال لإسماعيل : اذهب فالتمس لي حجرا أضعه ههنا. فذهب إسماعيل يطوف في الجبال، فنزل جبريل بالحجر فوضعه، فجاء إسماعيل فقال : من أين هذا الحجر ؟ ! قال : جاء به من لم يتكل على بنائي ولا بنائك، فلبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبنته قريش، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر تشاحنوا في وضعه فقالوا : أول من يخرج من هذا الباب فهو يضعه، فخرج رسول الله ﷺ من قبل باب بني شيبة، فأمر بثوب فبسط، فأخذ الحجر فوضعه في وسطه، وأمر من كل فخذ من أفخاذ قريش رجلا يأخذ بناحية الثوب فرفعوه، فأخذه رسول الله ﷺ بيده فوضعه في موضعه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والأزرقي والحاكم من طريق سعيد بن المسيب عن علي قال : أقبل إبراهيم على أرمينية ومعه السكينة تدله على موضع البيت كما تبني العنكبوت بيتها، فحفر من تحت السكينة فأبدى عن قواعد البيت، ما يحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلا. قلت : يا أبا محمد فإن الله يقول ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ قال : كان ذلك بعد.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في وقله ﴿يرفع إبراهيم القواعد﴾ قال : القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والجندي عن عطاء قال : قال آدم : أي رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ؟ قال : لخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فزعم الناس أنه بناه من خمسة جبال. من حراء، ولبنان، وطورزيتا، وطورسينا، والجودي، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لما أهبط الله آدم من الجنة قال : إني مهبط معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان رفعه الله إليه، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله بعد لإبراهيم وأعلمه مكانه فبناه من خمسة جبال : حراء، ولبنان، وثيبر، وجبل الطور، وجبل الحمر، وهو جبل بيت المقدس.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال : وضع البيت على أركان الماء على أربعة قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
وأخرج عبد الرزاق والأزرقي في تاريخ مكة والجندي عن مجاهد قال : خلق الله موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علياء بن أحمر أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة جبال فقال : ما لكما ولأرضي ؟ ! فقالا : نحن عبدان مأموران أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال : فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقام خمسة أكباش فقلن : نحن نشهد أن إسماعيل وإبراهيم عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة فقال : قد رضيت وسلمت ثم مضى.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش، وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط قال الله له : اهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، فطاف آدم حوله ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمن الطوفان حين أغرق الله قوم نوح رفعه وطهره فلم تصبه عق

تفسير هذه الآية من كتب أخرى