الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( وَإِذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ ) [ ١٢٦ ].
القواعد أساس البيت.
قال عطاء : هي قواعد آدم ﷺ كانت قد اندرست وخفي أثرها فبوأها الله [ إبراهيم. قال عطاء : قال آدم ](١) حين أهبط : ربي إني لأسمع(٢) أصوات الملائكة. قال : بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابْنِ لِي بيتاً، ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل(٣)، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس " (٤).
وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال : " أهبط الله مع آدم ﷺ من السماء إلى الأرض بيتاً يطاف به كما يطاف بعرضه في السماء. ثم رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم ﷺ قواعد ذلك البيت. فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه(٥) الله إبراهيم فأعلمه مكانه " (٦).
وقال عطاء : لمَّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي : نقص، شكا أنه استوحش لِفَقْدِ أصوات الملائكة، فَوُجه إلى مكة/ فكان موضع قدمه قَرْية، وما بين/ القدمين مفازة، فأنز الله عز وجل عليه ياقوتة من ياقوت(٧) الجنة فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم ﷺ فبناه(٨) " (٩).
وقال مجاهد : " لما أراد الله خلق الأرض علا الماءَ زبدةٌ حمراء أو بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله إبراهيم ﷺ فبناه على أساسه، وأساسه(١٠) على أركان أربعة في الأرض السابعة " (١١).
وقال ابن عباس : " وضع البيت على أركان الماء ؛ أربعة أركان(١٢) قبل أن تخلق(١٣) الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت " (١٤).
وفي حرف ابن مسعود : " وإسماعيل يَقُولاَنِ : رَبَّنَا(١٥) " فدل على أنهما جميعا دَعَوا. وقيل : القائل هو إسماعيل ﷺ وحده(١٦). والمعنى إذ(١٧) يقول إسماعيل " ربنا " (١٨).
قال(١٩) ابن عباس، " كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة(٢٠)، فلما انتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل : جئني بحجر حسن(٢١) يكون عَلَماً للناس. فذهب إسماعيل فأتى(٢٢) بحجر فقال له : جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل ﷺ يطلب فنادى أبو قبيس : " يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فَخُذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت(٢٣) الجنة كان قد نزل به آدم عليه السلام من الجنة ".
وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [ عليه السلام ](٢٤) " الحَجَرَ يَاقُوتَةٌ/ مِنْ يَاقُوتِ(٢٥) الجَنَّةِ [ بَيْضَاءٌ، وَلَولاَ مَا لاَمَسَهُ ](٢٦) مِنْ أَنْجَاسِ المُشْرِكِينَ وَأَرْجَاسِهِمْ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلاَّ شَفَاهُ اللهُ عز وجل " (٢٧).
وقال عليه السلام : " الحَجَرُ(٢٨) يَمِينُ الله يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ وَلَيَأْتِيَنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالمَقَامُ، وَلَهُمَا لِسَانَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لَمِنْ وَافَاهُمَا بِالوَفَاءِ(٢٩) " (٣٠).
وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما(٣١) وسلم لما أرادا(٣٢) البناء لم يدريا أين البيت. فبعث الله عز وجل ريحاً يقال لها الخجوج(٣٣) لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن(٣٤) أساس البيت الأول، فوضعا المعاول يحفران حتى وضعا(٣٥) الأساس فذلك قوله :( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ )(٣٦)، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل(٣٧) : اطلب لي(٣٨) حجراً حسناً أضعه هنا. قال : يا أبت. إني كسلان تعب. قال(٣٩) : على ذلك. فانطلق يطلب [ حجراً فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق [ يطلب حجراً ](٤٠) وجاء جبريل [ عليه السلام ](٤١) بالحجر الأسود/ وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة(٤٢) وكان آدم ﷺ هبط من الجنة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل ﷺ بحجر فوجده(٤٣) عند الركن، فقال : يا أبت من جاءك بهذا ؟ فقال : جاء به من هو أنشط منك فبنياه " (٤٤).
وقال(٤٥) عبيد بن عمير الليثي(٤٦) : أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام/ يَبْرَى(٤٧) نبلاً قريباً من زمزم، فلما رآه [ قام إليه ](٤٨)، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال : يا إسماعيل إن الله [ جل وعز ](٤٩) أمرني بأمر. قال : فاصنع ما أمرك ربك. قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك. قال : فإن الله أمرني أن أبني/ هاهنا بيتاً –وأشار إلى الكعبة مرتفعة على ما حولها- قال : فعند ذلك رفعا(٥٠) القواعد من البيت، فكان إسماعيل صلى الله على محمد [ و ](٥١) عليه وسلم يأتي بالحجارة وإبراهيم ﷺ يبني ؛ حتى ارتفع البناء، فجاء(٥٢) بهذا(٥٣) الحجر يعني المقام، فقال [ عليه إبراهيم ](٥٤) يبني، وهما يقولان :( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ )(٥٥). [ ١٢٦ ].
فمعنى الآية : أنها خبر من الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله على محمد و[ عليهما وسلم ](٥٦) وما كانا(٥٧) يفعلان في بناء البيت، وما كانا(٥٨) يقولان وهما يبنيان.
١ - في ح: إبراهيم صلى الله عليه وسلم، قال عطاء: قال آدم صلى الله عليه وسلم، وفي ع٢: إبراهيم. قال آدم..
٢ - في ع٣: لا سمع. وهو خطأ..
٣ - في ع٢: أحبل. وهو تصحيف..
٤ - انظر: جامع البيان ٩/٥٨-٥٩..
٥ - في ع٢: بداه. وهو تحريف..
٦ - انظر: جامع البيان ٣/٥٨..
٧ - في ع٣: ياقوتة..
٨ - في ع٢، ع٣: عيناه. وهو تحريف..
٩ - انظر: جامع البيان ٣/٥٩، والمحرر الوجيز ١/٣٥٨، وتفسير ابن كثير ١/١٧٩..
١٠ - في ع٢، ع٣: أسسه..
١١ - انظر: جامع البيان ٣/٦٠..
١٢ - سقط من ع٢، ع٣..
١٣ - في ق: يخلق..
١٤ - انظر: جامع البيان ٣/٦١، وتفسير القرطبي ٢/١٢٠، وتفسير ابن كثير ١/١٧٩..
١٥ - انظر: المحتسب ١/١٦٨..
١٦ - سقط من ع٢، ع٣..
١٧ - في ح: وإذ..
١٨ - انظر: جامع البيان ٣/٦٥..
١٩ - في ع٢، ع٣: وقال..
٢٠ - في ع٣: الحجر..
٢١ - سقط من ق..
٢٢ - في ق: يأتي..
٢٣ - في ع٣: ياقوتة..
٢٤ - في ع٢: صلى الله عليه وسلم..
٢٥ - في ع٣: ياقوتة..
٢٦ - في ع٣: بينا ولولا ما لمسه..
٢٧ - انظر: سنن الترمذي ٣/٢٢٦، والمستدرك ١/٤٥٦..
٢٨ - ساقط من ع٣..
٢٩ - في ق: بالفاء. وهو تحريف..
٣٠ - رواه الترمذي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انظر: السنن ٣/٢٢٦، والمستدرك ١/٤٥٧..
٣١ - في ع٢: عليه، وفي ح: عليهما وعلى محمد..
٣٢ - في ع٢، ع٣: أراد..
٣٣ - يقال: خجت الريح، إذا الْتَوَت في هبوبها، فهي خاجة وخجوج. انظر: اللسان ١/٧٩٣..
٣٤ - في ع٣: على..
٣٥ - في ع٣: وضع..
٣٦ - الحج آية ٢٤..
٣٧ - في ح: صلى الله على محمد وعليهما وسلم..
٣٨ - في ع٣: في. وهو تحريف..
٣٩ - في ح: ثم قال..
٤٠ - في ع٣: حجر، فجاءت بحجر فلم يرضه، فقال: إئتني بحجر حسن من هذا فانطلق ويطلب حجر..
٤١ - في ق، ق٣: صلى الله عليه وسلم..
٤٢ - في ع٢، ع٣: التهامة. والثغامة هو نبت أبيض الثمر والزهر، قاله أبو عبيد. انظر: اللسان ١/٣٦١..
٤٣ - في ع٣: فوجدوه..
٤٤ - انظر: جامع البيان ٣/٦٥-٦٦ وتفسير ابن كثير ١/١٧٨-١٧٩. [أغلب ما جاء في بناء البيت من الإسرائيليات، ولم يجئ في خبر صحيح أن البيت كان مبنياً قبل الخليل عليه السلام، فينبغي الاقتصار على الرواية الصحيحة التي رواها البخاري في صحيحه باب "واتخذ الله إبراهيم خليلاً". انظر: الإسرائيليات لأبي شهبة ص ١٦٨-١٦٩] المدقق..
٤٥ - في ع٢: فقال..
٤٦ - عبيد بن عمير –بالتصغير فيهما- هو: الليثي الجندعي المكي ثقة من كبار التابعين. انظر: طبقات ابن سعد ٥/٣٤١-٣٤٢، والإصابة ٥/٧٩. (ط. القاهرة)..
٤٧ - ويَرَى العود برياً: نحته. اللسان ١/٢٠٥..
٤٨ - في ع٣: فقام..
٤٩ - في ع٢، ع٣: كْ..
٥٠ - في ع٣: رفع..
٥١ - سقط حرف الواو من ع١. وقوله "على محمد و" ساقط من ع٣..
٥٢ - في ق: فجاءه..
٥٣ - في ق: هذا. وفي ع٣: بهذه..
٥٤ - في ع٢: إبراهيم عليه، وفي ع٣: إبراهيم عليه السلام..
٥٥ - انظر: جامع البيان ٣/٦٧..
٥٦ - سقط من ع٣، وفي ع١، ق: و، وفي ع٢: عليه السلام..
٥٧ - في ع٢، ق: كان..
٥٨ - في ع٢، ق: كان..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى