فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ﴾ هذا الخطاب للمسلمين أيضاً : أي فإن آمن أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما آمنتم به من جميع كتب الله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم، فقد اهتدوا، وعلى هذا، فمثل زائدة كقوله :
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء﴾ [الشورى: ١١] وقول الشاعر :
فصيروا مثل كعصف مأكول ***. . .
وقيل : إن المماثلة وقعت بين الإيمانين، أي : فإن آمنوا بمثل إيمانكم. وقال في الكشاف : إنه من باب التبكيت ؛ لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو دين الإسلام، قال : أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة، والسداد، فقد اهتدوا، وقيل : إن الباء زائدة مؤكدة. وقيل إنها للاستعانة. والشقاق أصله من الشق، وهو الجانب، كأنّ كل واحد من الفريقين في جانب غير الجانب الذي فيه الآخر. وقيل : إنه مأخوذ من فعل ما يشقّ ويصعب، فكل واحد من الفريقين يحرص على فعل ما يشق على صاحبه، ويصح حمل الآية على كل واحد من المعنيين، وكذلك قول الشاعر :
وإلا فَاعْلَمُوا أنا وَأنتُمْبُغاةٌ ما بقينا في شِقَاقِ
وقوله الآخر :
إلى كَمْ تَقتُل العُلَماءَ قَسْراًوتَفخَرُ بِالشِقَاقِ وَبالِنفَاقِ
وقوله :﴿فسيكفيهم الله﴾ وعد من الله تعالى لنبيه أنه سيكفيه من عانده، وخالفه من المتولِّين، وقد أنجز له وعده بما أنزله من بأسه بقريظة، والنضير، وبني قينقاع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله :﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء﴾ يعني أهل الكتاب. وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله :﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء﴾ قال : يقول لم يشهد اليهود، ولا النصارى، ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه الميثاق إذ حضره الموت أن لا تعبدوا إلا الله، فأقرّوا بذلك، وشهد عليهم أن قد أقرّوا بعبادتهم أنهم مسلمون. وأخرج عن ابن عباس أنه كان يقول : الجدّ أب، ويتلو الآية. وأخرج أيضاً عن أبي العالية في الآية قال : سمي العمّ أباً. وأخرج أيضاً نحوه عن محمد بن كعب.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : قال عبد الله بن صوريا الأعور للنبي ﷺ : ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم :﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿حَنِيفاً﴾ قال : متبعاً. وأخرجا أيضاً، عن ابن عباس في قوله :﴿حَنِيفاً﴾ قال : حاجاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال : الحنيف المستقيم. وأخرج أيضاً، عن خصيف قال : الحنيف المخلص. وأخرج أيضاً عن أبي قلابة قال : الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال : قال رسول الله ﷺ :" بعثت بالحنيفية السمحة " وأخرج أحمد أيضاً، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، عن ابن عباس قال :«قيل يا رسول الله أيّ الأديان أحب إلى الله ؟ قال : الحنيفية السمحة». وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن عساكر، من حديث أسعد بن عبد الله بن مالك الخزاعي مرفوعاً مثله.
وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عباس قال : كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة :﴿قُولُوا ءامَنَّا بالله﴾ كلها وفي الآخرة ﴿آمنا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :" لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله " الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال : الأسباط بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلاً كل واحد منهم ولد أمة من الناس. وروى نحوه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي، وحكاه ابن كثير في تفسيره عن أبي العالية، والربيع، وقتادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال : لا تقولوا، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله لا مثل له، ولكن قولوا، فإن آمنوا بالذي آمنتم به، وأخرج ابن أبي داود، في المصاحف، والخطيب في تاريخه عن أبي جمرة قال : كان ابن عباس يقرأ :" فإن آمنوا بالذي آمنتم به " وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله :﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ﴾ قال فراق.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿صِبْغَةَ الله﴾ قال : دين الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : فطرة الله التي فطر الناس عليها. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال :«إن بني إسرائيل قالوا يا موسى هل يصبغ ربك ؟ فقال : اتقوا الله، فناداه ربه : يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك ؟ فقل : نعم. أنا أصبغ الألوان، الأحمر والأبيض والأسود والألوان كلها في صبغتي» وأنزل الله على نبيه :﴿صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً﴾. وأخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس موقوفاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ؛ قال : إن اليهود تصبغ أبناءها يهوداً، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، ولا صبغة أحسن من صبغة الإسلام، ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً، ومن كان بعده من الأنبياء. وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس في قوله :﴿صِبْغَةَ الله﴾ قال : البياض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ قال : أتخاصموننا. وأخرج ابن جرير، عنه قال : أتجادلوننا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة﴾ الآية قال : أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية، والنصرانية، وكتموا محمداً، وهم يعلمون أنه رسول الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والربيع في قوله :﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قال : يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى