البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾ : سبب النزول، قيل : إن اليهود والنصارى قالوا : يا محمد ! إن الأنبياء كانوا منا، وعلى ديننا، ولم تكن من العرب، ولو كنت نبياً، لكنت منا وعلى ديننا.
وقيل : حاجوا المسلمين فقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه وأصحاب الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم، فنحن أولى بالله منكم، فأنزلت.
قرأ الجمهور : أتحاجوننا بنونين، إحداهما نون الرفع، والأخرى الضمير ؟ وقرأ زيد بن ثابت، والحسن، والأعمش، وابن محيصن : بإدغام النون في النون، وأجاز بعضهم حذف النون.
أما قراءة الجمهور فظاهرة، وأما قراءة زيد ومن ذكر معه، فوجهها أنه لما التقى مثلان، وكان قبل الأول حرف مدّ ولين، جاز الإدغام كقولك : هذه دار راشد، لأن المد يقوم مقام الحركة في نحو : جعل لك.
وأما جواز حذف النون الأولى، فوجهه من أجاز ذلك على قراءة من قرأ : فبم تبشرون، بكسر النون، وأنشدوا :
يريد : فلينني.
والخطاب بقوله : قل للرسول، أو للسامع، والهمزة للاستفهام مصحوباً بالإنكار عليهم، والواو ضمير اليهود والنصارى.
وقيل : مشركو العرب، إذ قالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم.
وقيل : ضمير اليهود والنصارى والمشركين.
والمحاجة هنا : المجادلة.
والمعنى : أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا، وترونكم أحق بالنبوّة منا ؟ ﴿وهو ربنا وربكم﴾ : جملة حالية، يعني أنه مالكهم كلهم، فهم مشتركون في العبودية، فله أن يخص من شاء بما شاء من الكرامة.
والمعنى : أنه مع اعترافنا كلنا أنا مربوبون لرب واحد، فلا يناسب الجدال فيما شاء من أفعاله، وما خص به بعض مربوباته من الشرف والزلفى، لأنه متصرف في كلهم تصرف المالك.
وقيل المعنى : أتجادلوننا في دين الله، وتقولون إن دينكم أفضل الأديان، وكتابكم أفضل الكتب ؟ والظاهر إنكار المجادلة في الله، حيث زعمت النصارى أن الله هو المسيح، وحيث زعم بعضهم أن الله ثالث ثلاثة، وحيث زعمت اليهود أن الله له ولد، وزعموا أنه شيخ أبيض الرأس واللحية، إلى ما يدعونه فيه من سمات الحدوث والنقص، تعالى الله عن ذلك، فأنكر عليهم كيف يدعون ذلك، والرب واحد لهم، فوجب أن يكون الاعتقاد فيه واحداً، وهو أن تثبت صفاته العلا، وينزه عن الحدوث والنقص.
﴿ولنا أعمالكم ولكم أعمالكم﴾، المعنى : ولنا جزاء أعمالنا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
والمعنى : أن الرب واحد، وهو المجازي على الأعمال، فلا تنبغي المجادلة فيه ولا المنازعة.
﴿ونحن له مخلصون﴾ : ولما بين القدر المشترك من الربوبية والجزاء، ذكر ما يميز به المؤمنون من الإخلاص لله تعالى في العمل والاعتقاد، وعدم الإشراك الذي هو موجود في النصارى وفي اليهود، لأن من عبد موصوفاً بصفات الحدوث والنقص، فقد أشرك مع الله إلهاً آخر.
والمعنى : أنا لم نشب عقائدنا وأفعالنا بشيء من الشرك، كما ادعت اليهود في العجل، والنصارى في عيسى.
وهذه الجملة من باب التعريض بالذم، لأن ذكر المختص بعد ذكر المشترك نفي لذلك المختص عمن شارك في المشترك، ويناسب أن يكون استطراداً، وهو أن يذكر معنى يقتضي أن يكون مدحاً لفاعله وذماً لتاركه، نحو قوله :
وهي منبهة على أن من أخلص لله، كان حقيقاً أن يكون منهم الأنبياء وأهل الكرامة، وقد كثرت أقوال أرباب المعاني في الإخلاص.
فروي أن رسول الله ﷺ قال :« سألت جبريل عن الإخلاص ما هو ؟ فقال : سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو ؟ فقال : سر من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي » وقال سعيد بن جبير : الإخلاص : أن لا يشرك في دينه، ولا يرائي في عمله أحداً.
وقال الفضيل : ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
وقال ابن معاذ : تمييز العمل من الذنوب، كتمييز اللبن من بين الفرث والدم.
وقال البوشنجي : هو معنى لا يكتبه الملكان، ولا يفسده الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان، أي لا يطلع عليه إلا الله.
وقال رويم : هو ارتفاع عملك عن الرؤية.
وقال حذيفة المرعشي : أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن.
وقال أبو يعقوب المكفوف : أن يكتم العبد حسناته، كما يكتم سيئاته.
وقال سهل : هو الإفلاس، ومعناه أن يرجع إلى احتقار العمل.
وقال أبو سليمان الداراني : للمرائي ثلاث علامات : يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه.
وهذا القول الذي أمر به ﷺ أن يقوله على وجه الشفقة والنصيحة في الدين، لينبهوا على أن تلك المجادلة منكم ليست واقعة موقع الصحة، ولا هي مما ينبغي أن تكون.
وليس مقصودنا بهذا التنبيه دفع ضرر منكم، وإنما مقصودنا نصحكم وإرشادكم إلى تخليص اعتقادكم من الشرك، وأن تخلصوا كما أخلصنا، فنكون سواء في ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدعاء إلى الله تعالى، حتى جعلوا ذلك وصية يوصون بها واحداً بعد واحد.
فأخبر تعالى عن إبراهيم أنه أوصى بملته الحنيفية بنيه، وأن يعقوب أوصى بذلك، وقدّم بين يدي وصيته اختيار الله لهم هذا الدين، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره الله لهم، ويحضهم على ذلك، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه، لأن الأعمال بخواتيمها.
ثم ذكر سؤال يعقوب لبنيه عما يعبدون بعد موته، فأجابوه بما قرّت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة الله تعالى وحده، والانقياد لأحكامه.
وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنيفية، استفسرهم عما تكن صدورهم، وهل يقبلون الوصية ؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم، ليسكن بذلك جأشه، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى الله تعالى.
وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب، إذ فاجأه مقدّمات الموت، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وبنيهم باطلة، إذ لم يحضروا وقت الوصية، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم، فبطل قولهم، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل.
ثم أخبر تعالى أن تلك الأمة قد مضت لسبيلها، وأنها رهينة بما كسبت، كما أنكم مرهونون بأعمالكم، وأنكم لا تسألون عنهم.
ثم ذكر تعالى ما هم عليه من دعوى الباطل.
والدعاء إليه، وزعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية.
ثم أضرب عن كلامهم، وأخذ في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية المباينة لليهودية والنصرانية والوثنية.
ثم أمرهم بأن يفصحوا بأنهم آمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم ومن ذكر معه، فإن الإيمان بذلك هو الدين الحنيف، وأنهم منقادون لله اعتقاداً وأفعالاً.
ثم أخبر أن اليهود والنصارى، إن وافقواكم على ذلك الإيمان، فقد حصلت الهداية لهم، ورتب الهداية على ذلك الإيمان، فنبه بذلك على فساد ترتيب الهداية على اليهودية والنصرانية في قوله :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾.
ثم أخبر تعالى أنهم إن تولوا فهم الأعداء المشاقون لك، وأنك لا تبالي بشقاقهم، لأن الله تعالى هو كافيك أمرهم، ومن كان الله كافيه فهو الغالب، ففي ذلك إشارة إلى ظهوره عليهم.
ثم ذكر أن صبغة الملة الحنيفية هي صبغة الله، وإذا كانت صبغة الله، فلا صبغة أحسن منها، وأن تأثير هذه الصبغة هو ظهورها عليهم بعبادة الله، تعالى، فقال :﴿ونحن له عابدون﴾.
ثم استفهمهم أيضاً على طريق التوبيخ والتقريع عن مجادلتهم في الله ولا يحسن النزاع فيه، لأن الله هو ربنا كلنا، فالذي يقتضيه العقل أنه لا يجادل فيه.
ثم ذكر أنه رب الجميع، وأشار إلى أنه يجازى الجميع بقوله :﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾.
ثم ذكر ما انفردوا به من الإخلاص له، لأن اليهود والنصارى غير مخلصين له في العبادة.
ثم استفهمهم أيضاً على جهة التوبيخ والتقريع، عن مقالتهم في إبراهيم ومن ذكر معه، من أنهم كانوا يهوداً ونصارى، وأن دأبهم المجادلة بغير حق، فتارة في الله وتارة في أنبياء الله.
ثم بين أنهم لا علم عندهم بل الله هو أعلم به.
ثم بين أن تلك المقالة لم تكن عن دليل ولا شبهة، بل مجرد عناد، وأنهم كاتمون للحق، دافعون له، فقال ما معناه : لا أحد أظلم من كاتم شهادة استودعه الله إياها، والمعنى : لا أحد أظلم منكم في المجادلة في الله، وفي نسبة اليهودية والنصرانية لإبراهيم ومن ذكر معه، إذ عندهم الشهادة من الله بأحوالهم.
ثم هدّدهم بأن الله تعالى لا يغفل عما يعملون.
ثم ختم ذلك بأن تلك أمّة قد خلت منفردة بعملها، كما أنتم كذلك، وأنكم غير مسؤولين عما عملوه، وجاءت هذه الجمل من ابتداء ذكر إبراهيم إلى انتهاء الكلام فيه، على اختلاف معانيه وتعدّد مبانيه، كأنها جملة واحدة، في حسن مساقها ونظم اتساقها، مرتقية في الفصاحة إلى ذروة الإحسان، مفصحة أن بلاغتها خارجة عن طبع الإنسان، مذكرة قوله تعالى :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ جعلنا الله ممن هدى إلى عمل به وفهم، ووفى من تدبره أوفر سهم، ووقى في تفكره من خطأ ووهم.
وقيل : حاجوا المسلمين فقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه وأصحاب الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم، فنحن أولى بالله منكم، فأنزلت.
قرأ الجمهور : أتحاجوننا بنونين، إحداهما نون الرفع، والأخرى الضمير ؟ وقرأ زيد بن ثابت، والحسن، والأعمش، وابن محيصن : بإدغام النون في النون، وأجاز بعضهم حذف النون.
أما قراءة الجمهور فظاهرة، وأما قراءة زيد ومن ذكر معه، فوجهها أنه لما التقى مثلان، وكان قبل الأول حرف مدّ ولين، جاز الإدغام كقولك : هذه دار راشد، لأن المد يقوم مقام الحركة في نحو : جعل لك.
وأما جواز حذف النون الأولى، فوجهه من أجاز ذلك على قراءة من قرأ : فبم تبشرون، بكسر النون، وأنشدوا :
| تراه كالثغام يعل مسكاً | يسوء الفاليات إذا قليني |
والخطاب بقوله : قل للرسول، أو للسامع، والهمزة للاستفهام مصحوباً بالإنكار عليهم، والواو ضمير اليهود والنصارى.
وقيل : مشركو العرب، إذ قالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم.
وقيل : ضمير اليهود والنصارى والمشركين.
والمحاجة هنا : المجادلة.
والمعنى : أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا، وترونكم أحق بالنبوّة منا ؟ ﴿وهو ربنا وربكم﴾ : جملة حالية، يعني أنه مالكهم كلهم، فهم مشتركون في العبودية، فله أن يخص من شاء بما شاء من الكرامة.
والمعنى : أنه مع اعترافنا كلنا أنا مربوبون لرب واحد، فلا يناسب الجدال فيما شاء من أفعاله، وما خص به بعض مربوباته من الشرف والزلفى، لأنه متصرف في كلهم تصرف المالك.
وقيل المعنى : أتجادلوننا في دين الله، وتقولون إن دينكم أفضل الأديان، وكتابكم أفضل الكتب ؟ والظاهر إنكار المجادلة في الله، حيث زعمت النصارى أن الله هو المسيح، وحيث زعم بعضهم أن الله ثالث ثلاثة، وحيث زعمت اليهود أن الله له ولد، وزعموا أنه شيخ أبيض الرأس واللحية، إلى ما يدعونه فيه من سمات الحدوث والنقص، تعالى الله عن ذلك، فأنكر عليهم كيف يدعون ذلك، والرب واحد لهم، فوجب أن يكون الاعتقاد فيه واحداً، وهو أن تثبت صفاته العلا، وينزه عن الحدوث والنقص.
﴿ولنا أعمالكم ولكم أعمالكم﴾، المعنى : ولنا جزاء أعمالنا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
والمعنى : أن الرب واحد، وهو المجازي على الأعمال، فلا تنبغي المجادلة فيه ولا المنازعة.
﴿ونحن له مخلصون﴾ : ولما بين القدر المشترك من الربوبية والجزاء، ذكر ما يميز به المؤمنون من الإخلاص لله تعالى في العمل والاعتقاد، وعدم الإشراك الذي هو موجود في النصارى وفي اليهود، لأن من عبد موصوفاً بصفات الحدوث والنقص، فقد أشرك مع الله إلهاً آخر.
والمعنى : أنا لم نشب عقائدنا وأفعالنا بشيء من الشرك، كما ادعت اليهود في العجل، والنصارى في عيسى.
وهذه الجملة من باب التعريض بالذم، لأن ذكر المختص بعد ذكر المشترك نفي لذلك المختص عمن شارك في المشترك، ويناسب أن يكون استطراداً، وهو أن يذكر معنى يقتضي أن يكون مدحاً لفاعله وذماً لتاركه، نحو قوله :
| وأنا لقوم ما نرى القتل سبة | إذا ما رأته عامر وسلول |
فروي أن رسول الله ﷺ قال :« سألت جبريل عن الإخلاص ما هو ؟ فقال : سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو ؟ فقال : سر من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي » وقال سعيد بن جبير : الإخلاص : أن لا يشرك في دينه، ولا يرائي في عمله أحداً.
وقال الفضيل : ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
وقال ابن معاذ : تمييز العمل من الذنوب، كتمييز اللبن من بين الفرث والدم.
وقال البوشنجي : هو معنى لا يكتبه الملكان، ولا يفسده الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان، أي لا يطلع عليه إلا الله.
وقال رويم : هو ارتفاع عملك عن الرؤية.
وقال حذيفة المرعشي : أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن.
وقال أبو يعقوب المكفوف : أن يكتم العبد حسناته، كما يكتم سيئاته.
وقال سهل : هو الإفلاس، ومعناه أن يرجع إلى احتقار العمل.
وقال أبو سليمان الداراني : للمرائي ثلاث علامات : يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه.
وهذا القول الذي أمر به ﷺ أن يقوله على وجه الشفقة والنصيحة في الدين، لينبهوا على أن تلك المجادلة منكم ليست واقعة موقع الصحة، ولا هي مما ينبغي أن تكون.
وليس مقصودنا بهذا التنبيه دفع ضرر منكم، وإنما مقصودنا نصحكم وإرشادكم إلى تخليص اعتقادكم من الشرك، وأن تخلصوا كما أخلصنا، فنكون سواء في ذلك.
فأخبر تعالى عن إبراهيم أنه أوصى بملته الحنيفية بنيه، وأن يعقوب أوصى بذلك، وقدّم بين يدي وصيته اختيار الله لهم هذا الدين، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره الله لهم، ويحضهم على ذلك، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه، لأن الأعمال بخواتيمها.
ثم ذكر سؤال يعقوب لبنيه عما يعبدون بعد موته، فأجابوه بما قرّت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة الله تعالى وحده، والانقياد لأحكامه.
وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنيفية، استفسرهم عما تكن صدورهم، وهل يقبلون الوصية ؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم، ليسكن بذلك جأشه، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى الله تعالى.
وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب، إذ فاجأه مقدّمات الموت، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وبنيهم باطلة، إذ لم يحضروا وقت الوصية، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم، فبطل قولهم، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل.
ثم أخبر تعالى أن تلك الأمة قد مضت لسبيلها، وأنها رهينة بما كسبت، كما أنكم مرهونون بأعمالكم، وأنكم لا تسألون عنهم.
ثم ذكر تعالى ما هم عليه من دعوى الباطل.
والدعاء إليه، وزعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية.
ثم أضرب عن كلامهم، وأخذ في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية المباينة لليهودية والنصرانية والوثنية.
ثم أمرهم بأن يفصحوا بأنهم آمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم ومن ذكر معه، فإن الإيمان بذلك هو الدين الحنيف، وأنهم منقادون لله اعتقاداً وأفعالاً.
ثم أخبر أن اليهود والنصارى، إن وافقواكم على ذلك الإيمان، فقد حصلت الهداية لهم، ورتب الهداية على ذلك الإيمان، فنبه بذلك على فساد ترتيب الهداية على اليهودية والنصرانية في قوله :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾.
ثم أخبر تعالى أنهم إن تولوا فهم الأعداء المشاقون لك، وأنك لا تبالي بشقاقهم، لأن الله تعالى هو كافيك أمرهم، ومن كان الله كافيه فهو الغالب، ففي ذلك إشارة إلى ظهوره عليهم.
ثم ذكر أن صبغة الملة الحنيفية هي صبغة الله، وإذا كانت صبغة الله، فلا صبغة أحسن منها، وأن تأثير هذه الصبغة هو ظهورها عليهم بعبادة الله، تعالى، فقال :﴿ونحن له عابدون﴾.
ثم استفهمهم أيضاً على طريق التوبيخ والتقريع عن مجادلتهم في الله ولا يحسن النزاع فيه، لأن الله هو ربنا كلنا، فالذي يقتضيه العقل أنه لا يجادل فيه.
ثم ذكر أنه رب الجميع، وأشار إلى أنه يجازى الجميع بقوله :﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾.
ثم ذكر ما انفردوا به من الإخلاص له، لأن اليهود والنصارى غير مخلصين له في العبادة.
ثم استفهمهم أيضاً على جهة التوبيخ والتقريع، عن مقالتهم في إبراهيم ومن ذكر معه، من أنهم كانوا يهوداً ونصارى، وأن دأبهم المجادلة بغير حق، فتارة في الله وتارة في أنبياء الله.
ثم بين أنهم لا علم عندهم بل الله هو أعلم به.
ثم بين أن تلك المقالة لم تكن عن دليل ولا شبهة، بل مجرد عناد، وأنهم كاتمون للحق، دافعون له، فقال ما معناه : لا أحد أظلم من كاتم شهادة استودعه الله إياها، والمعنى : لا أحد أظلم منكم في المجادلة في الله، وفي نسبة اليهودية والنصرانية لإبراهيم ومن ذكر معه، إذ عندهم الشهادة من الله بأحوالهم.
ثم هدّدهم بأن الله تعالى لا يغفل عما يعملون.
ثم ختم ذلك بأن تلك أمّة قد خلت منفردة بعملها، كما أنتم كذلك، وأنكم غير مسؤولين عما عملوه، وجاءت هذه الجمل من ابتداء ذكر إبراهيم إلى انتهاء الكلام فيه، على اختلاف معانيه وتعدّد مبانيه، كأنها جملة واحدة، في حسن مساقها ونظم اتساقها، مرتقية في الفصاحة إلى ذروة الإحسان، مفصحة أن بلاغتها خارجة عن طبع الإنسان، مذكرة قوله تعالى :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ جعلنا الله ممن هدى إلى عمل به وفهم، ووفى من تدبره أوفر سهم، ووقى في تفكره من خطأ ووهم.