اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
فيه قولان :
أحدهما : وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً، لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً كالرجل يعمل عملاً، فيطعن فيه بعض أعدائه، فيقول : أنا أعلم أنهم [ سيطعنون عليَّ فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد ](١)، فإذا ذكروه مَرَّة، فسيذكرونه بعد ذلك مرات، فصحّ على هذا التأويل أن يقال : سيقول السُّفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك [ نزلت الآية ](٢).
[ قال القرطبي :" سيقول " بمعنى : قال ؛ جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة على استدامة ذلك(٣) ] وأنهم يستمرون على ذلك القول.
و " السفهاء " جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، من قولهم : ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج وقد تقدم.
والنساء سفائه. وقال المؤرج : السَّفيه : البهات الكاذب المتعمد خلاف ما يعلم.
وقال قُطْرب : الظلوم الجهول.
القول الثاني : أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد.
أحدها : أنه - عليه الصلاة والسلام - إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
وثانيها : أنه - تعالى - إذا أخبر عن ذلك أولاً، ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقلّ مما إذا سمعه فيهم أولاً.
وثالثها : أن الله - تعالى - إذا أسمعه ذلك أولاً، ثم ذكر جوابه معه، فحين يسمعه النبي - عليه الصلاة والسلام - منهم يكون الجواب حاضراً، كان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً.
تقدم الكلام على السَّفه في قوله :﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء﴾ وبالجملة فإن السفيه من لا يميّز ما له وما عليه، فيعدل عن طريق ما ينفعه إلى ما يضره، يوصف بالخفّة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم معرّة منه في باب الدنيا، [ فإذا كان العادل عن الرأي واضحاً في أمر دنياه يعدّ سفيهاً، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه، فهذا اللفظ(٤) ] يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين، وعلى المنافقين وعلى جملتهم، وذهب إلى كلّ واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين.
قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود(٥)، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القِبْلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، فلما تحول عن ترك القبلة اغْتَمُّوا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فنزلت هذه الآية.
قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم رضي الله عنهم : إنهم مشركو العرب(٦)، [ وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان متوجهاً إلى " بيت المقدس " حين كان ب " بمكة " والمشركون ](٧) كانوا يتأذون منه بسبب ذلك، فلما جاء إلى " المدينة " وتحول إلى الكعبة قالوا : رجع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به.
وقال السدي : هم المنافقون إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل مجرد العبث، والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين، لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى :﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].
وقيل : يدخل فيه الكل ؛ لأن لفظ السفهاء لفظ عموم، ودخل فيه الألف واللام، وقد بَيّنا صلاحيته لكلّ الكفار بحسب الدليل العقلي، والنص أيضاً يدلّ عليه، وهو قوله :
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
[ فإن قيل : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة، وإن كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيداً.
قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم، ولا يقتضي تخصيصه ؛ بل الأقرب أن يكون الكل قد قالوا ذلك ؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً(٨) ].
قوله تعالى :﴿مِنَ النَّاسِ﴾ في محلّ نصب على الحال من " السفهاء " والعامل فيها " سيقول "، وهي حال مبينة، فإن السَّفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الجماد والحيوان، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب لغيرهم مجازاً، فرفع المجاز بقوله :" مِنَ النَّاسِ " ذكره ابن عطية وغيره.
قوله :﴿ما وَلاّهُمْ﴾ " ما " مبتدأ، وهي استفهامية على وجه الاستهزاء والتعجب، والجملة بعدها خبر عنها و ﴿عن قبلتهم﴾ متعلّق ب " ولاّهم "، ولا بد من حذف مضاف في قوله :" عليها " أي : على توجهها، أو اعتقادها، وجملة الاستفهام في محلّ نصب بالقول والاستعلاء في قوله :" عليها " مجاز، نزَّل مواظبتهم على المُحَافظة عليها منزلة من اسْتَعْلَى على الشيء، والله أعلم.
وَلاَّه عنه : صرفه عنه، وولى إليه بخلاف ولّى عنه، ومنه قوله تعالى :﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وفي هذا التولّي قولان :
المشهور عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة عاب الكفار المسلمين، فقالوا :﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ﴾ فالضَّمير في قوله :﴿مَا وَلاَّهُمْ﴾ للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي " بيت المقدس ".
واختلفوا في تاريخ تحويل القِبْلَة بعد ذهابه إلى " المدينة " فقال أنس بن مالك - رضي الله عنه - بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر(٩) وقال معاذ : بعد ثلاثة عشر شهراً(١٠)، وقال قتادة : بعد ستة عشر شهراً(١١).
وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهراً(١٢)، [ وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال.
وعن بعضهم ثمانية عشر شهراً(١٣) ] من مقدمه.
وقال الواقدي : صرفت القِبْلَة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً.
وقال آخرون : بل سنتان.
القول الثاني : قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبرُ بأن الله - تعالى - حوّلها إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله :﴿كَانُوا عَلَيْهَا﴾، أي : السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قِبْلَة اليهود والنصارى، فقبلة اليهود إلى العرب ؛ لأن النداء لموسى عليه الصلاة والسلام جاء فيه وهو قوله تعالى :﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، ولأنه مكان غروب الشمس والكواكب، وذلك شبه الخروج من الدنيا والعبور إلى الآخرة، وهو وقت هُمُود الناس الذي هو الموت الأصغر، واستقبلوا المغرب لشبهه بوقت القدوم على الله تعالى، والنَّصَارى إلى المشرق ؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - إنما ذهب إلى مريم في جانب المَشْرق، لقوله تعالى :﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ [مريم: ١٦] ؛ لأن المشرق مكان إشراق الأنوار، ومنه تشرق الكواكب بأنوارها، فهو مشتبه بحياة العالم فاستقبلوه ؛ لأن منه مبتدأ حياة العالم، والعرب ما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجّهوا إلى شيء من الجهات، فلما رأوا رسول الله ﷺ متوجهاً إلى الكعبة استنكروا ذلك، فقالوا : كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين، فقال تبارك وتعالى رداً عليهم :﴿قُلْ : لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ﴾.
قال ابن الخطيب(١٤) :" ولولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملاً والله أعلم ".
القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت القبلة قبلةً ؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله.
وقال قطرب : يقولون في كلامهم : ليس لفلان قبلة أي : ليس له جهة يأوي إليها، وهو أيضاً مأخوذ من الاستقبال.
وقال غيره : إذ تقابل الرجلان، فكلّ واحد منهما قبلة للآخر. [ قال القرطبي : وجمع القبلة في التكسير قبل، وفي التسليم قبلات، ويجوز أن يبدل من الكسرة فتحة، وتقول : قبلات، ويجوز أن تحذف الكسرة، وتسكن الباء ](١٥).
قال ابن الخطيب : هذه شبهة من شبه اليهود والنصارى التي طعنوا بها في الإسلام، فقالوا : النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خالياً عن القَيْدِ، وإما أن يكون مقيداً بلا دوام(١٦) [ وإما أن يكون مقيداً بقيد الدوام، فإن كان خالياً عن القيد لم يقتضِ الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخاً وإن كان مقيداً بقيد اللادوام، فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخاً له، وإن كان مقيداً بقيد الدوام، فإن كان الأمر يعتقد فيه أن يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على ](١٧) أنه يبقى دائماً، ثم إنه رفعه بعد ذلك، فها هنا كان جاهلاً، ثم بدا له ذلك، [ وإن كان عالماً بأنه لا يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على أن يبقى دائماً كان ذلك تجهيلاً ](١٨) فثبت أن النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل، وهما مُحَالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالاً، [ فالآتي بالنَّسْخ في أحكام الله - تعالى - يجب أن يكون مبطلاً ](١٩)، فبهذا الطريق توصّلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح، وهنا الجهات متساوية في أنها لله - تعالى - ومخلوقة له وتغيير القبلة من [ جانب إلى ] جانب فعل خالٍ عن المصلحة فيكون عبثاً، والعَبَثُ لا يليق بالحكيم، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، وقد أجاب الله - تعالى - على هذه الشبهة بقوله تعالى :﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِق وَالمَغْرِبُ﴾.
وتقديره : أن الجهات كلها لله - عز وجل - مُلْكاً ومِلْكاً، فلا يستحق منها شيء لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة ؛ لأن الله عز وجل جعلها قبلة، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه بالتَّحويل من جهة إلى جهة ؛ لأنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله على قول أهل السُّنة.
وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان :
الأول : لا يمتنع اختلاف المصالح لحسب اختلاف الجهات، وبيانه من وجوه :
أحدها : أنه إذا رسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهة أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعظّمه، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيماً وخشوعاً، وذلك مصلحة مطلوبة.
وثانيها : أن الكعبة منشأ محمد ﷺ، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك أمر مطلوب [ لأنه متى رسخ في قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه أسهل وأسرع، والمفضي إلى المطلوب مطلوب(٢٠) ].
وثالثها : أن الله - تعالى - بين ذلك في قوله :﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾
[البقرة: ١٤٣] فأمرهم الله - تعالى - حين كانوا ب " مكة " أن يتجهوا إلى " بيت المقدس " ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى " المدينة " وبها اليهود أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن
أحدهما : وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً، لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً كالرجل يعمل عملاً، فيطعن فيه بعض أعدائه، فيقول : أنا أعلم أنهم [ سيطعنون عليَّ فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد ](١)، فإذا ذكروه مَرَّة، فسيذكرونه بعد ذلك مرات، فصحّ على هذا التأويل أن يقال : سيقول السُّفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك [ نزلت الآية ](٢).
[ قال القرطبي :" سيقول " بمعنى : قال ؛ جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة على استدامة ذلك(٣) ] وأنهم يستمرون على ذلك القول.
و " السفهاء " جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، من قولهم : ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج وقد تقدم.
والنساء سفائه. وقال المؤرج : السَّفيه : البهات الكاذب المتعمد خلاف ما يعلم.
وقال قُطْرب : الظلوم الجهول.
القول الثاني : أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد.
أحدها : أنه - عليه الصلاة والسلام - إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
وثانيها : أنه - تعالى - إذا أخبر عن ذلك أولاً، ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقلّ مما إذا سمعه فيهم أولاً.
وثالثها : أن الله - تعالى - إذا أسمعه ذلك أولاً، ثم ذكر جوابه معه، فحين يسمعه النبي - عليه الصلاة والسلام - منهم يكون الجواب حاضراً، كان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً.
فصل في الكلام على السفيه
تقدم الكلام على السَّفه في قوله :﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء﴾ وبالجملة فإن السفيه من لا يميّز ما له وما عليه، فيعدل عن طريق ما ينفعه إلى ما يضره، يوصف بالخفّة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم معرّة منه في باب الدنيا، [ فإذا كان العادل عن الرأي واضحاً في أمر دنياه يعدّ سفيهاً، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه، فهذا اللفظ(٤) ] يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين، وعلى المنافقين وعلى جملتهم، وذهب إلى كلّ واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين.
قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود(٥)، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القِبْلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، فلما تحول عن ترك القبلة اغْتَمُّوا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فنزلت هذه الآية.
قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم رضي الله عنهم : إنهم مشركو العرب(٦)، [ وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان متوجهاً إلى " بيت المقدس " حين كان ب " بمكة " والمشركون ](٧) كانوا يتأذون منه بسبب ذلك، فلما جاء إلى " المدينة " وتحول إلى الكعبة قالوا : رجع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به.
وقال السدي : هم المنافقون إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل مجرد العبث، والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين، لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى :﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].
وقيل : يدخل فيه الكل ؛ لأن لفظ السفهاء لفظ عموم، ودخل فيه الألف واللام، وقد بَيّنا صلاحيته لكلّ الكفار بحسب الدليل العقلي، والنص أيضاً يدلّ عليه، وهو قوله :
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
[ فإن قيل : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة، وإن كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيداً.
قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم، ولا يقتضي تخصيصه ؛ بل الأقرب أن يكون الكل قد قالوا ذلك ؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً(٨) ].
قوله تعالى :﴿مِنَ النَّاسِ﴾ في محلّ نصب على الحال من " السفهاء " والعامل فيها " سيقول "، وهي حال مبينة، فإن السَّفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الجماد والحيوان، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب لغيرهم مجازاً، فرفع المجاز بقوله :" مِنَ النَّاسِ " ذكره ابن عطية وغيره.
قوله :﴿ما وَلاّهُمْ﴾ " ما " مبتدأ، وهي استفهامية على وجه الاستهزاء والتعجب، والجملة بعدها خبر عنها و ﴿عن قبلتهم﴾ متعلّق ب " ولاّهم "، ولا بد من حذف مضاف في قوله :" عليها " أي : على توجهها، أو اعتقادها، وجملة الاستفهام في محلّ نصب بالقول والاستعلاء في قوله :" عليها " مجاز، نزَّل مواظبتهم على المُحَافظة عليها منزلة من اسْتَعْلَى على الشيء، والله أعلم.
فصل في الكلام على التولّي
وَلاَّه عنه : صرفه عنه، وولى إليه بخلاف ولّى عنه، ومنه قوله تعالى :﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وفي هذا التولّي قولان :
المشهور عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة عاب الكفار المسلمين، فقالوا :﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ﴾ فالضَّمير في قوله :﴿مَا وَلاَّهُمْ﴾ للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي " بيت المقدس ".
واختلفوا في تاريخ تحويل القِبْلَة بعد ذهابه إلى " المدينة " فقال أنس بن مالك - رضي الله عنه - بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر(٩) وقال معاذ : بعد ثلاثة عشر شهراً(١٠)، وقال قتادة : بعد ستة عشر شهراً(١١).
وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهراً(١٢)، [ وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال.
وعن بعضهم ثمانية عشر شهراً(١٣) ] من مقدمه.
وقال الواقدي : صرفت القِبْلَة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً.
وقال آخرون : بل سنتان.
القول الثاني : قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبرُ بأن الله - تعالى - حوّلها إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله :﴿كَانُوا عَلَيْهَا﴾، أي : السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قِبْلَة اليهود والنصارى، فقبلة اليهود إلى العرب ؛ لأن النداء لموسى عليه الصلاة والسلام جاء فيه وهو قوله تعالى :﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، ولأنه مكان غروب الشمس والكواكب، وذلك شبه الخروج من الدنيا والعبور إلى الآخرة، وهو وقت هُمُود الناس الذي هو الموت الأصغر، واستقبلوا المغرب لشبهه بوقت القدوم على الله تعالى، والنَّصَارى إلى المشرق ؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - إنما ذهب إلى مريم في جانب المَشْرق، لقوله تعالى :﴿إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ [مريم: ١٦] ؛ لأن المشرق مكان إشراق الأنوار، ومنه تشرق الكواكب بأنوارها، فهو مشتبه بحياة العالم فاستقبلوه ؛ لأن منه مبتدأ حياة العالم، والعرب ما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجّهوا إلى شيء من الجهات، فلما رأوا رسول الله ﷺ متوجهاً إلى الكعبة استنكروا ذلك، فقالوا : كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين، فقال تبارك وتعالى رداً عليهم :﴿قُلْ : لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ﴾.
قال ابن الخطيب(١٤) :" ولولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملاً والله أعلم ".
فصل في تحرير معنى القبلة
القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت القبلة قبلةً ؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله.
وقال قطرب : يقولون في كلامهم : ليس لفلان قبلة أي : ليس له جهة يأوي إليها، وهو أيضاً مأخوذ من الاستقبال.
وقال غيره : إذ تقابل الرجلان، فكلّ واحد منهما قبلة للآخر. [ قال القرطبي : وجمع القبلة في التكسير قبل، وفي التسليم قبلات، ويجوز أن يبدل من الكسرة فتحة، وتقول : قبلات، ويجوز أن تحذف الكسرة، وتسكن الباء ](١٥).
فصل في بعض شبه اليهود والنصارى
قال ابن الخطيب : هذه شبهة من شبه اليهود والنصارى التي طعنوا بها في الإسلام، فقالوا : النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خالياً عن القَيْدِ، وإما أن يكون مقيداً بلا دوام(١٦) [ وإما أن يكون مقيداً بقيد الدوام، فإن كان خالياً عن القيد لم يقتضِ الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخاً وإن كان مقيداً بقيد اللادوام، فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخاً له، وإن كان مقيداً بقيد الدوام، فإن كان الأمر يعتقد فيه أن يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على ](١٧) أنه يبقى دائماً، ثم إنه رفعه بعد ذلك، فها هنا كان جاهلاً، ثم بدا له ذلك، [ وإن كان عالماً بأنه لا يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على أن يبقى دائماً كان ذلك تجهيلاً ](١٨) فثبت أن النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل، وهما مُحَالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالاً، [ فالآتي بالنَّسْخ في أحكام الله - تعالى - يجب أن يكون مبطلاً ](١٩)، فبهذا الطريق توصّلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح، وهنا الجهات متساوية في أنها لله - تعالى - ومخلوقة له وتغيير القبلة من [ جانب إلى ] جانب فعل خالٍ عن المصلحة فيكون عبثاً، والعَبَثُ لا يليق بالحكيم، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، وقد أجاب الله - تعالى - على هذه الشبهة بقوله تعالى :﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِق وَالمَغْرِبُ﴾.
وتقديره : أن الجهات كلها لله - عز وجل - مُلْكاً ومِلْكاً، فلا يستحق منها شيء لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة ؛ لأن الله عز وجل جعلها قبلة، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه بالتَّحويل من جهة إلى جهة ؛ لأنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله على قول أهل السُّنة.
وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان :
الأول : لا يمتنع اختلاف المصالح لحسب اختلاف الجهات، وبيانه من وجوه :
أحدها : أنه إذا رسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهة أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعظّمه، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيماً وخشوعاً، وذلك مصلحة مطلوبة.
وثانيها : أن الكعبة منشأ محمد ﷺ، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك أمر مطلوب [ لأنه متى رسخ في قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه أسهل وأسرع، والمفضي إلى المطلوب مطلوب(٢٠) ].
وثالثها : أن الله - تعالى - بين ذلك في قوله :﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾
[البقرة: ١٤٣] فأمرهم الله - تعالى - حين كانوا ب " مكة " أن يتجهوا إلى " بيت المقدس " ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى " المدينة " وبها اليهود أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن
١ - سقط في أ.
٢ -سقط في أ..
٣ - سقط في أ..
٤ - في أ: فيكون أولى بهذا الاسم وهذا اللفظ..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/١٣٠) عن مجاهد وابن عباس..
٦ - ما روي عن البراء أنهم اليهود وليسوا مشركي العرب فأخرجه الطبري (٣/١٣٠) عنه أنهم اليهود.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور: (١/ ٢٦٢) عن البراء بن عازب وعزاه لوكيع وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٧ - سقط في أ..
٨ - سقط في ب.
.
٩ - ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٦٣) عن أنس وعزاه للبزار. وأخرجه الطبري (٣/ ١٣٥). والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/١٣) وقال: رواه البزار وفيه عثمان بن سعد ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ووثقه أبو نعيم الحافظ وقال أبو حاتم: شيخ..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٣٦) عن معاذ بن جبل..
١١ - أخره الطبري في تفسيره" (٣/ ١٣٩-١٤٠) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور"..
١٢ - أخرجه البخاري (٨/ ١٣٢) ومسلم (١/١٤٨) والطبري (٣/١٣٣-١٣٤) وأخرجه الطبري (٣/١٣٣) وابن ماجه (١٠١٠) من طريق آخر عن البراء بن عازب أيضا..
١٣ - سقط في أ..
١٤ - ينظر الفخر الرازي: ٤/٨٤..
١٥ - سقط في ب..
١٦ في أ: بقيد..
١٧ - سقط في أ..
١٨ - سقط في أ..
١٩ - - سقط في أ..
٢٠ - سقط من ب..
٢ -سقط في أ..
٣ - سقط في أ..
٤ - في أ: فيكون أولى بهذا الاسم وهذا اللفظ..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/١٣٠) عن مجاهد وابن عباس..
٦ - ما روي عن البراء أنهم اليهود وليسوا مشركي العرب فأخرجه الطبري (٣/١٣٠) عنه أنهم اليهود.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور: (١/ ٢٦٢) عن البراء بن عازب وعزاه لوكيع وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٧ - سقط في أ..
٨ - سقط في ب.
.
٩ - ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٦٣) عن أنس وعزاه للبزار. وأخرجه الطبري (٣/ ١٣٥). والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/١٣) وقال: رواه البزار وفيه عثمان بن سعد ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ووثقه أبو نعيم الحافظ وقال أبو حاتم: شيخ..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٣٦) عن معاذ بن جبل..
١١ - أخره الطبري في تفسيره" (٣/ ١٣٩-١٤٠) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور"..
١٢ - أخرجه البخاري (٨/ ١٣٢) ومسلم (١/١٤٨) والطبري (٣/١٣٣-١٣٤) وأخرجه الطبري (٣/١٣٣) وابن ماجه (١٠١٠) من طريق آخر عن البراء بن عازب أيضا..
١٣ - سقط في أ..
١٤ - ينظر الفخر الرازي: ٤/٨٤..
١٥ - سقط في ب..
١٦ في أ: بقيد..
١٧ - سقط في أ..
١٨ - سقط في أ..
١٩ - - سقط في أ..
٢٠ - سقط من ب..