التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم تحدث القرآن الكريم بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وأورد الشبهات التي أثارها المشركون وأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - حول هذه المسألة، ورد عليها بما يدحضها ويبطلها.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالي :
أولاً : كيف كان المسلمون يتجهون في صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثانياً : ما الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثالثاً : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل ؟
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت بشأن القبلة ؟
خامساً : لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها من الأمور وإليك الإِجابة الفرعية. عن كل سؤال من هذه الأسئلة.
أولاً : فرضت الصلاة على النبي ﷺ في مكة ليلة الإِسراء والمعراج. ويرى بعض العلماء أن النبي ﷺ كان يستقبل في صلاته - وهو بمكة - بيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة، بل كان يجعلها بينه وبين ببيت المقدس، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليماني.
ويرى بعضهم أنه كان يستقبل في صلاته وهو بمكة المسجد الحرام. وهذا الرأي هو الذي نرجحه، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم، ولأنه ﷺ عربي، وظهر بين قومه العرب، ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد الحرام، أشد من اعتزازهم بأي مسجد آخر، إذن فالمصلحة والحكمة تقضيان بأن يستقبل المسلمون في صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة.
ومهما يكن من خلاف بين العلماء في الجهة التي كان النبي ﷺ يستقبلها في صلاته وهو بمكة، فإن الأمر الذي لا خلاف فيه، أنه بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل في صلاته سوى بيت المقدس بأمر من الله تعالى - وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ تعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ جهة مكة فداروا كماهم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.
ومنها ما أخرجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال :( بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ).
وبذلك نرى أن النبي ﷺ كان يتوجه في صلاته وهو بالمدينة إلى بيت المقدس، قبل أن يأمره الله - تعالى - بالتحول إلى المسجد الحرام.
ثانياً : الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحول المسلمين في صلاتهم إلى المسجد الحرام.
قلنا إن رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة استقبل في صلاته بيت المقدس بأمر من الله - تعالى - تأليفاً لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم، ورمز وحدتهم، وقد فرحوا لصلاة الرسول ﷺ والمسلمين إليه، وكان أمل النبي أن يلبوا دعوتهه وأن يسارعوا إلى الدخول في الإسلام، ولكنهم عموا وصموا، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبي ﷺ قد اتبع قبلتهم وعما قريب سيتبع ملتهم، واعتبروا اتجاه المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس نوعاً من اقتباس الهدى منهم، فتأثر الرسول ﷺ من موقفهم الجحودي، وانبثقت في نفسه أمنية التحول إلى الكعبة، وأكثر من التضرع والابتهال إلى الله كي يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم.
وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه ﷺ فولاه القبلة التي يرضاها، ففرح المؤمنون لذلك لأن في توجههم إلى البيت الحرام، تأليفاً لقلوبهم، فهو مثابتهم ومركز تجمعهم، وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم، وجامع وحدتهم وقد استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ.
أما اليهود ومن على شاكلتهم ممن في قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء والجحود، وإثارة الشبهات، لبلبلة الأفكار، وتشكيك المسلمين في عقيدتهم.
ومما قاله المشركون في ذلك : إن محمداً ﷺ قد تحير في دينه، وبوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
ومما قاله المنافقون : ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها ؟
ومما قاله اليهود - الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت الحرام - إن القبلة الأولى - وهي بيت المقدس - إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة، ولو كان محمد ﷺ نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئاً وخالفه غداً.
ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذلة، الطعن في شريعة الإِسلام، وفي نوبة النبي ( عليه الصلاة والسلام ).
ثالثاً : ولكن القرآن الكريم عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم، فأخبر الله - تعالى - نبيه ﷺ بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعاً قبل أن يصدر عنهم، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن النفوس ويثبت الإِيمان في القلوب ويهيئ الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم، فذكر الله في الآيات السابقة على التحويل أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها، لأنه القادر على كل شيء، المالك للسموات والأرض تصرفاً وتدبيراً، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب. ففي أي مكان توجه المصلي فثم وجه الله، ثم نبه - رسوله ﷺ بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم.
إشارة إلى أن المصلحة في التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك لن يكبح جماح نفوس لم تصبغ بهداية الله وتوفيقه.
ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن الله - تعالى - قد جعله مثابة ومرجعاً للحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأفطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم إليه. وجعله - أيضاً - حرماً آمناً لهم. بينما يتخطف الناس من حولهم.
وأخبر - سبحانه - أنه قد عهد في بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وانبه إسماعيل - عليهما السلام - وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وقد كانت الآيات الواردة في شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل، بأن بيتاً له هذه القداسة جدير بأن يكون قبله للناس في صلاتهم، ولكن اليهود ومن في قلوبهم مرض، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة في نفوسهم ينقصها الدليل، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة، وكلاهما يعمى ويصم، فلا غرابة أن نطقوا كفراً، ولاكت ألسنتهم قبحاً وسفهاً.
إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة، لم يجد آذاناً صاغية من المؤمنين، لأن الله - تعالى - قد مهد للتحويل - كما قلنا بما يطمئن النفوس ولقن نبيه ﷺ الجواب على شبهاتهم قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع لحجتهم، كما قالوا في الأمثال :( قبل الرمي يراش السهم ).
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى البيت الحرام، لقن فيها المؤمنين الإِجابة على معارضات اليهود وغيرهم، ونوه فيها بشأن الأمة الإِسلامية، وبشرها بإجابة رجاء نبيها ﷺ إذ ولاه القبلة التي يرضاها، وأراحه من التطلع إلى اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية، لأن إعراضهم عن دعوته ليس عن شبهة يزيلها الدليل، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد، والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل أو برهان.
وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في ثلاث آيات، وعلق بكل أمر فائدة جديدة تناسبه، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكراراً في الخطاب ليرسخ في النفوس، ويستقر في المشاعر والقلوب.
هذا، وبعد تلك المقدمة الموجزة لما اشتملت عليه آيات تحويل القبلة من مقاصد، نحب أن نتعرض لتفسيرها بالتفصيل، فنقول قال الله تعالى :
﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ...﴾
تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبي ﷺ والمؤمنين أن فريقاً من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدولا عما ينفعهم إلى ما يضرهم، سيقولون على سبيل الإِنكار عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، ما صرفهم عن القبلة التي كانوا عليها، وهي بيت المقدس.
قال صاحب الكشاف : " فإن قلت، أي فائدة في الإِخبار بقولهم قبل وقوعه ؟ قلت : فائدته أن مفاجأت المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه ".
والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة، ومن لف لفهم من المنافقين ومشركي العرب.
وإنما سماهم الله - تعالى - سفهاء لأنهم سفهوا الحق، وجحدوه، وأنكروا نبوة النبي ﷺ مع علمهم بصدقه في رسالته.
وقد صرح البخاري - رحمه الله - بأن المراد بالسفهاء اليهود، فقد روى عن البراء بن عازب قال :
كان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله - تعالى - ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.
ثم لقن الله - تعالى - نبيه ﷺ الجواب الذي يخرس به ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم، فقال تعالى :﴿قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
أي قل لهم - يا محمد - إذا اعترضوا على التحويل : إن الأمكنة كلها لله ملكاً وتصرفاً وهي بالنسبة إليه متساوية، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا أمرنا باستقبال جهة في الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على الناس إلا أن يمتثلوا أمره، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ربهم، لا ترجيحاً لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذي يهدي من يشاء هدايته، إلى السبيل الحق، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ذلك، ثم إلى الكعبة، حيث يعلم المصلحة فيما أمر به.
ثم تحدث القرآن الكريم بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وأورد الشبهات التي أثارها المشركون وأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - حول هذه المسألة، ورد عليها بما يدحضها ويبطلها.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالي :
أولاً : كيف كان المسلمون يتجهون في صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثانياً : ما الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثالثاً : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل ؟
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت بشأن القبلة ؟
خامساً : لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها من الأمور وإليك الإِجابة الفرعية. عن كل سؤال من هذه الأسئلة.
أولاً : فرضت الصلاة على النبي ﷺ في مكة ليلة الإِسراء والمعراج. ويرى بعض العلماء أن النبي ﷺ كان يستقبل في صلاته - وهو بمكة - بيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة، بل كان يجعلها بينه وبين ببيت المقدس، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليماني.
ويرى بعضهم أنه كان يستقبل في صلاته وهو بمكة المسجد الحرام. وهذا الرأي هو الذي نرجحه، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم، ولأنه ﷺ عربي، وظهر بين قومه العرب، ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد الحرام، أشد من اعتزازهم بأي مسجد آخر، إذن فالمصلحة والحكمة تقضيان بأن يستقبل المسلمون في صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة.
ومهما يكن من خلاف بين العلماء في الجهة التي كان النبي ﷺ يستقبلها في صلاته وهو بمكة، فإن الأمر الذي لا خلاف فيه، أنه بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل في صلاته سوى بيت المقدس بأمر من الله تعالى - وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ تعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ جهة مكة فداروا كماهم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.
ومنها ما أخرجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال :( بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ).
وبذلك نرى أن النبي ﷺ كان يتوجه في صلاته وهو بالمدينة إلى بيت المقدس، قبل أن يأمره الله - تعالى - بالتحول إلى المسجد الحرام.
ثانياً : الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحول المسلمين في صلاتهم إلى المسجد الحرام.
قلنا إن رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة استقبل في صلاته بيت المقدس بأمر من الله - تعالى - تأليفاً لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم، ورمز وحدتهم، وقد فرحوا لصلاة الرسول ﷺ والمسلمين إليه، وكان أمل النبي أن يلبوا دعوتهه وأن يسارعوا إلى الدخول في الإسلام، ولكنهم عموا وصموا، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبي ﷺ قد اتبع قبلتهم وعما قريب سيتبع ملتهم، واعتبروا اتجاه المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس نوعاً من اقتباس الهدى منهم، فتأثر الرسول ﷺ من موقفهم الجحودي، وانبثقت في نفسه أمنية التحول إلى الكعبة، وأكثر من التضرع والابتهال إلى الله كي يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم.
وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه ﷺ فولاه القبلة التي يرضاها، ففرح المؤمنون لذلك لأن في توجههم إلى البيت الحرام، تأليفاً لقلوبهم، فهو مثابتهم ومركز تجمعهم، وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم، وجامع وحدتهم وقد استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ.
أما اليهود ومن على شاكلتهم ممن في قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء والجحود، وإثارة الشبهات، لبلبلة الأفكار، وتشكيك المسلمين في عقيدتهم.
ومما قاله المشركون في ذلك : إن محمداً ﷺ قد تحير في دينه، وبوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
ومما قاله المنافقون : ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها ؟
ومما قاله اليهود - الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت الحرام - إن القبلة الأولى - وهي بيت المقدس - إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة، ولو كان محمد ﷺ نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئاً وخالفه غداً.
ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذلة، الطعن في شريعة الإِسلام، وفي نوبة النبي ( عليه الصلاة والسلام ).
ثالثاً : ولكن القرآن الكريم عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم، فأخبر الله - تعالى - نبيه ﷺ بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعاً قبل أن يصدر عنهم، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن النفوس ويثبت الإِيمان في القلوب ويهيئ الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم، فذكر الله في الآيات السابقة على التحويل أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها، لأنه القادر على كل شيء، المالك للسموات والأرض تصرفاً وتدبيراً، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب. ففي أي مكان توجه المصلي فثم وجه الله، ثم نبه - رسوله ﷺ بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم.
إشارة إلى أن المصلحة في التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك لن يكبح جماح نفوس لم تصبغ بهداية الله وتوفيقه.
ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن الله - تعالى - قد جعله مثابة ومرجعاً للحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأفطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم إليه. وجعله - أيضاً - حرماً آمناً لهم. بينما يتخطف الناس من حولهم.
وأخبر - سبحانه - أنه قد عهد في بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وانبه إسماعيل - عليهما السلام - وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وقد كانت الآيات الواردة في شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل، بأن بيتاً له هذه القداسة جدير بأن يكون قبله للناس في صلاتهم، ولكن اليهود ومن في قلوبهم مرض، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة في نفوسهم ينقصها الدليل، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة، وكلاهما يعمى ويصم، فلا غرابة أن نطقوا كفراً، ولاكت ألسنتهم قبحاً وسفهاً.
إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة، لم يجد آذاناً صاغية من المؤمنين، لأن الله - تعالى - قد مهد للتحويل - كما قلنا بما يطمئن النفوس ولقن نبيه ﷺ الجواب على شبهاتهم قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع لحجتهم، كما قالوا في الأمثال :( قبل الرمي يراش السهم ).
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى البيت الحرام، لقن فيها المؤمنين الإِجابة على معارضات اليهود وغيرهم، ونوه فيها بشأن الأمة الإِسلامية، وبشرها بإجابة رجاء نبيها ﷺ إذ ولاه القبلة التي يرضاها، وأراحه من التطلع إلى اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية، لأن إعراضهم عن دعوته ليس عن شبهة يزيلها الدليل، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد، والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل أو برهان.
وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في ثلاث آيات، وعلق بكل أمر فائدة جديدة تناسبه، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكراراً في الخطاب ليرسخ في النفوس، ويستقر في المشاعر والقلوب.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالي :
أولاً : كيف كان المسلمون يتجهون في صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثانياً : ما الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثالثاً : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل ؟
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت بشأن القبلة ؟
خامساً : لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها من الأمور وإليك الإِجابة الفرعية. عن كل سؤال من هذه الأسئلة.
أولاً : فرضت الصلاة على النبي ﷺ في مكة ليلة الإِسراء والمعراج. ويرى بعض العلماء أن النبي ﷺ كان يستقبل في صلاته - وهو بمكة - بيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة، بل كان يجعلها بينه وبين ببيت المقدس، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليماني.
ويرى بعضهم أنه كان يستقبل في صلاته وهو بمكة المسجد الحرام. وهذا الرأي هو الذي نرجحه، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم، ولأنه ﷺ عربي، وظهر بين قومه العرب، ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد الحرام، أشد من اعتزازهم بأي مسجد آخر، إذن فالمصلحة والحكمة تقضيان بأن يستقبل المسلمون في صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة.
ومهما يكن من خلاف بين العلماء في الجهة التي كان النبي ﷺ يستقبلها في صلاته وهو بمكة، فإن الأمر الذي لا خلاف فيه، أنه بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل في صلاته سوى بيت المقدس بأمر من الله تعالى - وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ تعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ جهة مكة فداروا كماهم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.
ومنها ما أخرجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال :( بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ).
وبذلك نرى أن النبي ﷺ كان يتوجه في صلاته وهو بالمدينة إلى بيت المقدس، قبل أن يأمره الله - تعالى - بالتحول إلى المسجد الحرام.
ثانياً : الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحول المسلمين في صلاتهم إلى المسجد الحرام.
قلنا إن رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة استقبل في صلاته بيت المقدس بأمر من الله - تعالى - تأليفاً لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم، ورمز وحدتهم، وقد فرحوا لصلاة الرسول ﷺ والمسلمين إليه، وكان أمل النبي أن يلبوا دعوتهه وأن يسارعوا إلى الدخول في الإسلام، ولكنهم عموا وصموا، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبي ﷺ قد اتبع قبلتهم وعما قريب سيتبع ملتهم، واعتبروا اتجاه المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس نوعاً من اقتباس الهدى منهم، فتأثر الرسول ﷺ من موقفهم الجحودي، وانبثقت في نفسه أمنية التحول إلى الكعبة، وأكثر من التضرع والابتهال إلى الله كي يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم.
وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه ﷺ فولاه القبلة التي يرضاها، ففرح المؤمنون لذلك لأن في توجههم إلى البيت الحرام، تأليفاً لقلوبهم، فهو مثابتهم ومركز تجمعهم، وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم، وجامع وحدتهم وقد استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ.
أما اليهود ومن على شاكلتهم ممن في قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء والجحود، وإثارة الشبهات، لبلبلة الأفكار، وتشكيك المسلمين في عقيدتهم.
ومما قاله المشركون في ذلك : إن محمداً ﷺ قد تحير في دينه، وبوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
ومما قاله المنافقون : ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها ؟
ومما قاله اليهود - الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت الحرام - إن القبلة الأولى - وهي بيت المقدس - إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة، ولو كان محمد ﷺ نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئاً وخالفه غداً.
ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذلة، الطعن في شريعة الإِسلام، وفي نوبة النبي ( عليه الصلاة والسلام ).
ثالثاً : ولكن القرآن الكريم عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم، فأخبر الله - تعالى - نبيه ﷺ بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعاً قبل أن يصدر عنهم، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن النفوس ويثبت الإِيمان في القلوب ويهيئ الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم، فذكر الله في الآيات السابقة على التحويل أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها، لأنه القادر على كل شيء، المالك للسموات والأرض تصرفاً وتدبيراً، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب. ففي أي مكان توجه المصلي فثم وجه الله، ثم نبه - رسوله ﷺ بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم.
إشارة إلى أن المصلحة في التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك لن يكبح جماح نفوس لم تصبغ بهداية الله وتوفيقه.
ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن الله - تعالى - قد جعله مثابة ومرجعاً للحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأفطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم إليه. وجعله - أيضاً - حرماً آمناً لهم. بينما يتخطف الناس من حولهم.
وأخبر - سبحانه - أنه قد عهد في بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وانبه إسماعيل - عليهما السلام - وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وقد كانت الآيات الواردة في شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل، بأن بيتاً له هذه القداسة جدير بأن يكون قبله للناس في صلاتهم، ولكن اليهود ومن في قلوبهم مرض، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة في نفوسهم ينقصها الدليل، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة، وكلاهما يعمى ويصم، فلا غرابة أن نطقوا كفراً، ولاكت ألسنتهم قبحاً وسفهاً.
إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة، لم يجد آذاناً صاغية من المؤمنين، لأن الله - تعالى - قد مهد للتحويل - كما قلنا بما يطمئن النفوس ولقن نبيه ﷺ الجواب على شبهاتهم قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع لحجتهم، كما قالوا في الأمثال :( قبل الرمي يراش السهم ).
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى البيت الحرام، لقن فيها المؤمنين الإِجابة على معارضات اليهود وغيرهم، ونوه فيها بشأن الأمة الإِسلامية، وبشرها بإجابة رجاء نبيها ﷺ إذ ولاه القبلة التي يرضاها، وأراحه من التطلع إلى اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية، لأن إعراضهم عن دعوته ليس عن شبهة يزيلها الدليل، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد، والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل أو برهان.
وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في ثلاث آيات، وعلق بكل أمر فائدة جديدة تناسبه، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكراراً في الخطاب ليرسخ في النفوس، ويستقر في المشاعر والقلوب.
هذا، وبعد تلك المقدمة الموجزة لما اشتملت عليه آيات تحويل القبلة من مقاصد، نحب أن نتعرض لتفسيرها بالتفصيل، فنقول قال الله تعالى :
﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ...﴾
تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبي ﷺ والمؤمنين أن فريقاً من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدولا عما ينفعهم إلى ما يضرهم، سيقولون على سبيل الإِنكار عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، ما صرفهم عن القبلة التي كانوا عليها، وهي بيت المقدس.
قال صاحب الكشاف : " فإن قلت، أي فائدة في الإِخبار بقولهم قبل وقوعه ؟ قلت : فائدته أن مفاجأت المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه ".
والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة، ومن لف لفهم من المنافقين ومشركي العرب.
وإنما سماهم الله - تعالى - سفهاء لأنهم سفهوا الحق، وجحدوه، وأنكروا نبوة النبي ﷺ مع علمهم بصدقه في رسالته.
وقد صرح البخاري - رحمه الله - بأن المراد بالسفهاء اليهود، فقد روى عن البراء بن عازب قال :
كان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله - تعالى - ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.
ثم لقن الله - تعالى - نبيه ﷺ الجواب الذي يخرس به ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم، فقال تعالى :﴿قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
أي قل لهم - يا محمد - إذا اعترضوا على التحويل : إن الأمكنة كلها لله ملكاً وتصرفاً وهي بالنسبة إليه متساوية، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا أمرنا باستقبال جهة في الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على الناس إلا أن يمتثلوا أمره، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ربهم، لا ترجيحاً لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذي يهدي من يشاء هدايته، إلى السبيل الحق، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ذلك، ثم إلى الكعبة، حيث يعلم المصلحة فيما أمر به.
ثم تحدث القرآن الكريم بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وأورد الشبهات التي أثارها المشركون وأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - حول هذه المسألة، ورد عليها بما يدحضها ويبطلها.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالي :
أولاً : كيف كان المسلمون يتجهون في صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثانياً : ما الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ؟
ثالثاً : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل ؟
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت بشأن القبلة ؟
خامساً : لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها من الأمور وإليك الإِجابة الفرعية. عن كل سؤال من هذه الأسئلة.
أولاً : فرضت الصلاة على النبي ﷺ في مكة ليلة الإِسراء والمعراج. ويرى بعض العلماء أن النبي ﷺ كان يستقبل في صلاته - وهو بمكة - بيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة، بل كان يجعلها بينه وبين ببيت المقدس، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليماني.
ويرى بعضهم أنه كان يستقبل في صلاته وهو بمكة المسجد الحرام. وهذا الرأي هو الذي نرجحه، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم، ولأنه ﷺ عربي، وظهر بين قومه العرب، ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد الحرام، أشد من اعتزازهم بأي مسجد آخر، إذن فالمصلحة والحكمة تقضيان بأن يستقبل المسلمون في صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة.
ومهما يكن من خلاف بين العلماء في الجهة التي كان النبي ﷺ يستقبلها في صلاته وهو بمكة، فإن الأمر الذي لا خلاف فيه، أنه بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل في صلاته سوى بيت المقدس بأمر من الله تعالى - وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ تعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ جهة مكة فداروا كماهم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.
ومنها ما أخرجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال :( بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ).
وبذلك نرى أن النبي ﷺ كان يتوجه في صلاته وهو بالمدينة إلى بيت المقدس، قبل أن يأمره الله - تعالى - بالتحول إلى المسجد الحرام.
ثانياً : الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحول المسلمين في صلاتهم إلى المسجد الحرام.
قلنا إن رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة استقبل في صلاته بيت المقدس بأمر من الله - تعالى - تأليفاً لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم، ورمز وحدتهم، وقد فرحوا لصلاة الرسول ﷺ والمسلمين إليه، وكان أمل النبي أن يلبوا دعوتهه وأن يسارعوا إلى الدخول في الإسلام، ولكنهم عموا وصموا، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبي ﷺ قد اتبع قبلتهم وعما قريب سيتبع ملتهم، واعتبروا اتجاه المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس نوعاً من اقتباس الهدى منهم، فتأثر الرسول ﷺ من موقفهم الجحودي، وانبثقت في نفسه أمنية التحول إلى الكعبة، وأكثر من التضرع والابتهال إلى الله كي يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم.
وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه ﷺ فولاه القبلة التي يرضاها، ففرح المؤمنون لذلك لأن في توجههم إلى البيت الحرام، تأليفاً لقلوبهم، فهو مثابتهم ومركز تجمعهم، وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم، وجامع وحدتهم وقد استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ.
أما اليهود ومن على شاكلتهم ممن في قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء والجحود، وإثارة الشبهات، لبلبلة الأفكار، وتشكيك المسلمين في عقيدتهم.
ومما قاله المشركون في ذلك : إن محمداً ﷺ قد تحير في دينه، وبوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
ومما قاله المنافقون : ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها ؟
ومما قاله اليهود - الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت الحرام - إن القبلة الأولى - وهي بيت المقدس - إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة، ولو كان محمد ﷺ نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئاً وخالفه غداً.
ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذلة، الطعن في شريعة الإِسلام، وفي نوبة النبي ( عليه الصلاة والسلام ).
ثالثاً : ولكن القرآن الكريم عليهم خطتهم، وأحبط مكرهم، فأخبر الله - تعالى - نبيه ﷺ بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعاً قبل أن يصدر عنهم، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن النفوس ويثبت الإِيمان في القلوب ويهيئ الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم، فذكر الله في الآيات السابقة على التحويل أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها، لأنه القادر على كل شيء، المالك للسموات والأرض تصرفاً وتدبيراً، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب. ففي أي مكان توجه المصلي فثم وجه الله، ثم نبه - رسوله ﷺ بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم.
إشارة إلى أن المصلحة في التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك لن يكبح جماح نفوس لم تصبغ بهداية الله وتوفيقه.
ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن الله - تعالى - قد جعله مثابة ومرجعاً للحجاج والعمار. يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأفطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم إليه. وجعله - أيضاً - حرماً آمناً لهم. بينما يتخطف الناس من حولهم.
وأخبر - سبحانه - أنه قد عهد في بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وانبه إسماعيل - عليهما السلام - وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وقد كانت الآيات الواردة في شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل، بأن بيتاً له هذه القداسة جدير بأن يكون قبله للناس في صلاتهم، ولكن اليهود ومن في قلوبهم مرض، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة في نفوسهم ينقصها الدليل، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة، وكلاهما يعمى ويصم، فلا غرابة أن نطقوا كفراً، ولاكت ألسنتهم قبحاً وسفهاً.
إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة، لم يجد آذاناً صاغية من المؤمنين، لأن الله - تعالى - قد مهد للتحويل - كما قلنا بما يطمئن النفوس ولقن نبيه ﷺ الجواب على شبهاتهم قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع لحجتهم، كما قالوا في الأمثال :( قبل الرمي يراش السهم ).
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى البيت الحرام، لقن فيها المؤمنين الإِجابة على معارضات اليهود وغيرهم، ونوه فيها بشأن الأمة الإِسلامية، وبشرها بإجابة رجاء نبيها ﷺ إذ ولاه القبلة التي يرضاها، وأراحه من التطلع إلى اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين. ولو جاءهم بكل آية، لأن إعراضهم عن دعوته ليس عن شبهة يزيلها الدليل، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد، والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل أو برهان.
وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في ثلاث آيات، وعلق بكل أمر فائدة جديدة تناسبه، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكراراً في الخطاب ليرسخ في النفوس، ويستقر في المشاعر والقلوب.