روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
وفي توصيف الصابرين بقوله تعالى :
﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾
إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها، كما في الخبر «إنما الصبر عند أول صدمة » والمصيبة تعم ما يصيب الإنسان من مكروه في نفس أو مال أو أهل قليلاً كان المكروه أو كثيراً حتى لدغ الشوكة، ولسع البعوضة، وانقطاع الشسع، وانطفاء المصباح، وقد استرجع النبي ﷺ من ذلك وقال :«كل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر » وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل الصبر باللسان وبالقلب بأن يخطر بباله ما خلق لأجله من معرفة الله تعالى وتكميل نفسه، وأنه راجع إلى ربه وعائد إليه بالبقاء السرمدي، ومرتحل عن هذه الدنيا الفانية وتارك لها على علاتها، ويتذكر نعم الله تعالى عليه ليرى ما أعطاه أضعاف ما أخذ منه فيهون على نفسه ويستسلم له، والصبر من خواص الإنسان لأنه يتعارض فيه العقل والشهوة، والاسترجاع من خواص هذه الأمة، فقد أخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : قال النبي ﷺ :«أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم، أن تقول عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون » وفي رواية : أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم تعطه الأنبياء قبلهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ولو أعطيها الأنبياء قبلهم لأعطيها يعقوب إذ يقول :﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٤٨] ويسن أن يقول بعد الاسترجاع : اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، فقد أخرج مسلم عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني الخ، إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها » قالت فلما توفي أبو مسلم قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله تعالى لي خيراً منه رسول الله ﷺ، ومفعول ﴿بُشّرَ﴾ محذوف أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل
بدليل قوله تعالى :
( ومن باب الإشارة ) :﴿الذين إِذَا أصبتهم مصيبة﴾ من تصرفاتي فيهم شاهدوا آثار قدرتي بل أنوار تجليات صفتي واستسلموا وأيقنوا أنهم ملكي أتصرف فيه بتجلياتي وتفانوا فيّ وشاهدوا هلكهم بي ف﴿قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء المنهلة عليه صفاتي الساطعة عليه أنواري

تفسير هذه الآية من كتب أخرى