البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة﴾ : يجوز في الذين أن يكون منصوباً على النعت للصابرين، وهو ظاهر الإعراب، أو منصوباً على المدح، فيكون مقطوعاً، أو مرفوعاً على إضمارهم على وجهين : إما على القطع، وإما على الاستئناف، كأنه جواب لسؤال مقدر، أي : من الصابرون ؟ قيل : هم الذين الذين إذا.
وجوزوا أن يكون الذين مبتدأ، وأولئك عليهم خبره، وهو محتمل.
مصيبة : اسم فاعل من أصابت، وصار لها اختصاص بالشيء المكروه، وصارت كناية عن الداهية، فجرت مجرى الأسماء ووليت العوامل.
وأصابتهم مصيبة : من التجنيس المغاير، وهو أن يكون إحدى الكلمتين إسماً والأخرى فعلاً، ومنه :﴿أزفت الآزفة﴾ ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ والمصيبة : كل ما أذى المؤمن في نفس أو مال أو أهل، صغرت أو كبرت، حتى انطفاء المصباح لمن يحتاجه يسمى : مصيبة.
وروي ذلك عن النبي ﷺ، أنه استرجع عند انطفاء مصباحه.
والمعنى في إذا هنا : على التكرار والعموم.
وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في إذا، أتدل على التكرار، أم وضعت للمرّة الواحدة ؟ قولان للنحويين.
﴿قالوا إنا لله﴾ : قالوا : جواب إذا، والشرط وجوابه صلة للذين.
وإنا : أصله إننا، لأنها إن دخلت على الضمير المنصوب المتصل، فحذفت نون من إن.
وينبغي أن تكون المحذوفة هي الثانية، لأنها ظرف، ولأنها عهد فيها الحذف إذا خففت، فقالوا : إن زيد لقائم، وهو حذف هنا لاجتماع الأمثال، فلذلك عملت، إذ لو كان من الحذف لا لهذه العلة، لانفصل الضمير وارتفع ولم تعمل، لأنها إذا خففت هذا التخفيف لم تعمل في الضمير.
ولله : معناه الإقرار بالملك والعبودية لله، فهو المتصرّف فينا بما يريد من الأمور.
﴿وإنا إليه راجعون﴾ : إقرار بالبعث وتنبيه على مصيبة الموت التي هي أعظم المصائب، وتذكير أن ما أصاب الإنسان دونها فهو قريب ينبغي أن يصير له.
وللمفسرين في هاتين الجملتين المقولتين أقوال : أحدها : أن نفوسنا وأموالنا وأهلينا لله لا يظلمنا فيما يصنعه بنا.
الثاني : أسلمنا الأمر لله ورضينا بقضائه، ﴿وإنا إليه راجعون﴾ يعني : للبعث لثواب المحسن ومعاقبة المسيء.
الثالث : راجعون إليه في جبر المصاب وإجزال الثواب.
الرابع : أن معناه إقرار بالمملكة في قوله :﴿إنا لله﴾، وإقرار بالهلكة في قوله :﴿وإنا إليه راجعون﴾.
وفي المنتخب ما ملخصه : إن إسناد الإصابة إلى المصيبة، لا إلى الله تعالى، ليعم ما كان من الله، وما كان من غيره.
فما كان من الله فهو داخل تحت قوله :﴿إنا لله﴾، لأن في الإقرار بالعبودية تفويضاً للأمور إليه، وما كان من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله في الإنصاف منه، ولا يتعدى، كأنه في الأول ﴿إنا لله﴾، يدبر كيف يشاء، وفي الثاني :﴿إنا إليه﴾، ينصف لنا كيف يشاء.
وقيل :﴿إنا لله﴾، دليل على الرضا بما نزل به في الحال، ﴿وإنا إليه راجعون﴾، دليل على الرضا في الحال بكل ما سينزل به بعد ذلك.
واشتملت الآية على فرض ونفل.
فالفرض : التسليم لأمر الله، والرضا بقدره، والصبر على أداء فرائضه.
والنفل : إظهاراً لقول ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، وفي إظهاره فوائد منها : غيظ الكفار لعلمهم بجده في طاعة الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج ﷺ شطر المسجد، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة، حيث كان النسخ صعباً على النفوس، حيث ألفوا أمراً، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره، وخصوصاً عند من لا يرى النسخ.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
أخو العلم حيّ خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم

وقال آخر :
محل العلم لا يأوي تراباًولا يبلى على الزمن القديم
ثم أمرهم تعالى بالذكر لهذه النعم لئلا ينسوها، وبالشكر عليها لأن يزيدهم من النعم.
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى