البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾، أولئك مبتدأ، وصلوات : ارتفاعها على الفاعل بالجار والمجرور، أي : أولئك مستقرة عليهم صلوات، فيكون قد أخبر عن المبتدأ بالمفرد، وهذا أولى من جعل صلوات مبتدأ، والجار والمجرور في موضع خبره.
والجملة في موضع خبر المبتدأ الأول، لأنه يكون إخباراً عن المبتدأ بالجملة.
والصلاة : من الله المغفرة، قاله ابن عباس ؛ أو الثناء، قاله ابن كيسان، أو الغفران والثناء الحسن، قاله الزجاج.
والرحمة : قيل هي الصلوات، كررت تأكيداً لما اختلف اللفظ، كقوله ﴿رأفة ورحمة﴾ وقيل : الرحمة : كشف الكربة وقضاء الحاجة.
وقال عمر : نعم العدلان ونعم العلاوة، وتلا :﴿الذين إذا أصابتهم﴾ الآية، يعني بالعدلين : الصلوات والرحمة، وبالعلاوة : الاهتداء.
وفي قوله : أولئك، اسم الإشارة الموضوع للبعد دلالة على بعد هذه الرتبة، كما جاء :﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ والكناية عن حصول الغفران والثناء بقوله :﴿عليهم صلوات﴾ بحرف على، إشارة إلى أنهم منغمسون في ذلك، قد غشيتهم وتجللتهم، وهو أبلغ من قوله لهم.
وجمع صلوات، ليدل على أن ذلك ليس مطلق صلاة، بل صلاة بعد صلاة، ونكرت لأنه لا يراد العموم.
ووصفها بكونها من ربهم، ليدل بمن على ابتدائها من الله، أي تنشأ تلك الصلوات وتبتدىء من الله تعالى.
ويحتمل أن تكون من تبعيضية، فيكون ثم حذف مضاف، أي صلوات من صلوات ربهم.
وأتى بلفظ الرب، لما فيه من دلالة التربية والنظر للعبد فيما يصلحه ويربه به.
وإن كان أريد بالرحمة الصلوات، فلا يحتاج إلى تقييد بصفة محذوفة، لأنها قد تقيدت.
وإن كان أريد بها ما يغاير الصلوات، فيقدر : ورحمة منه، فيكون قد حذفت الصفة لما تقدم.
ويحتمل أن يكون :﴿من ربهم﴾، متعلقاً بقوله :﴿عليهم﴾، فلا يكون صفة، بل يكون معمولاً للرافع لصلوات، وترتب على مقام الصبر.
ومقال هذه الكلمات الدالة على التفويض لله تعالى، هذا الجزاء الجزيل والثناء الجميل.
وقد جاء في السنة، أن رسول الله ﷺ قال :« من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه ».
وفي حديث آخر :« من تذكر مصيبته، فأحدث استرجاعاً، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب ».
وحديث أم سلمة مشهور، حيث أخلفها الله عن أبي سلمة رسول الله ﷺ.
وقال ابن جبير : ما أعطيَ أحد في المصيبة ما أعطيت هذه الأمة، ولو أعطيها أحد قبلها لأعطيها يعقوب.
ألا ترى كيف قال حين فقد يوسف ؟ ﴿يا أسفي على يوسف﴾ ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ : إخبار من الله عنهم بالهداية، ومن أخبر الله عنه بالهداية فلن يضل أبداً.
وهذه جملة ثابتة تدل على الاعتناء بأمر المخبر عنه، إذ كل وصف له يبرز في جملة مستقلة.
وبدئ بالجملة الأولى لأنها أهم في حصول الثواب المترتب على الوصف الذي قبله، وأخرت هذه لأنها تنزلت مما قبلها منزلة العلة، لأن ذلك القول المترتب عليه ذلك الجزاء الجزيل لا يصدر إلا عمن سبقت هدايته.
وأكد بقوله : هم.
وبالألف واللام، كأن الهداية انحصرت فيهم وباسم الفاعل، ليدل على الثبوت، لأن الهداية ليست من الأفعال المتجددة وقتاً بعد وقت فيخبر عنها بالفعل، بل هي وصف ثابت.
وقيل : المهتدون في استحقاق الثواب وإجزال الأجر.
وقيل : إلى تسهيل المصاب وتخفيف الحزن.
وقيل : إلى الاسترجاع.
وقيل : إلى الحق والصواب، وهذه التقييدات لا دلالة عليها في اللفظ، فالأولى الحمل على الهداية التي هي الإيمان، ونظير هاتين الجملتين قوله ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ والكلام في إعراب : هم المهتدون، كالكلام على : المفلحون، وقد تقدم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج ﷺ شطر المسجد، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة، حيث كان النسخ صعباً على النفوس، حيث ألفوا أمراً، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره، وخصوصاً عند من لا يرى النسخ.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
وقال آخر :
ثم أمرهم تعالى بالذكر لهذه النعم لئلا ينسوها، وبالشكر عليها لأن يزيدهم من النعم.
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج ﷺ شطر المسجد، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة، حيث كان النسخ صعباً على النفوس، حيث ألفوا أمراً، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره، وخصوصاً عند من لا يرى النسخ.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
وقال آخر :
ثم أمرهم تعالى بالذكر لهذه النعم لئلا ينسوها، وبالشكر عليها لأن يزيدهم من النعم.
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.
والجملة في موضع خبر المبتدأ الأول، لأنه يكون إخباراً عن المبتدأ بالجملة.
والصلاة : من الله المغفرة، قاله ابن عباس ؛ أو الثناء، قاله ابن كيسان، أو الغفران والثناء الحسن، قاله الزجاج.
والرحمة : قيل هي الصلوات، كررت تأكيداً لما اختلف اللفظ، كقوله ﴿رأفة ورحمة﴾ وقيل : الرحمة : كشف الكربة وقضاء الحاجة.
وقال عمر : نعم العدلان ونعم العلاوة، وتلا :﴿الذين إذا أصابتهم﴾ الآية، يعني بالعدلين : الصلوات والرحمة، وبالعلاوة : الاهتداء.
وفي قوله : أولئك، اسم الإشارة الموضوع للبعد دلالة على بعد هذه الرتبة، كما جاء :﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ والكناية عن حصول الغفران والثناء بقوله :﴿عليهم صلوات﴾ بحرف على، إشارة إلى أنهم منغمسون في ذلك، قد غشيتهم وتجللتهم، وهو أبلغ من قوله لهم.
وجمع صلوات، ليدل على أن ذلك ليس مطلق صلاة، بل صلاة بعد صلاة، ونكرت لأنه لا يراد العموم.
ووصفها بكونها من ربهم، ليدل بمن على ابتدائها من الله، أي تنشأ تلك الصلوات وتبتدىء من الله تعالى.
ويحتمل أن تكون من تبعيضية، فيكون ثم حذف مضاف، أي صلوات من صلوات ربهم.
وأتى بلفظ الرب، لما فيه من دلالة التربية والنظر للعبد فيما يصلحه ويربه به.
وإن كان أريد بالرحمة الصلوات، فلا يحتاج إلى تقييد بصفة محذوفة، لأنها قد تقيدت.
وإن كان أريد بها ما يغاير الصلوات، فيقدر : ورحمة منه، فيكون قد حذفت الصفة لما تقدم.
ويحتمل أن يكون :﴿من ربهم﴾، متعلقاً بقوله :﴿عليهم﴾، فلا يكون صفة، بل يكون معمولاً للرافع لصلوات، وترتب على مقام الصبر.
ومقال هذه الكلمات الدالة على التفويض لله تعالى، هذا الجزاء الجزيل والثناء الجميل.
وقد جاء في السنة، أن رسول الله ﷺ قال :« من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه ».
وفي حديث آخر :« من تذكر مصيبته، فأحدث استرجاعاً، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب ».
وحديث أم سلمة مشهور، حيث أخلفها الله عن أبي سلمة رسول الله ﷺ.
وقال ابن جبير : ما أعطيَ أحد في المصيبة ما أعطيت هذه الأمة، ولو أعطيها أحد قبلها لأعطيها يعقوب.
ألا ترى كيف قال حين فقد يوسف ؟ ﴿يا أسفي على يوسف﴾ ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ : إخبار من الله عنهم بالهداية، ومن أخبر الله عنه بالهداية فلن يضل أبداً.
وهذه جملة ثابتة تدل على الاعتناء بأمر المخبر عنه، إذ كل وصف له يبرز في جملة مستقلة.
وبدئ بالجملة الأولى لأنها أهم في حصول الثواب المترتب على الوصف الذي قبله، وأخرت هذه لأنها تنزلت مما قبلها منزلة العلة، لأن ذلك القول المترتب عليه ذلك الجزاء الجزيل لا يصدر إلا عمن سبقت هدايته.
وأكد بقوله : هم.
وبالألف واللام، كأن الهداية انحصرت فيهم وباسم الفاعل، ليدل على الثبوت، لأن الهداية ليست من الأفعال المتجددة وقتاً بعد وقت فيخبر عنها بالفعل، بل هي وصف ثابت.
وقيل : المهتدون في استحقاق الثواب وإجزال الأجر.
وقيل : إلى تسهيل المصاب وتخفيف الحزن.
وقيل : إلى الاسترجاع.
وقيل : إلى الحق والصواب، وهذه التقييدات لا دلالة عليها في اللفظ، فالأولى الحمل على الهداية التي هي الإيمان، ونظير هاتين الجملتين قوله ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ والكلام في إعراب : هم المهتدون، كالكلام على : المفلحون، وقد تقدم.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
| أخو العلم حيّ خالد بعد موته | وأوصاله تحت التراب رميم |
وقال آخر :
| محل العلم لا يأوي تراباً | ولا يبلى على الزمن القديم |
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج ﷺ شطر المسجد، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة، حيث كان النسخ صعباً على النفوس، حيث ألفوا أمراً، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره، وخصوصاً عند من لا يرى النسخ.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
| أخو العلم حيّ خالد بعد موته | وأوصاله تحت التراب رميم |
| محل العلم لا يأوي تراباً | ولا يبلى على الزمن القديم |
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.