تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٥٧ وقوله :( أولئك عليهم صلوات من ربهم ) ؛ قيل : الصلاة من الله عز وجل تحتمل(١) وجوها : تحتمل(٢) الرحمة والمغفرة، وتحتمل(٣) الصلاة منه مباهاته الملائكة جوابا لهم لما ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) [البقرة: ٣٠] كيف قلتم هذا ؟ وفيهم من يقول كذا، وقيل : الصلاة منه الثناء عليهم، [ وأي كرامة تبلغ كرامة ثناء الله عليهم ؟ ](٤).
وقوله :( وأولئك هم المهتدون ) ؛ شهد الله عز وجل بالاهتداء لمن فوض أمره إلى الله، ويسلم لقضائه(٥) وتقديره السابق، وهو كائن لا محالة، كقوله :( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) [الحديد: ٢٢]
قال الشيخ، رحمه الله : قوله :( ولنبلونكم بشيء من الخوف ) يبلوهم بالذي كان به عالما ليكون به ما علمه يكون بالأمر والنهي بحق المحنة، وهو كما يستخبر(٦) عما هو به خبير، مع ما كانت المحنة في الشاهد لاستخراج الخفيات بكون الأمر والنهي [ فاستعملت في الأمر والنهي ](٧)، وإن كان لا يخفى عليه شيء، بل هو كما قال :( عالم الغيب والشهادة ) [ الأنعام : ٧٣ و. . . ] ثم له جعل الغيب شاهدا، فجرت به المحنة ليعلم ما قد علمه غائبا شاهدا ؛ إذ هو موصوف بذلك في الأزل، وبالله التوفيق.
ثم كان العبد بجميع ما هو له من السعة والسلامة، فهو لله في الحقيقة، بفضله وكرمه يعامل عبيده معاملة من ليس له ما كان يطلب منه، ويأمره به، فقال :( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) الآية(٨) [التوبة: ١١١]، وقال :( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) الآية(٩) [المزمل: ٢٠] ليكون ذلك أطيب لأنفسهم وأرغب لهم في البذل لما طلب منهم، وإن كان له أخذ ذلك منهم بلا شيء يعدهم عليه. فعلى ذلك قال عز وجل :( ولنبلونكم ) بالذي ذكر ؛ يدلهم على أن ذلك منه ليعلموا أنه، فيما كان وعد الاشتراء منهم، وطلب منهم البذل بجزيل العوض لهم، فيخف ذلك عليهم، وتطيب(١٠) به أنفسهم، وأن يكون يذكروا أولا أنه يبتليهم بالذي ذكر ليطيبوا(١١) أنفسهم به، ولا يتكلفوا ذلك من قلوبهم، فيضجرون عند الابتلاء بذلك، وكذا خلاف للطبع إذا كان عن رياضته إياه وإشعاره به قبل النزول، كان ذلك أيسر عليه من أن يأتيه ذلك من حيث لم يعلم به، مع ما كان في ذلك خطر في القلوب نسبة مثله إلى الخلق والتشاؤم بهم. فقدم الله في ذلك البيان ليعلموا أن ذلك بالذي جرى به الوعد، وذلك كقوله :( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ) الآية [الحديد: ٢٢]، فبين أن ذلك مكتوب عليهم لتطيب الأنفس، وتطمئن القلوب عليه.
والأصل في هذا : أن جميع ما ذكر البلوى به في التحقيق ليس بحق للعبد، بل هو امتنان من الله وإفضال منه، وأنه لم ينشئه، ولا أحياه نشوء الأبدية ولا حياة السرمدية. فعلى ذلك [ جميع ](١٢) ما أنعم عليه، وإذا سكن العبد على هذا الذي جبل عليه أمر نفسه وما ملك عليه، سهل عليه ذهابه، وطابت به نفسه، مع ما يعلم أنه أنعم عليه بوقت، ثم هو نعمة [ له ](١٣) ولغيره، فيكون المأخوذ منه في الحقيقة لغيره، وإن كان الله عز وجل ذكره بالابتلاء والمصائب، فهو على ما أخبرت من كرمه فيما يعامل عبيده عز وجل ولا قوة إلا بالله.
ثم بين الله عز وجل ما يكرمهم، [ إذ خنعوا لحكمه ](١٤)، ورضوا بقضائه(١٥)، مع ما دل عليه أيضا بقوله :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ) الآية(١٦) [الأحزاب: ٣٦]، فقال :( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون )، وقال في موضع آخر :( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [الزمر: ١٠]، فكان من فضله أن سمى ما وعدهم على الصبر أجرا. ومعلوم، أن كان ذلك حقا لله عليهم بالسابق من نعمه مع عظم مننه، لكنه سمى ما أفضل به أجرا له، مع ما كان العبد يعمل لنفسه، ولا يحتمل أن يستحق به الأجر، لولا الإنعام منه، جل ثناؤه.
ثم وعد له في حال فعله بخصال ثلاثة :
أحدها : أن عليه صلاته، وصلاته تحتمل مباهاته [ الملائكة به ](١٧) تعظيما لما بذل عبده له، وخضع لحكمه عليه ؛ وهو أن قالوا :( ونحن نسبح بحمدك ) الآية(١٨) [البقرة: ٣٠]، فيخبرهم أن هذا قد سبح حضرة المصيبة، وخضع لحكمه بالاسترجاع. وتحتمل مغفرته وإيجاب الثواب الجزيل له بقوله :( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ) الآية(١٩) [آل عمران: ١٥٧]، وقوله :( يرزقون ) ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ) [ آل عمران : ١٦٩و ١٧٠ ]، وقوله :( هل أذلكم على تجارة تنجيكم ) [الصف: ١٠] إلى ما ذكر من الأفضال، والله الموفق. وتحتمل ثناءه وذكرهم في إخبار عباده كقوله :( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا ) الآية(٢٠) [آل عمران: ١٦٩] مع ما يرجى له من زيادة الهدى في الدنيا بقوله :( والذين جاهدوا فينا ) الآية(٢١) [العنكبوت: ٦٩]، وقوله(٢٢) :( والذين اهتدوا زادهم هدى ) [محمد: ١٧].
[ والثانية : الرحمة ](٢٣) : قد يرجع [ استرجاعه رحمة، يكرمه بها ](٢٤) وتحتمل محبة(٢٥) يلقيها في قلوب العباد حتى يُحبوه(٢٦) بها أو خلفا(٢٧) يعطيه في الدنيا.
[ والثالثة : الهداية ](٢٨) : ثم شهد الله لهم بالهداية ؛ وذلك يحتمل أن يكونوا اهتدوا لدينه ولما من عليهم في المصيبة من التسليم لله، ويحتمل الاهتداء لطريق الجنة على ما بينه أنه وعد الشهداء بقوله(٢٩) :( ولا قوة إلا بالله ) [الكهف: ٣٩]، وقوله :( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) [التغابن: ١١] للاسترجاع. وقد روي عن نبي الله أنه قال :" لم يعط الاسترجاع من كان قبلكم [ عزاه زغلول في موسوعته إلى المسانيد ٢/٧٧٤ ]. فهو على ما بينا من القول به. وأما حق التسليم فقد كان في توقيت وقت الصبر، ثم روي [ عن ](٣٠) رسول الله ﷺ أنه قال : " الصبر عند الصدمة الأولى " [ البخاري : ١٣٨٣ ].
وقد روي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال : " ما من مصيبة، وإن طال عهدها، فيجدد لها العبد بالاسترجاع إلا جدد له ثوابها كلما(٣١) استرجع " [ بنحوه ابن ماجه : ١٦٠٠ ] ؛ فلعل هذا لمن أحسن القبول وقت المصيبة ؛ أو رجع عما فرط منه، وتاب، والأول في غير ذلك، والله الموفق.
ثم في الآية وجوه من المعتبر :
أحدها : ما يلزم العبد من المصائب وما يستوجبه إذا وفى بما عليه.
والثاني : في ذلك بيان أن الصحة والأمن وحفظ المقدر لأحد ليس بلازم في الحكمة، لكنها إنعام من الله، وله الابتلاء بأخذه ؛ إذ لو كان عليه الأول لم يكن يلزمه الشكر في ذلك. والله الموفق.
والثالث : أن الله تعالى ذكر أنه بلا العباد بالذي ذكر.
ومعلوم أن ذلك يجري على أيدي العباد به(٣٢)، فأضاف ذلك إلى نفسه. ثبت أن له في ذلك تدبيرا حتى يبلوهم به، والله أعلم. وفيه أن الله تعالى قال :( ونبلوكم ) [الأنبياء: ٣٥] بكذا، ولم يكن كان يومئذ، ثم كان ذلك، وكذلك قوله :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم ) الآية(٣٣) [البقرة: ٢١٤]، ثم بلوا(٣٤) بذلك ليعلم أن رسول الله ﷺ علم ذلك بالله. وتبين أيضا أنه بموضع البشارة بما يعظم على الخلق، ويقتضي القرار(٣٥) في الطبع لم يحتمل أن يجيزهم(٣٦) به لولا الأمر به وطاعة الله في ذلك.
وأيضا أنه ذكر الخوف، فيعلم أن الخوف من الخلق لا يوهن الاعتقاد ؛ وكذلك قوله :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) [النساء: ١٠١] فعلى ذلك الرجاء والطمع ؛ وجملته أن أمر الدنيا محمول كله على أسباب ؛ لا أنها توجب، ولكن الله تعالى أجرى أحكامه عليها، فيكون الخوف والرجاء في التحقيق من الله تعالى أن يكون جعل ذلك سببا، والله الموفق.
وأيضا أن يعلم أن المصائب في الدنيا ليست كلها عقيب الأيام، بل لله تعالى الابتلاء بالحسنات والسيئات، [ لا تدل أيضا ](٣٧) على وهن الاعتقاد(٣٨) ولا زلة(٣٩) بلا بها. وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل عليهم السلام ولكن على وجهين :
أحدهما : أن [ يكون ](٤٠) الله تعالى يريد أن يحمي وليه لذات الدنيا لينالها موفورة في الآخرة.
والثاني : أن يكون لهم بعده زلات(٤١) لا يسلم منها البشر، فيبتلوا، فيبعثوا يوم القيامة، ولا زلة بقيت مما تجزيهم تلك، ولا قوة إلا بالله. وإنما كذلك جعلت لمحنة(٤٢).
١ - في النسخ الثلاث: يحتمل..
٢ - في النسخ الثلاث يحتمل..
٣ - في النسخ الثلاث يحتمل..
٤ - من ط ع و م: ساقطة من الأصل..
٥ - من ط ع و م، في الأصل: قضاءه..
٦ - من ط ع و م، في الأصل: يستخير..
٧ - من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
٨ -أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٩ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
١٠ -من ط ع، في الأصل و م: ويطلب..
١١ - من ط ع، في الأصل و م: ليطلبوا..
١٢ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٣ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٤ - من ط ع، في الأصل و م: خصوا الحكمة..
١٥ - في النسخ الثلاث: لقضائه..
١٦ - أدرج في ط ع تتمة بدل هذه الكلمة..
١٧ - في النسخ الثلاث: بالملائكة..
١٨ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
١٩ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٢٠ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٢١ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٢٢ - في م: كقوله..
٢٣ -في الأصل و م: رحمة، في ط ع: والثاني: الرحمة..
٢٤ - في النسخ الثلاث: رحمته هي التي أكرمته بذلك الاسترجاع..
٢٥ - في النسخ الثلاث: النعمة أو رحمة..
٢٦ - في النسخ الثلاث: يحبونه..
٢٧ - في النسخ الثلاث: خلف..
٢٨ - في ط ع: والثالث، ساقطة من الأصل و م..
٢٩ - في النسخ الثلاث: و..
٣٠ - من ط ع..
٣١ - في النسخ الثلاث: بهم..
٣٢ - في النسخ الثلاث: بهم..
٣٣ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٣٤ - من ط ع و م، في الأصل: يبلو..
٣٥ - من ط ع، في الأصل: الفوار، في م: الغوار..
٣٦ - في م: يخبرهم..
٣٧ - في الأصل: أيضا لا بد، في م و ط ع: أيضا لا يدل..
٣٨ - في النسخ الثلاث: عقد المصائب..
٣٩ - من ط ع و م، في الأصل: ذلة..
٤٠ - من ط ع..
٤١ - من ط ع و م، في الأصل: ذلات..
٤٢ - أدرج بعدها في النسخ الثلاث: قال دل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى