غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿من يطوع﴾ بتشديد الطاء والجزم : حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون : بالتاء والتخفيف وفتح الآخر على المضي.
الوقوف :﴿شعائر الله﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿بهما﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم ﴿عليم﴾، ﴿في الكتاب﴾ لا لأن " أولئك " خبر " إن " ﴿اللاعنون﴾ لا للاستثناء ﴿أتوب عليهم﴾ ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ﴿الرحيم﴾ ه ﴿أجمعين﴾ لا لأن " خالدين " حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن ﴿والملائكة﴾ وما بعده بالرفع ﴿فيها﴾ ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار ﴿ينظرون﴾ ه.
﴿إن الذين يكتمون﴾ كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين. وقيل : هم أهل الكتاب. وقيل : اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته ﷺ ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله تعالى فيعم الحكم حسب عموم الوصف. ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان. وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم. عن عائشة أنها قالت : من زعم أن محمداً ﷺ كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله تعالى يقول ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات﴾ فحملت الآية على العموم. وعن أبي هريرة قال : لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس : أكثر أبو هريرة وتلا ﴿إن الذين يكتمون﴾ قال بعض المحققين : الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً. فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها. وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس. وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل. والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل. وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. ولقوله ﴿من بعد ما بيناه للناس في الكتاب﴾ فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور. وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى. وقيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر ؟ وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم. ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لاسيما وقد قال ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم. واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب. وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام. والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس. وقيل : أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن ﴿أولئك﴾ تبعيد لهم عن درجة الاعتبار ﴿يلعنهم الله﴾ يبعدهم عن كل خير ﴿ويلعنهم﴾ يدعو عليهم باللعن ﴿اللاعنون﴾ الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين. وقيل : يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول : منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم. واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء : وإذا قيل : هم الهوام فقط فالتذكير لأنه تعالى وصفهم بصفات العقلاء مثل ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤]
﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾ [النمل: ١٨] ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم﴾ [فصلت: ٢١] وقيل : كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه. وقيل : إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾
[الأعراف: ٣٨] وعن ابن مسعود : إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه. وعن ابن عباس : أن لهم لعنتين : لعنة الله ولعنة الخلائق. قال : وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك ؟ فيقول : لا أدري. فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك : لا دريت ولا تليت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى. ففي صفا السر يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل الخير إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى﴾ [النجم: ٣٩، ٤٠]. ومن كمال رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز الأزمنة. فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار.
حسبي الله ونعم الوكيل.
الوقوف :﴿شعائر الله﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿بهما﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم ﴿عليم﴾، ﴿في الكتاب﴾ لا لأن " أولئك " خبر " إن " ﴿اللاعنون﴾ لا للاستثناء ﴿أتوب عليهم﴾ ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ﴿الرحيم﴾ ه ﴿أجمعين﴾ لا لأن " خالدين " حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن ﴿والملائكة﴾ وما بعده بالرفع ﴿فيها﴾ ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار ﴿ينظرون﴾ ه.
﴿إن الذين يكتمون﴾ كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين. وقيل : هم أهل الكتاب. وقيل : اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته ﷺ ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله تعالى فيعم الحكم حسب عموم الوصف. ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان. وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم. عن عائشة أنها قالت : من زعم أن محمداً ﷺ كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله تعالى يقول ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات﴾ فحملت الآية على العموم. وعن أبي هريرة قال : لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس : أكثر أبو هريرة وتلا ﴿إن الذين يكتمون﴾ قال بعض المحققين : الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً. فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها. وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس. وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل. والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل. وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. ولقوله ﴿من بعد ما بيناه للناس في الكتاب﴾ فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور. وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى. وقيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر ؟ وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم. ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لاسيما وقد قال ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم. واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب. وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام. والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس. وقيل : أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن ﴿أولئك﴾ تبعيد لهم عن درجة الاعتبار ﴿يلعنهم الله﴾ يبعدهم عن كل خير ﴿ويلعنهم﴾ يدعو عليهم باللعن ﴿اللاعنون﴾ الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين. وقيل : يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول : منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم. واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء : وإذا قيل : هم الهوام فقط فالتذكير لأنه تعالى وصفهم بصفات العقلاء مثل ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤]
﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾ [النمل: ١٨] ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم﴾ [فصلت: ٢١] وقيل : كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه. وقيل : إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾
[الأعراف: ٣٨] وعن ابن مسعود : إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه. وعن ابن عباس : أن لهم لعنتين : لعنة الله ولعنة الخلائق. قال : وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك ؟ فيقول : لا أدري. فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك : لا دريت ولا تليت.
| أهوى هواها لمن قد كان ساكنها | وليس في الدار لي هم ولا وطر |