الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال(١) :( اِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى ) [ ١٥٨ ].
يعني أحبار(٢) اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً(٣).
وذكر عن ابن(٤) عباس أن معاذ بن(٥) جبل سال بعض أحبار(٦) اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله عز وجل ( اِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ )(٧). إلى :( اللاَّعِنُونَ )(٨). وهو قول مجاهد(٩).
وقال قتادة : " هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل " (١٠).
وقوله :( مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ )(١١) [ ١٥٨ ].
يعني بالكتاب هنا : التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ ﷺ ](١٢) " مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ(١٣) " (١٤).
ثم قال :( أُوْلاَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) [ ١٥٨ ].
أي : أولئك الذين كتموا أمر محمد ﷺ يعلنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي : يبعدهم(١٥) الله من رحمته ويطردهم.
وقوله(١٦) :( وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) [ ١٥٨ ].
قيل : معناه : ويسأل ربَّهم اللاعنون أن(١٧) يلعنهم(١٨) لأن كل لاعن إنما يقول : " اللهم العن هذا ".
وقيل(١٩) : اللاعنون البهائم ؛ إذا أسْنَتَتِ(٢٠) السَّنَةُ، قالت البهائم : " هذا من أجل(٢١) عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم " (٢٢).
وقال عكرمة : " يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب/ يقولون : منعنا القطر بذنوب بني آدم " (٢٣).
وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة(٢٤) على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم(٢٥).
وقال قتادة : " اللاعنون هنا : الملائكة والمؤمنون " (٢٦). وقاله الربيع(٢٧).
قال مقاتل : " اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين : الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل(٢٨) قبره ضربته/الملائكة بمقمعة حين تقول له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه ".
قال مجاهد : " اللاعنون البهائم " (٢٩).
ولما وصفت باللعنة : جاز جمعها(٣٠) بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله نظائر كثيرة(٣١).
وقيل :/ اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ( خَالِدِينَ فِيهَا ) تعود على اللعنة(٣٢).
واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة(٣٣).
قال مقاتل : " اللعنة النار ". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي : " اللاعنون ما عدا بني آدم والجن " (٣٤).
وروي عن البراء بن(٣٥) عازب : " أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها(٣٦) قدران(٣٧) من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا(٣٨) يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين : الجن والإنس " (٣٩). / وهو قول الضحاك(٤٠).
ويروى عن ابن مسعود أنه قال : " اللاعنون : الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما(٤١) رجعت على اليهود " (٤٢).
وقي : هذه اللعنة إنما تكون يوم/القيامة كما قال(٤٣) تعالى :( وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً )(٤٤)(٤٥).
١ - في ح: قال تعالى..
٢ - في ق: أخبار. وهو تصحيف..
٣ - انظر: هذا التفسير في جامع البيان ٣/٢٤٩، وأسباب النزول ٤٨..
٤ - في ق: بن. وهو خطأ..
٥ - في ع٢، ع٣: ابن. وهو خطأ..
٦ - في ق: أخبار. وهو تصحيف..
٧ - في ع٣: يكتمون ما أنزل..
٨ - انظر: الدر المنثور ١/٣٩٠..
٩ - انظر: جامع البيان ٣/٢٥٠، والدر المنثور ١/٣٩٠..
١٠ - انظر: المصدر السابق..
١١ - في ع٢: بالكتاب. وهو خطأ..
١٢ - في ح: عليه السلام..
١٣ - في ع٣: النار..
١٤ - رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حدسن. سنن أبي داود ٣/٣٢١، وسنن ابن ماجه ١/٩٧، وسنن الترمذي ٥/٢٩..
١٥ - في ع٣: يبعد..
١٦ - في ع٣: قولهم..
١٧ - في ع٣: أي..
١٨ - في ع٢: ويلعنوهم. وفي ع٣: يلعنونهم..
١٩ - وهو قول مجاهد في جامع البيان ٣/٢٥٤، والدر المنثور ١/٣٩١..
٢٠ - في ق: استنت. وفي ع٣: سننت.
وأَسْنَنَتِ الأرض والسنة أجذبت، والسنة القحط والجدب. انظر: اللسان ٢/٢١٤- ٢/٢٢٤..

٢١ - في ق: أجبل. وهو تحريف..
٢٢ - سقط قوله: "لعن الله عصاة بني آدم" من ع٣..
٢٣ - انظر: جامع البيان ٣/٢٥٥، والدر المنثور ١/٣٩١..
٢٤ - في ع٢، ع٣: سلامة..
٢٥ - انظر: هذا التوجيه في جامع البيان ٣/٢٥٦..
٢٦ - انظر: جامع البيان ٣/٢٥٦-٢٥٧، والمحرر الوجيز ٢/٣١، وتفسير ابن كثير ١/٢٠٠..
٢٧ - المصدر السابق..
٢٨ - في ع٢، ق، ع٣: دخل..
٢٩ - انظر: جامع البيان ٣/٢٥٥..
٣٠ - في ع٣: جمعه..
٣١ - انظر: هذا التوجيه في تفسير القرطبي ٢/١٨٧، والمحرر الوجيز ٢/٣١..
٣٢ - هو قول أبي العالية في جامع البيان ٣/٢٥٤..
٣٣ - انظر: مفردات الراغب ٤٧١، واللسان ٣/٣٧٤..
٣٤ - أورده الطبري ولم ينسبه لأحد، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس والبراء بن عازب. انظر: جامع البيان ٣/٢٥٧، وتفسير القرطبي ٢/١٨٧..
٣٥ - في ع٣: ابن. وهو خطأ..
٣٦ - في ق: عينها..
٣٧ - في ع٢: ندرا. وهو تحريف..
٣٨ - سقط من ق..
٣٩ - انظر: جامع البيان ٣/٢٥٧، والدر المنثور ١/٣٩١..
٤٠ - المصدر السابق..
٤١ - سقط قوله: "فإن لم يستحقا واحد مهما" من ق..
٤٢ - انظر: تفسيره ٢/٧٨..
٤٣ - في ع٣: قال الله..
٤٤ - العنكبوت آية ٢٤..
٤٥ - وهو قول أبي العالية في تفسير القرطبي ٢/١٩٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى