تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
وقوله تعالى :( الله يستهزىء بهم. . . ) الآية. فإن قال قائل : ما معنى الاستهزاء من الله تعالى ؟ قلنا فيه أقوال : قال بعضهم : معناه يجازيهم على صنيعهم، إلا أنه سماه الله استهزاء ؛ لأنه جزاء الاستهزاء ؛ كما قال :( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) (١) وإن لم يكن الجزاء سيئة حقيقة.
وقال بعضهم : يستهزىء بهم أي يعيبهم، ومنه قوله تعالى :( يكفر بها ويستهزأ بها ) (٢) أي : يعاب كذلك هذا.
وقال أهل الرواية معناه : الله يستهزىء بهم في الآخرة، والاستهزاء بهم في الآخرة يحتمل وجهين ؛ أحدهما : أن يضرب للمؤمنين على الصراط نورا يمشون به، وإذا وصل المنافقون إليه حال بينهم وبين المؤمنين، فذلك الاستهزاء بهم ؛ كما قال :( فضرب بينهم بسور له باب ) (٣).
والثاني : أنه يقربهم من الجنة، حتى إذا رأو زهرتها وحسنها وبهجتها، واستنشقوا رائحتها صرفهم عنها إلى النار، فذلك الاستهزاء بهم، وقد نطق عنه - عليه الصلاة والسلام بمعناه حديث في الصحاح.
قوله :( ويمدهم ) أي، يمهلهم حتى يستدرجهم. ( في طغيانهم ) أي : ضلالتهم. ( يعمهون ) أي : يتحيرون، قال الشاعر :
ومهمة أطرافها في مَهْمَهٍ (٤)أعْمى الهُدَى بالجاهِلين العُمَّهِ
١ - الشورى: ٤..
٢ - النساء: ١٤٠..
٣ - الحديد: ١٣..
٤ - والمَهْمَهُ: المفازة البعيدة، أو البلدة المقفرة. انظر لسان العرب مادة (مهمه)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى