الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ أي يجازيهم جزاء استهزائهم، فسُمّي الجزاء باسم الابتداء إذ كان مثلهُ في الصورة كقوله ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فسُمّي جزاء السيئة سيئة.
وقال عمرو بن كلثوم :
ألا لا يجهلنّ أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال آخر :
نجازيهمُ كيل الصواع بما أتواومن يركب ابن العمّ بالظلم يُظلم
فسمّى الجزاء ظلماً.
وقيل : معناه : الله يوبّخهم ويعرضهم ويُخطّيء فعلهم ؛ لأنّ الاستهزاء والسخرية عند العرب العيب والتجهيل، كما يُقال : إنّ فلاناً يُستهزأ به منذ اليوم، أي يُعاب. قال الله ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء: ١٤٠] أي تُعاب، وقال أخباراً عن نوح عليه السلام :﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨].
وقال الحسن : معناه : الله يُظهر المؤمنين على نفاقهم.
وقال ابن عباس : هو أن الله يُطلع المؤمنين يوم القيامة وهم في الجنة على المنافقين وهم في النار، فيقولون لهم : أتحبّون أن تدخلوا الجنة، فيقولون : نعم ؛ فيفتح لهم باب من الجنة، ويُقال لهم : ادخلوا فيسبحون ويتقلبون في النار، فإذا انتهوا إلى الباب سُدّ عليهم، وردّوا إلى النار ويضحك المؤمنون منهم، فذلك قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى قوله :﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤].
الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله ﷺ " يؤمر بناس من الناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى ما أعدَّ الله فيها لأهلها من الكرامة، نودوا : أن اصرفوهم عنها. قال : ويرجعون بحسرة وندامة لم يرجع الخلائق بمثلها. فيقولون : يا ربّنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا. فيقول الله جل جلاله : هذه الذي أردت بكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلّوني وكنتم تراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما كنتم ترونني من قلوبكم. فاليوم أُذيقكم من عذابي مع ما حرمتكم من ثوابي ".
وقيل : هو خذلانه إياهم وحرمانهم التوفيق والهداية.
وهو قوله فيما بعد :﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يتركهم، ويمهلهم ويُطيل لهم، وأصله : الزيادة، ويُقال : مدّ النهر، ومدّة : زمن آخر.
وقرأ ابن محيصن وشبل :﴿وَيُمِدُّهُمْ﴾ بضم الياء وكسر الميم وهما لغتان بمعنى واحد ؛ لأنّ المد أكثر ما يأتي في الشر والإمداد في الخير. قال الله عزّ وجلّ في المد :﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً﴾ [مريم: ٧٩]، وقال في الإمداد :﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] وقال :﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]، وقال :﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ كفرهم وضلالتهم وجهالتهم، وأصل الطغيان : مجاوزة القدر، يُقال : ميزان فيه طغيان، أي مجاوزة للقدر في الاستواء. قال الله تعالى :﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي جاوز حدّه الذي قدّر له، وقال لفرعون :﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] أي أسرف في الدعوى حينما قال :﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يمضون، يترددون في الضلالة متحيرين.
يُقال : عمه يعمه عمهاً وعموهاً، وعمها فهو عمه، وعامه : إذا كان جائراً عن الحق. قال رؤبة :
ومَهْمَه أَطْرَافُهُ في مَهْمَهأعمى الهُدى بالجاهلين العُمَّه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى