تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
{ )إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( البقرة : ١٧٤ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿إن الذين يكتمون...﴾ : جملة مكونة من ﴿إن﴾ الدالة على التوكيد ؛ و ﴿الذين﴾ اسمها ؛ و ﴿أولئك﴾ :«أولاء » مبتدأ ثانٍ ؛ وجملة :﴿ما يأكلون﴾ خبر المبتدأ الثاني ؛ والجملة من المبتدأ، والخبر خبر ﴿إن﴾.
وقوله تعالى :﴿يكتمون ما أنزل الله﴾ أي يخفون ؛ ﴿من الكتاب﴾ :«أل » إما أن تكون للعهد ؛ أو للجنس ؛ فإن قلنا :«للعهد » فالمراد بها التوراة ؛ ويكون المراد ب ﴿الذين يكتمون﴾ اليهود ؛ لأنهم كتموا ما علموه من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وإن قلنا : إن «أل » للجنس، شمل جميع الكتب : التوراة، والإنجيل، وغيرها ؛ ويكون ﴿الذين يكتمون﴾ يشمل اليهود، والنصارى، وغيرهما ؛ وهذا أرجح لعمومه.
وقوله تعالى :﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾ أي على رسله ؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول :﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب﴾ [الحديد: ٢٥] ؛ فكل رسول فإن معه كتاباً من الله عز وجل يهدي به الناس.
قوله تعالى :﴿ويشترون به﴾ يعني يأخذون بما أنزل الله ؛ ويجوز أن يكون الضمير عائداً على الكتم ؛ يعني يأخذون بهذا الكتم.
قوله تعالى :﴿ثمناً قليلاً﴾ : هذا الثمن إما المال ؛ وإما الجاه، والرياسة ؛ وكلاهما قليل بالنسبة لما في الآخرة.
قوله تعالى :﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ : الاستثناء هنا مفرغ ؛ والإشارة للبعيد لبعد مرتبتهم، وانحطاطها، والتنفير منها.
قوله تعالى :﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ يعني لا يكلمهم تكليم رضا ؛ فالنفي هنا ليس نفياً لمطلق الكلام ؛ ولكنه للكلام المطلق الذي هو كلام الرضا ؛ ﴿ولا يزكيهم﴾ أي لا يثني عليهم بخير.
قوله تعالى :﴿ولهم عذاب أليم﴾ ؛ «فعيل » هنا بمعنى مفعِل ؛ و«مؤلم » أي موجع ؛ والعذاب هو النكال، والعقوبة.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : وجوب نشر العلم ؛ لقوله تعالى :﴿إن الذين يكتمون﴾ ؛ ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه ؛ إما بلسان الحال ؛ وإما بلسان المقال.
٢ ومنها : أن الكتب منزلة من عند الله ؛ لقوله تعالى :﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾.
٣ ومنها : علو الله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿ما أنزل الله﴾ ؛ فإن لازم النزول من عنده أن يكون سبحانه وتعالى عالياً.
٤ ومنها : أن هذا الوعيد على من جمع بين الأمرين :﴿يكتمون﴾، و ﴿يشترون﴾ ؛ فأما من كتم بدون اشتراء ؛ أو اشترى بدون كتم فإن الحكم فيه يختلف ؛ إذا كتم بدون اشتراء فقد قال الله سبحانه وتعالى :﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩] ؛ وهذا يدل على أن كتمان ما أنزل الله من كبائر الذنوب ؛ ولكن لا يستحق ما ذُكر في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ؛ وأما الذين يشترون بما أنزل الله من الكتاب ثمناً قليلاً بدون كتمان فقد قال الله تعالى :﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥، ١٦].
فالناس في كتمان ما أنزل الله ثلاثة أقسام :
القسم الأول : من يكتم العلم بخلاً به، ومنعاً لانتفاع الناس به.
والقسم الثاني : من يكتم العلم، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي من مال، أو جاه، أو رئاسة، أو غير ذلك.
والقسم الثالث : من يكتم العلم بخلاً به، ولا يبينه إلا لغرض دنيوي ؛ فيجمع بين الأمرين ؛ وهذا شر الأقسام ؛ وهو المذكور في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ؛ وقد تبين عقوبة كل واحد من هذه الأقسام فيما سبق.
أما من أظهر العلم لله، وتعلم لله، فهذا هو خير الأقسام ؛ وهو القسم الرابع الذي يبين بلسانه، وحاله، وقلمه، ما أنزل الله عز وجل ؛ والذي يكتم خوفاً إذا كان سيبين في موضع آخر فلا بأس ؛ أما الذي يكتم مطلقاً فهذا لا يجوز ؛ فيجب أن يبين ولو قُتل إذا كان يتوقف بيان الحق على ذلك، كما جرى لبعض أهل السنة الذين صبروا على القتل في بيانها لتعينه عليهم.
٥ ومن فوائد الآية : أن متاع الدنيا قليل ولو كثر ؛ لقوله تعالى :﴿ويشترون به ثمناً قليلاً﴾.
٦ ومنها : إطلاق المسبَّب على السبب ؛ لقوله تعالى :﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ هم لا يأكلون النار ؛ ولكن يأكلون المال ؛ لكنه مال سبب للنار.
٧ ومنها : إقامة العدل في الجزاء ؛ لقوله تعالى :﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ ؛ فجعل عقوبتهم من النار بقدر ما أكلوه من الدنيا الذي أخذوه عوضاً عن العلم.
٨ ومنها : إثبات كلام الله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿ولا يكلمهم الله﴾ ؛ لأنه لو كان لا يتكلم لا معهم، ولا مع غيرهم، لم يكن في نفي تكليمه إياهم فائدة ؛ فنفيه لتكليمه هؤلاء يدل على أنه يكلم غيرهم ؛ وقد استدل الشافعي رحمه الله بقوله تعالى :﴿كلا إنهم﴾ [المطففين: ١٥] أي الفجار ﴿عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] برؤية الأبرار له ؛ لأنه ما حجب هؤلاء في حال السخط إلا لرؤية الأبرار في حال الرضا ؛ إذ لو كان لا يُرى مطلقاً لم يكن لذكر حجب الفجار فائدة ؛ وكلام الله عز وجل هو الحرف، والمعنى ؛ فالله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام بحروف، وصوت ؛ وأدلة هذا، وتفصيله مذكور في كتب العقائد.
٩ ومن فوائد الآية : أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته ؛ لقوله تعالى :﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ ؛ لأن تخصيصه بيوم القيامة يدل على أنه يتعلق بمشيئته ؛ وهذه هي الصفات الفعلية ؛ لكن أصل الكلام صفة ذاتية ؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً.
١٠ ومنها : إثبات يوم القيامة.
١١ ومنها : أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان ؛ وذلك بالثناء القولي، والفعلي ؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه :«سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم »(١) ؛ وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين ؛ وهذه تزكية بلا شك.
١٢ ومنها : غلظ عقوبة هؤلاء بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ؛ والمراد كلام الرضا ؛ وأما كلام الغضب فإن الله تعالى يكلم أهل النار، كما قال تعالى :﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾.
١٣ ومنها : إثبات الجزاء ؛ لقوله تعالى :﴿ولهم عذاب أليم﴾.
١٤ ومنها : أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألماً نفسياً، وألماً جسمانياً ؛ فأما الألم النفسي فدليله قوله تعالى :﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ ؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الإذلال الذي به الألم النفسي ؛ وأما الألم البدني فدليله قول الله تعالى :﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله تعالى :﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى :﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الحجر: ٢١، ٢٢].
١ سبق تخريجه ١/٢٠٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى