البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
البطن : معروف، وجمعه على فعول قياس، ويجمع أيضاً على بطنان، ويقال : بطن الأمر يبطن، إذا خفي.
وبطن الرجل، فهو بطين : كبر بطنه.
والبطنة : امتلاء البطن بالطعام.
ويقال : البطنة تذهب الفطنة.
﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾ : روي عن ابن عباس أنها نزلت في علماء اليهود، كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم.
فلما بعث من غيرهم، غيروا صفته وقالوا : هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، حتى لا يتبعوه.
وروي عنه أنه قال : إن الملوك سألوا علماءهم قبل المبعث : ما الذي تجدون في التوراة ؟ فقالوا : نجد أن الله يبعث نبياً من بعد المسيح يقال له محمد، بتحريم الربا والخمر والملاهي وسفك الدماء.
فلما بعث، قالت الملوك لليهود : هذا الذي تجدونه في كتابكم ؟ فقالوا، طمعاً في أموال الملوك : ليس هذا بذلك النبي.
فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزلت إكذاباً لهم.
وقيل : نزلت في كل كاتم حق، لأخذ غرض أو إقامة غرض من مؤمن ويهودي ومشرك ومعطل.
وإن صح سبب نزول، فهي عامة، والحكم للعموم.
وإن كان السبب خاصاً، فيتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختاراً لذلك، لسبب دنيا يصيبها.
﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾ : ظاهره أنه أنزل من علو إلى أسفل، وأنه تعالى أنزل ملكاً به، أي بالكتاب على رسوله.
وقيل : معنى أنزل الله، أي أظهر، كقوله :﴿سأنزل مثل ما أنزل الله﴾، أي أظهر.
فكون المعنى : أن الذين يكتمون ما أظهر الله، فيكون الإظهار في مقابلة الكتمان.
وفي المراد بالكتاب هنا أقوال : أحدها : أنه التوراة، فيكون الكاتمون أحبار اليهود، كتموا صفة رسول الله ﷺ وغيروها، وكتموا آيات في التوراة، كآية الرجم وشبه ذلك.
وقيل : التوراة والإنجيل، ووحد اللفظ على المكتوب، ويكون الكاتمون اليهود والنصارى.
وصف الله نبيه في الكتابين، ونعته فيهما وسماه فقال :﴿يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ وقال :﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ والطائفتان أنكروا صفة رسول الله ﷺ.
وقد شهدت التوراة والإنجيل بذلك، والنصوص موجودة فيهما، إلا أن في مواضع منها في التوراة في الفصل التاسع، وفي الفصل العاشر من السفر الأول، وفي الفصل العشرين من السفر الخامس.
ومنها في الإنجيل مواضع تدلّ على ذلك، قد ذكر جميعها، من تعرض للكلام على ذلك.
وقيل : الكتاب المكتوب، وهو أعم من التوراة والإنجيل، فيتناول كل من كتم ما أنزل الله مما يتعلق بالأحكام قديماً وحديثاً، وكل كاتم لحق وساتر لأمر مشروع.
﴿ويشترون به ثمناً قليلاً﴾ : لما تعوضوا عن الكتم شيئاً من سحت الدّنيا، أشبه ذلك البيع والشراء، لانطوائهما على عوض ومعوض عنه، فأطلق عليه اشتراء.
وبه : الضمير عائد على الكتمان، أو الكتاب، أو على الموصول الذي هو : ما أقوال ثلاثة، أظهرها الآخر، ويكون على حذف مضاف، أي بكتم ما أنزل الله به.
والفرق بين هذا القول وقول من جعله عائداً على الكتم، أنه يكون في ذلك القول عائداً على المصدر المفهوم من قوله :﴿يكتمون﴾، وفي هذا عائداً على ما على حذف مضاف، وتقدم الكلام في تفسير قوله :﴿ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾ فأغنى عن إعادته، إلا فعل الاشتراء جعل علة هناك وهنا جعل معطوفاً على قوله ﴿يكتمون﴾، ورتب الخبر على مجموع الأمرين من الكتم والاشتراء، لأن الكتم ليست أسبابه منحصرة في الاشتراء، بل الاشتراء بعض أسبابه.
فكتم ما أنزل الله من الكتاب، وهو أمر رسول الله ﷺ، وإنكار نبوته وتبديل صفته، كان لأمور منها البغي، ﴿بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾ ومنها الخسارة، لكونه من العرب لا منهم.
ومنها طلب الرياسة، وأن يستتبعوا أهل ملتهم.
ومنها تحصيل أموالهم ورشاء ملوكهم وعوامهم.
﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ : أتى بخبر إن جملة، لأنها أبلغ من المفرد، وصدر بأولئك، إذ هو اسم إشارة دال على اتصاف المخبر عنه بالأوصاف السابقة.
وقد تقدم لنا الكلام في ذلك في قوله :﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ ثم أخبر عن أولئك بأخبار أربعة : الأول :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾، فمنهم من حمله على ظاهره وقال : إن ذلك يكون في الدنيا، وإن الرشاء التي هم يأكلونها تصير في أجوافهم ناراً، فلا يحسون بها إلا بعد الموت.
ومنع تعالى أن يدركوا أنها نار، استدراجاً وإملاء لهم.
ويكون في هذا المعنى بعض تجوز، لأنه حالة الأكل لم يكن ناراً، إنما بعد صارت في بطونهم ناراً.
وقيل : إن ذلك يكون في الآخرة، فهو حقيقة أيضاً.
واختلفوا فقيل : جميع ما أكلوه من السحت والرشاء في الدنيا يجعل ناراً في الآخرة، ثم يطعمهم الله إياه في النار.
وقيل : يأمر الزبانية أن تطعمهم النار ليكون عقوبة الأكل من جنسه.
وأكثر العلماء على تأويل قوله :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾، على معنى : أنهم يجازون على ما اقترفوه من كتم ما أنزل الله، والاشتراء به الثمن القليل، بالنار.
وإن ما اكتسبوه بهذه الأوصاف الذميمة مآله إلى النار.
وعبر بالأكل، لأنه أعظم منافع ما تصرف فيه الأموال.
وذكر في بطونهم، إما على سبيل التوكيد، إذ معلوم أن الأكل لا يكون إلا في البطن، فصار نظير :﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ أو كناية عن ملء البطن، لأنه يقال : فلان أكل في بطنه، وفلان أكل في بعض بطنه.
أو لرفع توهم المجاز، إذ يقال : أكل فلان ماله، إذا بذره، وإن لم يأكله.
وجعل المأكول النار، تسمية له بما يؤول إليه، لأنه سبب النار، وذلك كما يقولون : أكل فلان الدم، يريدون الدية، لأنها بدل من الدم، قال الشاعر :
وقال آخر :
وقال آخر :
تأكل كل ليلة أكافا***
أي ثمن أكاف، ومعنى التلبس موجود في جميع ذلك.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه كثير، ومن ذلك :﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ ومن ذلك الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وذكر في بطونهم تنبيهاً على شرهم وتقبيحاً لتضييع أعظم النعم لأجل المطعوم الذي هو أحسن متناول، قاله الراغب.
وقال ابن عطية نحوه، قال : وفي ذكر البطن تنبيه على مذهبهم، بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم.
﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ : هذا الخبر الثاني عن أولئك، وظاهره نفي الكلام مطلقاً، أعني مباشرتهم بالكلام، فيكون ما جاء في القرآن، أو في السنة، مما ظاهره أنه تعالى يحاورهم بالكلام، متأولاً بأنه يأمر من يقول لهم ذلك، نحو قوله تعالى :﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ ويكون في نفي كلامه تعالى إياهم، دلالة على الغضب عليهم، ألا ترى أن من غضب على شخص صرمه وقطع كلامه ؟ لأن في التكلم، ولو كان بشر، تأنيساً مّا والتفاتاً إلى المكلم.
وقيل : معنى ولا يكلمهم الله : أي يغضب عليهم.
وليس المراد نفي الكلام، إذ قد جاء في غير موضع ما ظاهره : أنه يكلم الكافرين، قاله الحسن.
وقيل : المعنى ليس على العموم، إذ قد جاء في القرآن ما ظاهره أنه يكلمهم، كقوله :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ والسؤال لا يكون إلا بالتكليم، وقال :﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾.
فالمعنى : لا يكلمهم كلام خير وإقبال وتحية، وإنما يكلمهم كلاماً يشق عليهم.
وقيل : المعنى لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية.
وقيل : ولا يكلمهم الله، تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة الله إياهم بكلامه.
وقيل : المعنى لا يحملهم على الكلام، لأن من كلمته، كنت قد استدعيت كلامه، كأنه قال : لا يستدعي كلامهم فيكون نحو قوله :﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ فنفى الكلام، وهو يراد ما يلزم عنه، وهو استدعاء الكلام.
﴿ولا يزكيهم﴾ : هذا هو الخبر الثالث، والمعنى : لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء، أو لا ينزلهم منزلة الأزكياء.
وقيل : المعنى لا يصلح أعمالهم الخبيثة.
وقيل : المعنى لا يثني عليهم من قولهم : زكى فلاناً، إذ أثنى عليه، قاله الزجاج.
وقيل : لا يطهرهم من دنس كفرهم، وهو معنى قول بعضهم : لا يطهرهم من موجبات العذاب، قاله ابن جرير.
وقيل : المعنى لا يسميهم أزكياء.
﴿ولهم عذاب أليم﴾ : هذا هو الخبر الرابع لأولئك، وقد تقدم تفسير قوله :﴿ولهم عذاب أليم﴾ في أول السورة.
وترتب على الكتمان واشتراء الثمن القليل هذه الأخبار الأربعة، وانعطفت بالواو الجامعة لها.
وعطف الأخبار بالواو، ولا خلاف في جوازه، بخلاف أن لا تكون معطوفة، فإن في ذلك خلافاً وتفصيلاً.
وناسب ذكر هذه الأخبار ما قبلها، ومناسب عطف بعضها على بعض، لما نذكره فنقول : متى ذكر وصف ورتب عليه أمر، فللعرب فيه طريقان : أحدهما : أن تكون تلك الأمور المترتبة على الأوصاف مقابلة لها، الأول منها لأول تلك الأوصاف، والثاني للثاني، فتحصل المقابلة من حيث المعنى ومن حيث الترتيب اللفظي، حيث قوبل الأول بالأول، والثاني بالثاني.
وتارة يكون الأول من تلك الأمور مجاوراً لما يليه من تلك الأوصاف، فتحصل المقابلة من حيث المعنى، لا من حيث الترتيب اللفظي، وهذه الآية جاءت من هذا القبيل.
لما ذكر تعالى اشتراءهم الثمن القليل، وكان ذلك كناية عن مطاعمهم الخسيسة الفانية، بدأ أولاً في الخبر بقوله :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾.
ثم قابل تعالى كتمانهم الدين والكتمان، هو أن لا يتكلموا به بل يخفوه بقوله تعالى :﴿ولا يكلمهم الله﴾، فجوزوا على منع التكلم بالدين أن منعوا تكليم الله إياهم، وابتنى على كتمانهم الدين، واشترائهم بما أنزل الله ثمناً قليلاً، أنهم شهود زور وأخبار سوء، حيث غيروا نعت رسول الله ﷺ، وادعوا أن النبي المبتعث هو غير هذا، فقوبل ذلك كله بقوله :﴿ولا يزكيهم﴾.
ثم ذكر أخيراً ما أعد لهم من العذاب الأليم، فرتب على اشتراء الثمن القليل قوله :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾، وعلى الكتمان قوله :﴿ولا يكلمهم الله﴾، وعلى مجموع الوصفين قوله :﴿ولا يزكيهم عذاب أليم﴾.
فبدأ أولاً : بما يقابل فرداً فرداً، وثانياً : بما يقابل المجموع.
ولما كانت الجملة الأولى مشتملة على فعل مسند إلى الله، كان الكلام الذي قابلها فيه فعل مسند إلى الله.
ولما كانت الثانية مسندة إليهم، ليس فيها إسناد إلى الله، جاءت الجملة المقابلة لها مسندة إليهم، ولم يأت ما يطعمهم الله في بطونهم إلا النار.
وناسب ذكر هذه الآية ما قبلها، لأنه تعالى ذكر في الآية قبلها إباحة الطيبات، ثم فصل أشياء من المحرمات، فناسب أن يذكر جزاء من كتم شيئاً من دين الله، ومما أنزله على أنبيائه، فكان ذلك تحذيراً أن يقع المؤمنون فيما وقع فيه أهل الكتاب، من كتم ما أنزل الله عليهم واشترا
وبطن الرجل، فهو بطين : كبر بطنه.
والبطنة : امتلاء البطن بالطعام.
ويقال : البطنة تذهب الفطنة.
﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾ : روي عن ابن عباس أنها نزلت في علماء اليهود، كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم.
فلما بعث من غيرهم، غيروا صفته وقالوا : هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، حتى لا يتبعوه.
وروي عنه أنه قال : إن الملوك سألوا علماءهم قبل المبعث : ما الذي تجدون في التوراة ؟ فقالوا : نجد أن الله يبعث نبياً من بعد المسيح يقال له محمد، بتحريم الربا والخمر والملاهي وسفك الدماء.
فلما بعث، قالت الملوك لليهود : هذا الذي تجدونه في كتابكم ؟ فقالوا، طمعاً في أموال الملوك : ليس هذا بذلك النبي.
فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزلت إكذاباً لهم.
وقيل : نزلت في كل كاتم حق، لأخذ غرض أو إقامة غرض من مؤمن ويهودي ومشرك ومعطل.
وإن صح سبب نزول، فهي عامة، والحكم للعموم.
وإن كان السبب خاصاً، فيتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختاراً لذلك، لسبب دنيا يصيبها.
﴿ما أنزل الله من الكتاب﴾ : ظاهره أنه أنزل من علو إلى أسفل، وأنه تعالى أنزل ملكاً به، أي بالكتاب على رسوله.
وقيل : معنى أنزل الله، أي أظهر، كقوله :﴿سأنزل مثل ما أنزل الله﴾، أي أظهر.
فكون المعنى : أن الذين يكتمون ما أظهر الله، فيكون الإظهار في مقابلة الكتمان.
وفي المراد بالكتاب هنا أقوال : أحدها : أنه التوراة، فيكون الكاتمون أحبار اليهود، كتموا صفة رسول الله ﷺ وغيروها، وكتموا آيات في التوراة، كآية الرجم وشبه ذلك.
وقيل : التوراة والإنجيل، ووحد اللفظ على المكتوب، ويكون الكاتمون اليهود والنصارى.
وصف الله نبيه في الكتابين، ونعته فيهما وسماه فقال :﴿يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ وقال :﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ والطائفتان أنكروا صفة رسول الله ﷺ.
وقد شهدت التوراة والإنجيل بذلك، والنصوص موجودة فيهما، إلا أن في مواضع منها في التوراة في الفصل التاسع، وفي الفصل العاشر من السفر الأول، وفي الفصل العشرين من السفر الخامس.
ومنها في الإنجيل مواضع تدلّ على ذلك، قد ذكر جميعها، من تعرض للكلام على ذلك.
وقيل : الكتاب المكتوب، وهو أعم من التوراة والإنجيل، فيتناول كل من كتم ما أنزل الله مما يتعلق بالأحكام قديماً وحديثاً، وكل كاتم لحق وساتر لأمر مشروع.
﴿ويشترون به ثمناً قليلاً﴾ : لما تعوضوا عن الكتم شيئاً من سحت الدّنيا، أشبه ذلك البيع والشراء، لانطوائهما على عوض ومعوض عنه، فأطلق عليه اشتراء.
وبه : الضمير عائد على الكتمان، أو الكتاب، أو على الموصول الذي هو : ما أقوال ثلاثة، أظهرها الآخر، ويكون على حذف مضاف، أي بكتم ما أنزل الله به.
والفرق بين هذا القول وقول من جعله عائداً على الكتم، أنه يكون في ذلك القول عائداً على المصدر المفهوم من قوله :﴿يكتمون﴾، وفي هذا عائداً على ما على حذف مضاف، وتقدم الكلام في تفسير قوله :﴿ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾ فأغنى عن إعادته، إلا فعل الاشتراء جعل علة هناك وهنا جعل معطوفاً على قوله ﴿يكتمون﴾، ورتب الخبر على مجموع الأمرين من الكتم والاشتراء، لأن الكتم ليست أسبابه منحصرة في الاشتراء، بل الاشتراء بعض أسبابه.
فكتم ما أنزل الله من الكتاب، وهو أمر رسول الله ﷺ، وإنكار نبوته وتبديل صفته، كان لأمور منها البغي، ﴿بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾ ومنها الخسارة، لكونه من العرب لا منهم.
ومنها طلب الرياسة، وأن يستتبعوا أهل ملتهم.
ومنها تحصيل أموالهم ورشاء ملوكهم وعوامهم.
﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ : أتى بخبر إن جملة، لأنها أبلغ من المفرد، وصدر بأولئك، إذ هو اسم إشارة دال على اتصاف المخبر عنه بالأوصاف السابقة.
وقد تقدم لنا الكلام في ذلك في قوله :﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ ثم أخبر عن أولئك بأخبار أربعة : الأول :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾، فمنهم من حمله على ظاهره وقال : إن ذلك يكون في الدنيا، وإن الرشاء التي هم يأكلونها تصير في أجوافهم ناراً، فلا يحسون بها إلا بعد الموت.
ومنع تعالى أن يدركوا أنها نار، استدراجاً وإملاء لهم.
ويكون في هذا المعنى بعض تجوز، لأنه حالة الأكل لم يكن ناراً، إنما بعد صارت في بطونهم ناراً.
وقيل : إن ذلك يكون في الآخرة، فهو حقيقة أيضاً.
واختلفوا فقيل : جميع ما أكلوه من السحت والرشاء في الدنيا يجعل ناراً في الآخرة، ثم يطعمهم الله إياه في النار.
وقيل : يأمر الزبانية أن تطعمهم النار ليكون عقوبة الأكل من جنسه.
وأكثر العلماء على تأويل قوله :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾، على معنى : أنهم يجازون على ما اقترفوه من كتم ما أنزل الله، والاشتراء به الثمن القليل، بالنار.
وإن ما اكتسبوه بهذه الأوصاف الذميمة مآله إلى النار.
وعبر بالأكل، لأنه أعظم منافع ما تصرف فيه الأموال.
وذكر في بطونهم، إما على سبيل التوكيد، إذ معلوم أن الأكل لا يكون إلا في البطن، فصار نظير :﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ أو كناية عن ملء البطن، لأنه يقال : فلان أكل في بطنه، وفلان أكل في بعض بطنه.
أو لرفع توهم المجاز، إذ يقال : أكل فلان ماله، إذا بذره، وإن لم يأكله.
وجعل المأكول النار، تسمية له بما يؤول إليه، لأنه سبب النار، وذلك كما يقولون : أكل فلان الدم، يريدون الدية، لأنها بدل من الدم، قال الشاعر :
| فلو أن حياً يقبل المال فدية | لسقنا إليه المال كالسيل مفعما |
| ولكن لنا قوم أصيب أخوهم | رضا العار واختاروا على اللبن الدما |
| أكلت دماً إن لم أرعك بضربة | بعيدة مهوى القرط طيبة النشر |
تأكل كل ليلة أكافا***
أي ثمن أكاف، ومعنى التلبس موجود في جميع ذلك.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه كثير، ومن ذلك :﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ ومن ذلك الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وذكر في بطونهم تنبيهاً على شرهم وتقبيحاً لتضييع أعظم النعم لأجل المطعوم الذي هو أحسن متناول، قاله الراغب.
وقال ابن عطية نحوه، قال : وفي ذكر البطن تنبيه على مذهبهم، بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم.
﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ : هذا الخبر الثاني عن أولئك، وظاهره نفي الكلام مطلقاً، أعني مباشرتهم بالكلام، فيكون ما جاء في القرآن، أو في السنة، مما ظاهره أنه تعالى يحاورهم بالكلام، متأولاً بأنه يأمر من يقول لهم ذلك، نحو قوله تعالى :﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ ويكون في نفي كلامه تعالى إياهم، دلالة على الغضب عليهم، ألا ترى أن من غضب على شخص صرمه وقطع كلامه ؟ لأن في التكلم، ولو كان بشر، تأنيساً مّا والتفاتاً إلى المكلم.
وقيل : معنى ولا يكلمهم الله : أي يغضب عليهم.
وليس المراد نفي الكلام، إذ قد جاء في غير موضع ما ظاهره : أنه يكلم الكافرين، قاله الحسن.
وقيل : المعنى ليس على العموم، إذ قد جاء في القرآن ما ظاهره أنه يكلمهم، كقوله :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ والسؤال لا يكون إلا بالتكليم، وقال :﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾.
فالمعنى : لا يكلمهم كلام خير وإقبال وتحية، وإنما يكلمهم كلاماً يشق عليهم.
وقيل : المعنى لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية.
وقيل : ولا يكلمهم الله، تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة الله إياهم بكلامه.
وقيل : المعنى لا يحملهم على الكلام، لأن من كلمته، كنت قد استدعيت كلامه، كأنه قال : لا يستدعي كلامهم فيكون نحو قوله :﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ فنفى الكلام، وهو يراد ما يلزم عنه، وهو استدعاء الكلام.
﴿ولا يزكيهم﴾ : هذا هو الخبر الثالث، والمعنى : لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء، أو لا ينزلهم منزلة الأزكياء.
وقيل : المعنى لا يصلح أعمالهم الخبيثة.
وقيل : المعنى لا يثني عليهم من قولهم : زكى فلاناً، إذ أثنى عليه، قاله الزجاج.
وقيل : لا يطهرهم من دنس كفرهم، وهو معنى قول بعضهم : لا يطهرهم من موجبات العذاب، قاله ابن جرير.
وقيل : المعنى لا يسميهم أزكياء.
﴿ولهم عذاب أليم﴾ : هذا هو الخبر الرابع لأولئك، وقد تقدم تفسير قوله :﴿ولهم عذاب أليم﴾ في أول السورة.
وترتب على الكتمان واشتراء الثمن القليل هذه الأخبار الأربعة، وانعطفت بالواو الجامعة لها.
وعطف الأخبار بالواو، ولا خلاف في جوازه، بخلاف أن لا تكون معطوفة، فإن في ذلك خلافاً وتفصيلاً.
وناسب ذكر هذه الأخبار ما قبلها، ومناسب عطف بعضها على بعض، لما نذكره فنقول : متى ذكر وصف ورتب عليه أمر، فللعرب فيه طريقان : أحدهما : أن تكون تلك الأمور المترتبة على الأوصاف مقابلة لها، الأول منها لأول تلك الأوصاف، والثاني للثاني، فتحصل المقابلة من حيث المعنى ومن حيث الترتيب اللفظي، حيث قوبل الأول بالأول، والثاني بالثاني.
وتارة يكون الأول من تلك الأمور مجاوراً لما يليه من تلك الأوصاف، فتحصل المقابلة من حيث المعنى، لا من حيث الترتيب اللفظي، وهذه الآية جاءت من هذا القبيل.
لما ذكر تعالى اشتراءهم الثمن القليل، وكان ذلك كناية عن مطاعمهم الخسيسة الفانية، بدأ أولاً في الخبر بقوله :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾.
ثم قابل تعالى كتمانهم الدين والكتمان، هو أن لا يتكلموا به بل يخفوه بقوله تعالى :﴿ولا يكلمهم الله﴾، فجوزوا على منع التكلم بالدين أن منعوا تكليم الله إياهم، وابتنى على كتمانهم الدين، واشترائهم بما أنزل الله ثمناً قليلاً، أنهم شهود زور وأخبار سوء، حيث غيروا نعت رسول الله ﷺ، وادعوا أن النبي المبتعث هو غير هذا، فقوبل ذلك كله بقوله :﴿ولا يزكيهم﴾.
ثم ذكر أخيراً ما أعد لهم من العذاب الأليم، فرتب على اشتراء الثمن القليل قوله :﴿ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾، وعلى الكتمان قوله :﴿ولا يكلمهم الله﴾، وعلى مجموع الوصفين قوله :﴿ولا يزكيهم عذاب أليم﴾.
فبدأ أولاً : بما يقابل فرداً فرداً، وثانياً : بما يقابل المجموع.
ولما كانت الجملة الأولى مشتملة على فعل مسند إلى الله، كان الكلام الذي قابلها فيه فعل مسند إلى الله.
ولما كانت الثانية مسندة إليهم، ليس فيها إسناد إلى الله، جاءت الجملة المقابلة لها مسندة إليهم، ولم يأت ما يطعمهم الله في بطونهم إلا النار.
وناسب ذكر هذه الآية ما قبلها، لأنه تعالى ذكر في الآية قبلها إباحة الطيبات، ثم فصل أشياء من المحرمات، فناسب أن يذكر جزاء من كتم شيئاً من دين الله، ومما أنزله على أنبيائه، فكان ذلك تحذيراً أن يقع المؤمنون فيما وقع فيه أهل الكتاب، من كتم ما أنزل الله عليهم واشترا