محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
ثم أعاد تعالى وعيد كاتمي أحكامه إثر ما ذكره من الأحكام تحذيرا لهذه الأمة أن يسلكوا سبيل من عنوا به، وهم أهل الكتاب، فقال سبحانه :﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم ١٧٤﴾.
﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب﴾ أي : من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى ﴿ويشترون به﴾ أي : يأخذون بدله ﴿ثمنا قليلا﴾ أي : مما يتمتعون به من لذات العاجلة. وقلّله لحقارته في نفسه. ففيه إشعار بدناءة نفوسهم حيث رضي بالقليل، أو بالنسبة لما فوّتوه عن أنفسهم من نعيم الآخرة الذي لا يحاط بوصفه ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ أي ما يستتبع النار ويستلزمها، فكأنه عين النار، وأكله أكلها، و﴿في بطونهم﴾ متعلق و﴿يأكلون﴾ وفائدته : تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقر المأكول.
قال الراغب : أكل النار : تناول ما يؤدي إليها. وذكر الأكل لكونه المقصود الأول بتحصيل المال. وذكر ﴿في بطونهم﴾ تنبيها على شرههم وتقبيحا لتضييع أعظم النعم لأجل الطعم الذي هو أخس متناول من الدنيا.. !
﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ قال الراغب : لم يعن نفي الكلام رأسا، فقد قال :﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ (١)، وقال :﴿ويوم يقول نادوا شركائي﴾ (٢). وإنما أراد كلاما يقتضي جدوى ؛ ولهذا قال الحسن : معناه يغضب عليهم تنبيها / أنهم بخلاف من قال فيهم ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾. وقيل : حقيقة ( كلَّمتُهُ ) حملتُه على الكلام، نحو حركته، لأن من كلّمتَه فقد استدعيت كلامه ؛ فكأنه قيل : لا يستدعي كلامهم نحو قوله :﴿لا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (٣).
﴿ولا يزكّيهم﴾ أي : يطهّرهم من دنس الذنوب لغضبه عليهم لأنهم كتموا، وقد علموا، فاستحقوا الغضب ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي : مؤلم.
١ [٧/ الأعراف/ ٦]..
٢ [١٨/ الكهف/ ٥٢] ونصها: ﴿ويوم يقول نادوا شركائي الّذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ٥٢﴾..
٣ [٧٧/ المرسلات/ ٣٦]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى