جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
يعني تعالى ذكره : كتب عليكم أيها الذين آمنوا الصيام أياما معدودات. ونصب «أياما » بمضمر من الفعل، كأنه قيل : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم أن تصوموا أياما معدودات، كما يقال : أعجبني الضرب زيدا. وقوله :﴿كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الصيام، كأنه قيل : كتب عليكم الذي هو مثل الذي كتب على الذين من قبلكم أن تصوموا أياما معدودات.
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى الله جل وعز بقوله :﴿أيّاما مَعْدُودَاتٍ﴾ فقال بعضهم : الأيام المعدودات : صوم ثلاثة أيام من كل شهر. قال : وكان ذلك الذي فرض على الناس من الصيام قبل أن يفرض عليهم شهر رمضان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال : كان عليهم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يسمّ الشهر أياما معدودات، قال : وكان هذا صيام الناس قبل ثم فرض الله عز وجل على الناس شهر رمضان.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامُ كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ﴾ وكان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ ذلك بالذي أنزل من صيام رمضان، فهذا الصوم الأول من العتمة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل : أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم أنزل الله جل وعز فرض شهر رمضان، فأنزل الله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكم الصّيامُ كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ حتى بلغ :﴿وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : قد كتب الله تعالى ذكره على الناس قبل أن ينزل رمضان صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
وقال آخرون : بل الأيام الثلاثة التي كان رسول الله ﷺ يصومها قبل أن يفرض رمضان كان تطوّعا صومهن، وإنما عنى الله جل وعز بقوله :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامُ كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. . . أيّاما مَعْدُوداتٍ﴾ أيام شهر رمضان، لا الأيام التي كان يصومهن قبل وجوب فرض صوم شهر رمضان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة، عن عمرو بن مرة قال : حدثنا أصحابنا : أن رسول الله ﷺ لما قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوّعا لا فريضة قال : ثم نزل صيام رمضان قال أبو موسى : قوله قال عمرو بن مرة، حدثنا أصحابنا، يريد ابن أبي ليلى، كان ابن أبي ليلى القائل حدثنا أصحابنا.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت عمرو بن مرة، قال : سمعت ابن أبي ليلى، فذكر نحوه.
وقد ذكرنا قول من قال : عنى بقوله :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامُ كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ شهر رمضان.
وأولى ذلك بالصواب عندي قول من قال : عنى الله جل ثناؤه بقوله :﴿أيّاما مَعْدُودَاتٍ﴾ أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوما فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان، ثم نسخ بصوم شهر رمضان، وأن الله تعالى قد بين في سياق الآية أن الصيام الذي أوجبه جل ثناؤه علينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات بإبانته، عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومها بقوله :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ﴾ فمن ادعى أن صوما كان قد لزم المسلمين فرضه غير صوم شهر رمضان الذين هم مجمعون على وجوب فرض صومه ثم نسخ ذلك، سئل البرهان على ذلك من خبر تقوم به حجة، إذ كان لا يعلم ذلك إلا بخبر يقطع العذر. وإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا للذي بينا، فتأويل الآية : كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات، هي شهر رمضان.
وجائز أيضا أن يكون معناه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ : كتب عليكم شهر رمضان.
وأما " المعدودات " : فهي التي تعد مبالغها وساعات أوقاتها، ويعني بقوله " معدودات :" محصيات.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ، وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين.﴾
يعني بقوله جل ثناؤه : من كان منكم مريضا ممن كلف صومه أو كان صحيحا غير مريض وكان على سفر فعدة من أيام أخر. يقول : فعليه صوم عدّة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره من أيام أخر، يعني من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره. والرفع في قوله :﴿فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَر﴾ نظير الرفع في قوله :﴿فاتّباعٌ بالمَعْرُوفِ﴾وقد مضى بيان ذلك هنالك بما أغنى عن إعادته.
وأما قوله :{ وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين فإن قراءة كافة المسلمين : " وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ " وعلى ذلك خطوط مصاحفهم، وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافها لنقل جميعهم تصويب ذلك قرنا عن قرن. وكان ابن عباس يقرؤها فيما رُوِي عنه :«وعلى الّذِينَ يُطَوّقُونَهُ ».
ثم اختلف قرّاء ذلك : " وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ " في معناه، فقال بعضهم : كان ذلك في أوّل ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينا حتى نسخ ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال :«إن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله جل وعز فرض شهر رمضان، فأنزل الله تعالى ذكره :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامُ﴾ حتى بلغ :﴿وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين﴾فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا. ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنزل الله عز وجل :﴿فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضا أوْ على سَفَرٍ. .﴾. إلى آخر الآية ».
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال : حدثنا أصحابنا «أن رسول الله ﷺ لما قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا غير فريضة، قال : ثم نزل صيام رمضان، قال : وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصيام، قال : وكان يشتدّ عليهم الصوم، قال : فكان من لم يصم أطعم مسكينا، ثم نزلت هذه الآية :﴿فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَر﴾َ فكانت الرخصة للمريض والمسافر، وأمرنا بالصيام ». قال محمد بن المثنى : قوله قال عمرو، حدثنا أصحابنا : يريد ابن أبي ليلى، كأن ابن أبي ليلى القائل حدثنا أصحابنا.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت عمرو بن مرة، قال : سمعت ابن أبي ليلى فذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله :﴿وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين﴾ قال : كان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم نصف صاع مسكينا، فنسخها " شَهْرُ رَمَضَانَ " إلى قوله :" فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ".
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم بنحوه، وزاد فيه قال : فنسختها هذه الآية، وصارت الآية الأولى للشيخ الذي لا يستطيع الصوم يتصدّق مكان كل يوم على مسكين نصف صاع.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح أبو تميلة، قال : حدثنا الحسين، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قوله :﴿وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين﴾ فكان من شاء منهم أن يصوم صام، ومن شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتمّ له صومه. ثم قال :﴿فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ثم استثنى من ذلك فقال :﴿وَمَنْ كانَ مَريضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَر.﴾
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سألت الأعمش عن قوله :﴿وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين﴾ فحدثنا عن إبراهيم عن علقمة، قال : نسختها :﴿فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثنا عمر بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال : نسخت هذه الآية يعني :﴿وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين﴾ التي بعدها :﴿فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ.﴾
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله :﴿وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين﴾ قال : نسختها :﴿فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي قال : نزلت هذه الآية :﴿وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين﴾كان الرجل يفطر فيتصدّق عن كل يوم على مسكين طعاما، ثم نزلت هذه الآية :﴿فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ﴾ فلم تنزل الرخصة إلا للمريض والمسافر.
حدثنا هناد بن السريّ، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي، قال : نزلت هذه الآية للناس عامة :﴿وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين﴾ وكان الرجل يفطر ويتصدّق بطعامه على مسكين، ثم نزلت هذه الآية :﴿وَمَنْ كانَ مَريضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ﴾ قال : فلم تنزل الرخصة إلا للمريض والمسافر.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، قال : دخلت على عطاء وهو يأكل في شهر رمضان فقال : إني شيخ كبير إن الصوم نزل، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا، حتى نزلت هذه الآية :{ فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضا أوْ على سَفَرٍ فَعِ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى