جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ الْهُدَىَ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
قال أبو جعفر : الشهر فيما قيل أصله من الشهرة، يقال منه : قد شهر فلان سيفه إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه، يشهره شهرا، وكذلك شهر الشهر إذا طلع هلاله، وأشهرنا نحن إذا دخلنا في الشهر. وأما رمضان فإن بعض أهل المعرفة بلغة العرب كان يزعم أنه سمي بذلك لشدة الحرّ الذي كان يكون فيه حتى تَرْمَضُ فيه الفصال، كما يقال للشهر الذي يحجّ فيه ذو الحجة، والذي يرتبع فيه ربيع الأول وربيع الآخر. وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال رمضان ويقول : لعله اسم من أسماء الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن مجاهد أنه كره أن يقال رمضان، ويقول : لعله اسم من أسماء الله، لكن نقول كما قال الله :﴿شَهْرُ رَمَضَان﴾.
وقد بينت فيما مضى أن «شهر » مرفوع على قوله : أياما معدودات، هن شهر رمضان، وجائز أن يكون رفعه بمعنى ذلك شهر رمضان، وبمعنى كتب عليكم شهر رمضان. وقد قرأه بعض القرّاء :«شَهْرَ رَمَضَانَ » نصبا، بمعنى : كتب عليكم الصيام أن تصوموا شهر رمضان. وقرأه بعضهم نصبا بمعنى أن تصوموا شهر رمضان خير لكم إن كنتم تعلمون. وقد يجوز أيضا نصبه على وجه الأمر بصومه كأنه قيل : شهر رمضان فصوموه، وجائز نصبه على الوقت كأنه قيل : كتب عليكم الصيام في شهر رمضان.
وأما قوله :﴿الّذي أُنْزلَ فيهِ القُرآنُ﴾ فإنه ذكر أنه نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان، ثم أنزل إلى محمد ﷺ على ما أراد الله إنزاله إليه. كما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حسان بن أبي الأشرس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من رمضان، فجعل في بيت العزّة. قال أبو كريب : حدثنا أبو بكر، وقال ذلك السدي.
٢٣حدثني عيسى بن عثمان، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حسان، عن سعيد بن جبير، قال : نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان، فجعل في سماء الدنيا.
حدثنا أحمد بن منصور، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء، قال : حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن ابن أبي المليح عن واثلة، عن النبي ﷺ، قال :«نزلتْ صُحُف إبراهِيمَ أوّلَ لَيْلَةٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ، وأُنْزِلَت التّوْرَاةُ لِستّ مَضَيْنَ من رَمَضَانَ، وأُنْزِلَ الإنجيلُ لثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ، وأُنْزِلَ القُرآنُ لأَرْبَعٍ وعِشْرين مِنْ رَمَضَان ».
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ، أما أنزل فيه القرآن، فإن ابن عباس قال : شهر رمضان، والليلة المباركة : ليلة القدر، فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي من رمضان، نزل القرآن جملة واحدة من الزّبر إلى البيت المعمور، وهو مواقع النجوم، في السماء الدنيا حيث وقع القرآن، ثم نزل على محمد ﷺ بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رَسَلاً رَسَلاً.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، فهو قوله :﴿أنّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ.﴾
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر نحوه، وزاد فيه : فكان بين أوله وآخره عشرون سنة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزله منه حتى جمعه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة، ثم فرّق في السنين بعدُ قال : وتلا ابن عباس هذه الآية :﴿فَلا أقْسِمُ بِمَواقِع النّجُوم﴾ قال : نزل مفرّقا.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال : بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، قرأه ابن جريج في قوله :﴿شَهْرُ رَمَضَان الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ﴾ قال : قال ابن عباس : أنزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر، فكان لا ينزل منه إلا بأمر. قال ابن جريج : كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل من القرآن في تلك السنة، فنزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا يُنزل جبريل من ذلك على محمد إلا ما أمره به ربه ومثل ذلك :﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ و﴿إنّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةً مبَاركَةٍ.﴾
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس قال له رجل : إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ﴾ وقوله :﴿إنّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَاركَةٍ﴾ وقوله :﴿إنّا أنْزَلْنَاه فِي لَيْلَةٍ القَدْرِ﴾ وقد أنزل الله في شوّال وذي القعدة وغيره قال : إنما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رَسَلاً في الشهور والأيام.
وأما قوله ﴿هُدىً للنّاسِ﴾ فإنه يعني رشادا للناس إلى سبيل الحقّ وقصد المنهج.
وأما قوله :﴿وَبَيّناتٍ﴾فإنه يعني : وواضحات من الهدى، يعني من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.
وقوله :﴿والفُرْقَان﴾ يعني : والفصل بين الحق والباطل. كما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما وَبَيّناتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقان فبينات من الحلال والحرام.

القول في تأويل قوله تعالى :: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾


اختلف أهل التأويل في معنى شهود الشهر. فقال بعضهم : هو مقام المقيم في داره، قالوا : فمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فعليه صوم الشهر كله، غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن حميد ومحمد بن عيسى الدام غاني، قالا، حدثنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾قال : هو إهلاله بالدار. يريد إذا هلّ وهو مقيم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عمن حدثه، عن ابن عباس أنه قال في قوله :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم أقام أو سافر، وإن شهده وهو في سفر، فإن شاء صام وإن شاء فطر.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة في الرجل يدركه رمضان ثم يسافر، قال : إذا شهدت أوله فضم آخره، ألا تراه يقول :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية، عن هشام الفردوسي، عن محمد بن سيرين، قال : سألت عبيدة، عن رجل أدرك رمضان وهو مقيم، قال : من صام أول الشهر فليصم آخره، ألا تراه يقول :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما من شهد منكم الشهر فليصمه، فمن دخل عليه رمضان وهو مقيم في أهله فليصمه، وإن خرج فيه فليصمه فإنه دخل عليه وهو في أهله.
حدثني المثنى، ، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، قال : أخبرنا قتادة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن عليّ فيما يحسب حماد، قال : من أدرك رمضان وهو مقيم ولم يخرج فقد لزمه الصوم، لأن الله يقول :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثنا هناد بن السرّي. قال : حدثنا عبد الرحمن، عن إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن سيرين، قال : سألت عبيدة السلماني عن قول الله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال : من كان مقيما فليصمه، ومن أدركه ثم سافر فيه فليصمه.
حدثنا هناد قال : حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال : من أشهد أول رمضان فليصم آخره.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن عليا كان يقول : إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فعليه الصوم.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبد الرحيم، عن عبيدة الضبي، عن إبراهيم قال : كان يقول : إذا أدركك رمضان فلا تسافر فيه، فإن صمت فيه يوما أو اثنين ثم سافرت فلا تفطر، صمه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال : كنا عند عبيدة، فقرأ هذه الآية :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾قال : من صام شيئا منه في المصر فليصم بقيته إذا خرج قال : وكان ابن عباس يقول : إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قالا جميعا، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد، عن أم درّة قالت : أتيت عائشة في رمضان، قالت : من أين جئت ؟ قلت : من عند أخي حنين، قالت : ما شأنه ؟ قالت : ودّعته يريد يرتحل، قالت : فأقرئيه السلام ومريه فليقم، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له.
حدثنا هناد، قال : حدثنا إسحاق بن عيسى، عن أفلح، عن عبد الرحمن، قال : جاء إبراهيم بن طلحة إلى عائشة يسلم عليها، قالت : وأين تريد ؟ قال : أردت العمرة، قالت : فجلست حتى إذا دخل عليك الشهر خرجت فيه قال : قد خرج ثقلي، قالت : اجلس حتى إذا أفطرت فاخرج يعني شهر رمضان.
وقال آخرون : معنى ذلك : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ما شهد منه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد بن السري، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق : أن أبا ميسرة خرج في رمضان حتى إذا بلغ القنطرة دعا ماءً فشرب.
حدثنا هناد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، قال : خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرا، فمرّ بالفرات وهو صائم، فأخذ منه كفّا فشربه وأفطر.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرثد : أن أبا م

تفسير هذه الآية من كتب أخرى