محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٨٥ من سورة البقرة في ١٢٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٠٩ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٨٥ من سورة البقرة

١٢٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ الْهُدَىَ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
قال أبو جعفر : الشهر فيما قيل أصله من الشهرة، يقال منه : قد شهر فلان سيفه إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه، يشهره شهرا، وكذلك شهر الشهر إذا طلع هلاله، وأشهرنا نحن إذا دخلنا في الشهر. وأما رمضان فإن بعض أهل المعرفة بلغة العرب كان يزعم أنه سمي بذلك لشدة الحرّ الذي كان يكون فيه حتى تَرْمَضُ فيه الفصال، كما يقال للشهر الذي يحجّ فيه ذو الحجة، والذي يرتبع فيه ربيع الأول وربيع الآخر. وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال رمضان ويقول : لعله اسم من أسماء الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن مجاهد أنه كره أن يقال رمضان، ويقول : لعله اسم من أسماء الله، لكن نقول كما قال الله :﴿شَهْرُ رَمَضَان﴾.
وقد بينت فيما مضى أن «شهر » مرفوع على قوله : أياما معدودات، هن شهر رمضان، وجائز أن يكون رفعه بمعنى ذلك شهر رمضان، وبمعنى كتب عليكم شهر رمضان. وقد قرأه بعض القرّاء :«شَهْرَ رَمَضَانَ » نصبا، بمعنى : كتب عليكم الصيام أن تصوموا شهر رمضان. وقرأه بعضهم نصبا بمعنى أن تصوموا شهر رمضان خير لكم إن كنتم تعلمون. وقد يجوز أيضا نصبه على وجه الأمر بصومه كأنه قيل : شهر رمضان فصوموه، وجائز نصبه على الوقت كأنه قيل : كتب عليكم الصيام في شهر رمضان.
وأما قوله :﴿الّذي أُنْزلَ فيهِ القُرآنُ﴾ فإنه ذكر أنه نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان، ثم أنزل إلى محمد ﷺ على ما أراد الله إنزاله إليه. كما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حسان بن أبي الأشرس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من رمضان، فجعل في بيت العزّة. قال أبو كريب : حدثنا أبو بكر، وقال ذلك السدي.
٢٣حدثني عيسى بن عثمان، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حسان، عن سعيد بن جبير، قال : نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان، فجعل في سماء الدنيا.
حدثنا أحمد بن منصور، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء، قال : حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن ابن أبي المليح عن واثلة، عن النبي ﷺ، قال :«نزلتْ صُحُف إبراهِيمَ أوّلَ لَيْلَةٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ، وأُنْزِلَت التّوْرَاةُ لِستّ مَضَيْنَ من رَمَضَانَ، وأُنْزِلَ الإنجيلُ لثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ، وأُنْزِلَ القُرآنُ لأَرْبَعٍ وعِشْرين مِنْ رَمَضَان ».
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ، أما أنزل فيه القرآن، فإن ابن عباس قال : شهر رمضان، والليلة المباركة : ليلة القدر، فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي من رمضان، نزل القرآن جملة واحدة من الزّبر إلى البيت المعمور، وهو مواقع النجوم، في السماء الدنيا حيث وقع القرآن، ثم نزل على محمد ﷺ بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رَسَلاً رَسَلاً.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، فهو قوله :﴿أنّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ.﴾
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر نحوه، وزاد فيه : فكان بين أوله وآخره عشرون سنة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزله منه حتى جمعه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة، ثم فرّق في السنين بعدُ قال : وتلا ابن عباس هذه الآية :﴿فَلا أقْسِمُ بِمَواقِع النّجُوم﴾ قال : نزل مفرّقا.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال : بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، قرأه ابن جريج في قوله :﴿شَهْرُ رَمَضَان الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ﴾ قال : قال ابن عباس : أنزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر، فكان لا ينزل منه إلا بأمر. قال ابن جريج : كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل من القرآن في تلك السنة، فنزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا يُنزل جبريل من ذلك على محمد إلا ما أمره به ربه ومثل ذلك :﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ و﴿إنّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةً مبَاركَةٍ.﴾
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس قال له رجل : إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ﴾ وقوله :﴿إنّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَاركَةٍ﴾ وقوله :﴿إنّا أنْزَلْنَاه فِي لَيْلَةٍ القَدْرِ﴾ وقد أنزل الله في شوّال وذي القعدة وغيره قال : إنما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رَسَلاً في الشهور والأيام.
وأما قوله ﴿هُدىً للنّاسِ﴾ فإنه يعني رشادا للناس إلى سبيل الحقّ وقصد المنهج.
وأما قوله :﴿وَبَيّناتٍ﴾فإنه يعني : وواضحات من الهدى، يعني من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.
وقوله :﴿والفُرْقَان﴾ يعني : والفصل بين الحق والباطل. كما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما وَبَيّناتٍ مِنَ الهُدَى والفُرْقان فبينات من الحلال والحرام.

القول في تأويل قوله تعالى :: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾


اختلف أهل التأويل في معنى شهود الشهر. فقال بعضهم : هو مقام المقيم في داره، قالوا : فمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فعليه صوم الشهر كله، غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن حميد ومحمد بن عيسى الدام غاني، قالا، حدثنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾قال : هو إهلاله بالدار. يريد إذا هلّ وهو مقيم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عمن حدثه، عن ابن عباس أنه قال في قوله :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم أقام أو سافر، وإن شهده وهو في سفر، فإن شاء صام وإن شاء فطر.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة في الرجل يدركه رمضان ثم يسافر، قال : إذا شهدت أوله فضم آخره، ألا تراه يقول :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية، عن هشام الفردوسي، عن محمد بن سيرين، قال : سألت عبيدة، عن رجل أدرك رمضان وهو مقيم، قال : من صام أول الشهر فليصم آخره، ألا تراه يقول :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما من شهد منكم الشهر فليصمه، فمن دخل عليه رمضان وهو مقيم في أهله فليصمه، وإن خرج فيه فليصمه فإنه دخل عليه وهو في أهله.
حدثني المثنى، ، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، قال : أخبرنا قتادة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن عليّ فيما يحسب حماد، قال : من أدرك رمضان وهو مقيم ولم يخرج فقد لزمه الصوم، لأن الله يقول :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.﴾
حدثنا هناد بن السرّي. قال : حدثنا عبد الرحمن، عن إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن سيرين، قال : سألت عبيدة السلماني عن قول الله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال : من كان مقيما فليصمه، ومن أدركه ثم سافر فيه فليصمه.
حدثنا هناد قال : حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال : من أشهد أول رمضان فليصم آخره.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن عليا كان يقول : إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فعليه الصوم.
حدثنا هناد، قال : حدثنا عبد الرحيم، عن عبيدة الضبي، عن إبراهيم قال : كان يقول : إذا أدركك رمضان فلا تسافر فيه، فإن صمت فيه يوما أو اثنين ثم سافرت فلا تفطر، صمه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال : كنا عند عبيدة، فقرأ هذه الآية :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾قال : من صام شيئا منه في المصر فليصم بقيته إذا خرج قال : وكان ابن عباس يقول : إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قالا جميعا، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد، عن أم درّة قالت : أتيت عائشة في رمضان، قالت : من أين جئت ؟ قلت : من عند أخي حنين، قالت : ما شأنه ؟ قالت : ودّعته يريد يرتحل، قالت : فأقرئيه السلام ومريه فليقم، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له.
حدثنا هناد، قال : حدثنا إسحاق بن عيسى، عن أفلح، عن عبد الرحمن، قال : جاء إبراهيم بن طلحة إلى عائشة يسلم عليها، قالت : وأين تريد ؟ قال : أردت العمرة، قالت : فجلست حتى إذا دخل عليك الشهر خرجت فيه قال : قد خرج ثقلي، قالت : اجلس حتى إذا أفطرت فاخرج يعني شهر رمضان.
وقال آخرون : معنى ذلك : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ما شهد منه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد بن السري، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق : أن أبا ميسرة خرج في رمضان حتى إذا بلغ القنطرة دعا ماءً فشرب.
حدثنا هناد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، قال : خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرا، فمرّ بالفرات وهو صائم، فأخذ منه كفّا فشربه وأفطر.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرثد : أن أبا م
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأن تصومُوا خيرٌ لكم".... (١)
* * *
وأما قوله:"إن كنتم تعلمون"، فإنه يعني: إن كنتم تعلمون خيرَ الأمرين لكم أيها الذين آمنوا، من الإفطار والفدية، أو الصوم على ما أمركم الله به.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾


قال أبو جعفر:"والشهر"، فيما قيل، أصله من"الشهرة". يقال منه:"قد شَهر فلانٌ سَيْفه" -إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه-"يشهرُه شهرًا". وكذلك"شَهر الشهر"، إذا طلع هلاله،"وأشهرْنا نحن"، إذا دخلنا في الشهر.
* * *
وأما"رمضان"، فإن بعض أهل المعرفة بلغة العرب كان يزعم أنه سمى بذلك لشدة الحرِّ الذي كان يكون فيه، حتى تَرْمَض فيه الفِصَال، (٢) كما يقال للشهر الذي يُحجّ فيه"ذو الحجة"، والذي يُرتبع فيه"ربيع الأول، وربيع الآخر".
* * *
وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال:"رمضان"، ويقول: لعله اسمٌ من أسماء الله.
٢٨١١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن
(١) الأثر: ٢٨١٠- سقط آخره، ولم أجده في المراجع. ولكن صوابه كالذي قبله: من الإفطار والفدية، كما هو ظاهر.
(٢) الفصال جمع فصيل: وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه. ورمض الفصال: أن تحترق الرمضاء -وهو الرمل- فتبرك الفصال من شدة حرها، وإحراقها أخفافها وفراسنها. ورمضت قدمه من الرمضاء: احترقت.
مجاهد: أنه كره أن يقال:"رمضان"، ويقول: لعله اسم من أسماء الله لكن نقول كما قال الله:"شهر رمضان".
* * *
وقد بينت فيما مضى أن"شهر" مرفوع على قوله:"أيامًا معدودات"، هن شهر رمضان. (١) وجائز أن يكون رفعه بمعنى: ذلك شهر رمضان، وبمعنى: كتب عليكم شهرُ رمضان.
وقد قرأه بعض القراء"شهرَ رَمضان" نصبًا، بمعنى: كتب عليكم الصيام أن تصوموا شهرَ رمضان. وقرأه بعضهم نصبًا بمعنى: أن تصوموا شهرَ رمضان خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون وقد يجوز أيضًا نصبه على وجه الأمر بصومه، كأنه قيل: شهرَ رمضان فصومُوه. وجائز نصبه على الوقت، كأنه قيل: كتب عليكم الصيام في شهر رمضان.
* * *
وأما قوله:"الذي أنزل فيه القرآن"، فإنه ذكر أنه نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان. ثم أنزل إلى محمد ﷺ على ما أراد الله إنزاله إليه، كما:-
٢٨١٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حسان بن أبي الأشرَس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملةً من الذكر في ليلة أربع وعشرين من رمضان، فجُعل في بيت العزَّة - قال أبو كريب: حدثنا أبو بكر، وقال ذلك السدي.
٢٨١٣- حدثني عيس بن عثمان قال، حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حسان، عن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة واحدةً في ليلة القدر في شهر رمضان، فجعل في سماء الدنيا. (٢)
(١) انظر ما سلف آنفًا: ٤١٥، ٤١٧.
(٢) الأثر: ٢٨١٣- في المطبوعة: "يحيى عن عيسى"، وهو خطأ. وانظر التعليق على الأثر رقم: ٣٠٠.
٢٨١٤- حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة، عن النبي ﷺ قال:"نزلت صُحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراةُ لست مَضَين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاثَ عَشرة خلت، وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان. (١)
٢٨١٥- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"شهرُ رَمضان الذي أنزل فيه القرآن". أما"أنزل فيه القرآن"، فإن ابن عباس قال: شهر رمضان، والليلةُ المباركة ليلةُ القدر، فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان، نزل القرآن جملةً واحدة من الزُّبُر إلى البيت المعمور، وهو"مواقع النجوم" في السماء الدنيا حيث وقع القرآن، ثم نزل محمد ﷺ بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رَسَلا رَسَلا. (٢)
٢٨١٦- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يُوحِيَ منه شيئًا أوحاه، فهو قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [سورة القدر: ١].
(١) الحديث: ٢٨١٤- عبد الله بن رجاء بن عمرو الغداني: ثقة من شيوخ البخاري. و"الغداني": بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة.
عمران القطان: هو عمران بن داور، مضى في: ١٢٦. وكنيته"أبو العوام".
أبو المليح: هو ابن أسامة الهذلي، وهو تابعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. ووقع في المطبوعة"عن ابن أبي المليح". وزيادة"ابن" خطأ واضح.
واثلة - بالثاء المثلثة: هو ابن الأسقع، صحابي معروف. والحديث رواه أحمد في المسند: ١٧٠٥١ (٤: ١٠٧ حلبي)، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن عمران أبي العوام، بهذا الإسناد، وهو إسناد صحيح.
ونقله ابن كثير ١: ٤٠٦، عن المسند. وكذلك السيوطي ١: ١٨٩، وزاد نسبته إلى محمد بن نصر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب.
(٢) رسلا رسلا: أي قطعة قطعة، وفرقة فرقة.
٢٨١٧- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر نحوه - وزاد فيه: فكان من أوله وآخره عشرون سنة.
٢٨١٨- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل القرآنُ كله جملةً واحدةً في ليلة القدر في رمضان، إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شَيئًا أنزله منه، حتى جمعه.
٢٨١٩- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة، ثم فرَّق في السنين بعدُ. قال: وتلا ابن عباس هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [سورة الواقعة: ٧٥]، قال: نزل مفرَّقًا.
٢٨٢٠- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.
٢٨٢١- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، قرأه ابن جريج في قوله: (١) "شهرُ رَمضان الذي أنزل فيه القرآن"، قال: قال ابن عباس: أنزل القرآن جملةً واحدة على جبريل في ليلة القدر، فكان لا ينزل منه إلا بأمر. قال ابن جريج: كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كلُّ شيء ينزل من القرآن في تلك السنة. فنزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا ينزل جبريلُ من ذلك على محمد إلا ما أمره به ربه. ومثل ذلك (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) و (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) [سورة الدخان: ٣].
(١) هكذا في المطبوعة، ولم أدر ما هو، وأخشى أن يكون صوابه"قرأ ابن جريج قوله.. ".
٢٨٢٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال له رجل: إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله:"شهرُ رَمضان الذي أنزل فيه القرآن"، وقوله: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) وقوله (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، وقد أنزل الله في شوّال وذي القعدة وغيره! قال: إنما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدةً، ثم أنزل على مَواقع النجوم رَسَلا في الشهور والأيام.
* * *
وأما قوله:"هُدى للناس"، فإنه يعني رَشادًا للناس إلى سبيل الحقّ وقَصْد المنهج. (١)
* * *
وأما قوله:"وَبيِّنات"، فإنه يعني: وواضحات"من الهدى" - يعني: من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه. (٢)
* * *
وقوله:"والفرقان" يعني: والفصل بين الحق والباطل، (٣) كما:-
٢٨٢٣- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدى: أما"وبينات من الهدى والفرقان"، فبينات من الحلال والحرام.
* * *
(١) انظر تفسير"هدى" فيما سلف في فهرس اللغة.
(٢) انظر تفسير"بينات" فيما سلف في فهرس اللغة.
(٣) انظر تفسير"فرقان" فيما سلف ١: ٩٨-٩٩.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى"شهود الشهر".
فقال بعضهم: هو مُقام المقيم في داره. قالوا: فمن دخل عليه شهرُ رمضان وهو مقيم في داره، فعليه صوم الشهر كله، غابَ بعدُ فسافر، أو أقام فلم يبرح.
* ذكر من قال ذلك:
٢٨٢٤- حدثني محمد بن حميد ومحمد بن عيسى الدام غاني قالا حدثنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله:"فمن شَهد منكم الشهر فليصمه"، قال: هو إهلاله بالدار. يريد: إذا هلَّ وهو مُقيم.
٢٨٢٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عمن حدثه، عن ابن عباس أنه قال. في قوله:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم، أقام أو سافر. وإن شهده وهو في سَفر، فإن شاء صامَ وإن شَاء أفطر.
٢٨٢٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة -في الرجل يُدركه رمضان ثم يُسافر - قال: إذا شهدتَ أوله فصُمْ آخره، ألا تراه يقول:"فمن شَهدَ منكم الشهر فليصمه"؟
٢٨٢٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام القردوسي، عن محمد بن سيرين قال، سألت عَبيدة: عن رجل أدرك رمضان وهو مقيم؟ قال: من صام أول الشهر فليصم آخره، ألا تراه يقول: فَمنْ شهد منكم الشهرَ فليصمه". (١)
(١) الأثر: ٢٨٢٧- في المطبوعة: "الفردوسي"، والصواب بالقاف المضمومة، هشام بن حسان الأزدي القردوسي أبو عبد الله البصري، روي عن حميد بن هلال والحسن البصري ومحمد وأنس وحفص بني سيرين وغيرهم، وروى عنه عكرمة بن عمار وسعيد بن أبي عروبة وابن علية وغيرهم. يقال هو منسوب إلى درب بالبصرة يقال له"القراديس"، وهو جمع قردوس، وهو أبو حي من اليمن، سمى الدرب بهم. ويقال: هو مولى لهذ الحي. قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. ومات سنة ١٤٦.
٢٨٢٨- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"منْ شَهد منكم الشهر فليصمه"، فمن دخل عليه رمضان وهو مقيم في أهله فليصُمه، وإن خَرج فيه فليصُمه، فإنه دَخل عليه وهو في أهله.
٢٨٢٩- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا قتادة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي -فيما يحسب حماد- قال: من أدرك رَمضان وهو مقيم لم يَخرج، فقد لزمه الصوم، لأن الله يقول:"فمن شَهد منكم الشهر فليصمه".
٢٨٣٠- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عبد الرحمن، عن إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن قول الله:"فمن شَهد منكم الشهر فليصمه"، قال: من كان مقيمًا فليصُمه، ومن أدركه ثم سافر فيه فليصمه.
٢٨٣١- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: من شهد أول رمضان فليصم آخرَه.
٢٨٣٢- حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن عليًّا كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيمٌ ثم سافر، فعليه الصوم.
٢٨٣٣- حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم، عن عُبيدة الضبي، عن إبراهيم قال: كان يقول: إذا أدركك رمضانُ فلا تسافر فيه، فإن صمت فيه يومًا أو اثنين ثم سافرت، فلا تفطر، صُمه.
٢٨٣٤- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري. قال: كنا عند عُبيدة فقرأ هذه الآية:
"فَمن شَهد منكم الشهر فليصمه"، قال: من صام شيئًا منه في المصر فليصم بقيته إذا خرج. قال: وكان ابن عباس يقول: إن شاء صَام وإن شَاء أفطر.
٢٨٣٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب -وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية- قالا جميعًا، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد، عن أم ذرة، قالت: أتيت عائشه في رمضان، قالت: من أين جئتِ؟ قلت: من عند أخي حنين. قالت: ما شأنه؟ قالت: ودَّعته يُريد يرتحل. قالت: فأقرئيه السلام ومُريه فليُقم، فلو أدركني رمضانُ وأنا ببعض الطريق لأقمت له. (١)
٢٨٣٦- حدثنا هناد قال، حدثنا إسحاق بن عيسى، عن أفلح، عن عبد الرحمن، قال: جاء إبراهيم بن طلحة إلى عائشة يُسلّم عليها، قالت: وأين تريد؟ قال: أردتُ العمرة. قالت: فجلستَ حتى إذا دخل عليك الشهر خرجتَ فيه! قال: قد خرج ثَقَلي! قالت: اجلس، حتى إذا أفطرت فاخرج - يعني شهرَ رمضان. (٢)
* * *
(١) الخبر: ٢٨٣٥- أبو زيد: هو المدني، يعد في أهل البصرة. وهو تابعي ثقة، وثقه ابن معين. وترجمه البخاري في الكنى، رقم: ٧٨٤، وقال: "سمع ابن عمر". وابن أبي حاتم ٤/٢/٤٥٨-٤٥٩. وفي التهذيب عن الآجري، عن أبي داود: "سألت أحمد عنه، فقال: تسأل عن رجل روى عنه أيوب؟ "
أم ذرة -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء- مولاة عائشة: تابعية ثقة. مترجمة في التهذيب. وابن سعد ٨: ٣٥٧، وذكر لها روايتين أخريين عن عائشة، روى أحدهما مطولا قبل ذلك في ترجمة عائشة ٨: ٤٦.
أما أخوها"حنين": فإني لم أجد له ذكرًا في غير هذا الموضع.
والخبر ذكره السيوطي ١: ١٩١، بنحو معناه، ونسبه لعبد بن حميد فقط. ولم يسم فيه"حنين" أخو"أم ذرة"، بل ذكر أنه أخوها فقط.
(٢) الخبر: ٢٨٣٦- إسحاق بن عيسى: هو ابن الطباع البغدادي، ثقة من الرواة عن مالك وطبقته.
أفلح: هو ابن حميد بن نافع المدني، وهو ثقة معروف، روى له الشيخان.
عبد الرحمن هو ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ثقة إمام، من خيار المسلمين. ولد في حياة عائشة.
إبراهيم بن طلحة: هو إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي، نسب هنا إلى جده. وهو تابعي ثقة رفيع الشأن.
وهذا الخبر نقله السيوطي ١: ١٩١، ونسبه لعبد بن حميد فقط. وفيه أنه"عن عبد الرحمن بن القاسم: أن إبراهيم بن محمد جاء إلى عائشة.. "، فذكر نحو مما هنا، بمعناه.
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن شهد منكم الشهر فليصُمْ ما شهد منه.
* ذكر من قال ذلك:
٢٨٣٧- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق: أن أبا مَيسرة خرج في رمضان، حتى إذا بلغ القنطرة دعا ماءً فشرب.
٢٨٣٨- حدثنا هناد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا، فمرّ بالفرات وهو صائم، فأخذ منه كفًّا فشربه وأفطر.
٢٨٣٩- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرثد: أن أبا مَيسرة سافرَ في رمضان، فأفطر عند باب الجسر - هكذا قال هناد، عن مرثد، وإنما هو أبو مَرثد.
٢٨٤٠- حدثني محمد بن عمارة الأسديّ قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مرثد: أنه خرج مع أبي ميسرة في رمضان، فلما انتهى إلى الجسر أفطر. (١)
(١) الخبران: ٢٨٣٩، ٢٨٤٠- هما من رواية أبي إسحاق السبيعي، عن"مرثد"، عن"أبي ميسرة".
وقال الطبري في أولهما: "هكذا قال هناد: عن مرثد، وإنما هو: عن أبي مرثد"! يعني أن شيخه في أولهما، وهو"هناد"، أخطأ في ذلك، ومن عجب أنه يرويه عقبه في الرواية الثانية، عن شيخ آخر، بإسناد آخر إلى أبي إسحاق -كرواية هناد، التي زعم أنه أخطأ فيها!
وعندي أن أبا جعفر -رحمه الله- هو الذي وهم، أصاب الصواب فأخطأه:
أما أولا: فلاتفاق راويين حافظين ثقتين، هما سفيان الثوري في الإسناد الأول، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي في الإسناد الثاني - كلاهما عن أبي إسحاق أنه"عن مرثد".
وأما ثانيًا: فلأنا لا نعرف في الرواة من كنيته"أبو مرثد"، إلا"أبا مرثد الغنوي كناز بن الحصين"، وهو صحابي قديم الوفاة، مات سنة ١٢. إلا أن يكون الطبري يعرف راويًا آخر بهذه الكنية لم يصل إلينا خبره. وما أظن.
وأبو ميسرة، صاحب الخبر في الروايتين: هو عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، وهو تابعي كبير ثقة، من شيوخ أبي إسحاق السبيعي. مات سنة ٦٣، وشهد السبيعي جنازته. ولو شاء أبو إسحاق أن يروي هذا الخبر عنه دون واسطة، لما دفع عن ذلك، إذ عرف بالرواية عنه. ولكنه لم يشأ أن يدلس في خبر لم يشهده بنفسه، فرواه عمن شهده. وهو"مرثد".
والراجح عندي: أنه"مرثد بن عبد الله اليزني"، وهو تابعي أقدم قليلا من السبيعي. مات مرثد سنة ٩٠. ومات السبعي -وهو تابعي أيضًا- سنة ١٢٦ أو بعدها بقليل.
فعن هذا كله رجحت -بل استيقنت- أن أبا جعفر رحمه الله، هو الذي وهم.
٢٨٤١- حدثنا هناد وأبو هشام قالا حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحسن بن سعد، عن أبيه قال: كنت مع عليّ في ضيعة له على ثلاث من المدينة، فخرجنا نريد المدينة في شهر رمضان، وعليٌّ راكبٌ وأنا ماشٍ، قال: فصام - قال هناد: وأفطرت- قال أبو هشام: وأمرني فأفطرتُ.
٢٨٤٢- حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم، عن عبد الرحمن بن عتبة، عن الحسن بن سعد، عن أبيه قال: كنت مع عليّ بن أبي طالب وهو جَاءٍ من أرض له، فصام، وأمرني فأفطرت، فدخل المدينة ليلا وكان راكبًا وأنا ماشٍ.
٢٨٤٣- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع -وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي- قالا جميعًا، حدثنا سفيان، عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي: أنه سافر في شهر رمضان فأفطر عند باب الجسر.
٢٨٤٤- حدثني ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، قال لي سفيان: أحبُّ إليّ أن تُتمه.
٢٨٤٥- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة قال: سألت الحكمَ وحمادًا، وأردت أن أسافر في رمضان فقالا لي: اخرج. وقال حماد، قال إبراهيم: أما إذا كان العَشر، فأحبُّ إليَّ أن يقيم.
٢٨٤٦- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا من أدركه الصومُ وهو مقيم رمضان ثم سافر، قالا إن شَاءَ أفطر.
* * *
وقال آخرون:"فَمن شهد منكم الشهر فليصمه"، يعني: فمن شهده عاقلا بالغًا مكلفًا فليصمه.
وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه، كانوا يقولون: من دخل عليه شهرُ رمضان وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صومه، فإن جُنّ بعد دُخوله عليه وهو بالصفة التي وصفنا، ثم أفاقَ بعد انقضائه، لزمه قضاءُ ما كان فيه من أيام الشهر مغلوبًا على عقله، لأنه كان ممن شهده وهو ممن عليه فُرض.
قالوا: وكذلك لو دخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنونٌ، إلا أنه ممن لو كان صحيحَ العقل كان عليه صَوْمه، فلن ينقضي الشهر حتى صَح وَبرأ، أو أفاق قبل انقضاء الشهر بيوم أو أكثر من ذلك، فإنّ عليه قضاءُ صوْم الشهر كله، سوى اليوم الذي صامه بَعد إفاقته، لأنه ممن قد شَهد الشهر.
قالوا: ولو دَخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنون، فلم يفق حتى انقضى الشهرُ كله، ثم أفاق، لم يلزمه قضاء شيء منه، لأنه لم يكن ممن شَهده مكلَّفًا صَوْمَه.
قال أبو جعفر: وهذا تأويل لا معنى له، لأنّ الجنون إن كانَ يُسقط عمن كان به فَرْضَ الصومِ، من أجل فقد صاحبه عَقله جميع الشهر، فقد يجب أن يكونَ ذلك سبيلَ كل من فقد عقله جميع شهر الصوم. وقد أجمع الجميعُ على أن من فقد عقله جميع شَهر الصوم بإغماء أو بِرْسام، (١) ثم أفاق بعد انقضاء الشهر، أن عليه قضاءُ الشهر كله. ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأمة. وإذ كان إجماعًا، فالواجب أن يكون سبيلُ كل من كان زائلَ العقل جميع شهر الصوم، سبيلَ المغمى عليه. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن تأويل الآية غير الذي تأوَّلها قائلو هذه المقالة: من أنه شُهود الشهر أو بعضه مكلفًا صومَه. وإذا بطل ذلك، فتأويل المتأوِّل الذي زعم أن معناه: فمن شهد أوله مقيما حاضرًا
(١) البرسام: علة يهذي فيها صاحبها. قالوا: هو ورم حار يعرض للحجاب الذي بين الكبد والأمعاء، ثم يتصل إلى الدماغ.
فعليه صَوْم جميعه، أبطلُ وأفسدُ، لتظاهر الأخبار عن رَسول الله ﷺ أنه خرج عَام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صَام بعضه، وأفطرَ وأمر أصحابه بالإفطار.
٢٨٤٧- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:"سافرَ رسول الله ﷺ في رمضان من المدينة إلى مكة، حتى إذا أتى عُسْفان نزل به، فدعا بإناء فوضعه على يَده ليراه الناسُ، ثم شربه.
٢٨٤٨- حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ بنحوه
٢٨٤٩- حدثنا هناد، حدثنا عبيدة، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ بنحوه. (١)
٢٨٥٠- حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: مضى رسول الله ﷺ لسفره عام الفتح لعشر مضين من رمضان، فصامَ رسول الله ﷺ وصامَ الناسُ معه، حتى إذا أتى الكُدَيْد -ما بين عُسْفان وأَمَج- أفطر.
٢٨٥١- حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال خرج رسول الله
(١) الأحاديث: ٢٨٤٧-٢٨٤٩، هي ثلاثة أسانيد لحديث واحد.
فأولها فيه"عن مجاهد، عن ابن عباس"، وفي الآخرين بينها"طاوس".
والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، بأطول مما هنا: ٢٣٥٠، عن عبيدة، عن منصور، بالإسناد الثاني هنا، ورواه أيضًا: ٢٢٥١، عن حسين، عن شيبان، عن منصور.
ورواه أيضًا -مطولا- الشيخان، كما في المنتقى: ٢١٧٥. فهو حديث صحيح متفق عليه.
صلى الله عليه وسلم لعشرٍ -أو لعشرين- مضت من رَمضان عام الفتح، فصام حتى إذا كان بالكديد أفطر. (١)
٢٨٥٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سالم بن نوح قال، حدثنا عمر بن عامر، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ قال: خرجنا مع النبي ﷺ لثمان عشرَةَ مضتْ من رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يَعِب المفطرُ على الصائم، ولا الصائم على المفطر. (٢)
* * *
فإذ كانا فاسدين هذان التأويلان، (٣) بما عليه دَللنا من فسادهما - فَبيِّنٌ أن الصحيح من التأويل هو الثالث، (٤) وهو قول من قال: فمن شهد منكم الشهر فليصمه، جميعَ ما شهد منه مقيمًا، ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر.
* * *
(١) الحديثان: ٢٨٥٠، ٢٨٥١- هما إسنادان آخران صحيحان، للحديث السابق، بلفظ أطول، ومن وجه آخر، من رواية ابن إسحاق، عن الزهري. وهو في سيرة ابن هشام، (ص ٨١٠ أوربة - ٤: ٤٢ طبعة الحلبي)، بلفظ أطول مما هنا. وكذلك رواه أحمد في المسند: ٢٣٩٢، من طريق ابن إسحاق.
ورواه أحمد أيضًا: ١٨٩٢، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، مختصرًا، ورواه بأطول منه: ٣٠٨٩، عن عبد الزاق، عن معمر، عن الزهري.
وانظر تاريخ ابن كثير ٤: ٢٨٥-٢٨٧.
(٢) الحديث: ٢٨٥٢- سالم بن نوح، أبو سعيد العطار: ثقة من شيوخ أحمد.
عمر بن عامر السلمي البصري القاضي: ثقة ثبت في الحديث، كما قال أحمد.
والحديث رواه مسلم في صحيحه ١: ٣٠٨، بأسانيد كثيرة، منها إسناد عن محمد بن المثنى، عن سالم بن نوح، عن عمر بن عامر، عن قتادة، بهذا الإسناد.
ثم رواه بأسانيد أخر ١: ٣٠٨-٣٠٩، عن أبي نضرة عن أبي سعيد.
ونسبه السيوطي ١: ١٩٠-١٩١ أيضًا للترمذي والنسائي.
(٣) في المطبوعة: "فإذا كان فاسدين... "، والصواب ما أثبته.
(٤) في المطبوعة: "فتبين"، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر في الشهر فأفطر، فعليه صيامُ عدة الأيام التي أفطرها، من أيام أخرَ غير أيام شهر رمضان.
* * *
ثم اختلف أهل العلم في المرَض الذي أباح الله معه الإفطار، وأوجب معه عده من أيام أخر.
فقال بعضهم: هو المرض الذي لا يُطيق صاحبه معه القيام لصَلاته.
* ذكر من قال ذلك:
٢٨٥٣- حدثنا معاذ بن شعبة البصري قال، حدثنا شريك، عن مغيره، عن إبراهيم وإسماعيل بن مسلم، عن الحسن أنه قال: إذا لم يستطع المريضُ أن يُصَلِّي قائمًا أفطر. (١)
٢٨٥٤- حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم، عن مغيرة -أو عبيدة- عن إبراهيم، في المريض إذا لم يستطع الصلاةَ قائمًا فليفطر. يعني: في رمضان.
٢٨٥٥- حدثنا هناد قال، حدثنا حفص بن غياث، عن إسماعيل قال: سألت الحسن: متى يُفطر الصائم؟ قال: إذا جَهده الصوم. قال: إذا لم
(١) الخبر: ٢٨٥٣- معاذ بن شعبة البصري، شيخ الطبري: ترجمه ابن أبي حاتم ٤/١/٢٥١، قال: "معاذ بن شعبة أبو سهل البصري، روى عن عباد بن العوام، وعثمان بن مطر. روى عنه موسى بن إسحاق الأنصاري". ولم أجد له ترجمة غير ذلك. فهو شيخ قديم من شيوخ الطبري، لأنه يروي عن"عباد بن العوام" المتوفى سنة ١٨٥، و"شريك بن عبد الله النخعي" المتوفى سنة ١٨٨. وتلميذه الذي ذكره ابن أبي حاتم، وهو"موسى بن إسحاق بن موسى الأنصاري الخطمي، قاضي الري"، من شيوخ ابن أبي حاتم، كما في ترجمته عنده ٤/١/١٣٥.
يستطع أن يُصلي الفرائض كما أمِر. (١)
* * *
وقال بعضهم: وهو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةُ في علته زيادة غير مُحتملة. (٢) وذلك هو قول محمد بن إدريس الشافعي، حدثنا بذلك عنه الربيع.
* * *
وقال آخرون: وهو [كلّ] مرض يسمى مرَضًا. (٣)
* ذكر من قال ذلك:
٢٨٥٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا الحسن بن خالد الربعي قال، حدثنا طريف بن شهاب العُطاردي: أنه دخل على محمد بن سيرين في رَمضان وهو يأكل، فلم يسأله. فلما فرغ قال: إنه وَجعتْ إصبعي هذه. (٤)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن"المرض" الذي أذن
(١) في المطبوعة: "كما مر"، وكأن الصواب ما أثبت.
(٢) في المطبوعة: "زيادة غير المحتملة" وهو كلام ليس بعربي. ونص عبارة الشافعي في الأم ١: ٨٩"وإن زاد مرض المريض زيادة بينة أفطر، وإن كان زيادة محتملة لم يفطر".
(٣) في المطبوعة: "هو مرض يسمى مرضًا"، والصواب زيادة [كل].
(٤) الخبر: ٢٨٥٦- الحسن بن خالد الربعي: ترجمه ابن أبي حاتم ١/٢/١٠ قال: "الحسن بن خالد بن باب القريعي. روي عن طريف بن شهال العطاردي. روى عنه محمد بن المثنى". فهو الشيخ الذي هنا، ولم أجد له ترجمة غيرها. وقد علق العلامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني-مصحح الكتاب- عند قوله"القريعي"، بأن في بعض النسخ"القرايعي"، وأنه سيأتي في باب"خالد""خالد بن باب الربعي"، وأنه"يمكن أن يكون هو والد الحسن هذا". وهذا نظر دقيق منه -حفظه الله- يؤيده نسبته هنا في الطبري"الربعي". و"خالد بن باب الربعي": مترجم في الكبير ٢/١/١٣٠-١٣١، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٢٢، ولسان الميزان ٢: ٣٧٤.
طريف بن شهاب العطاردي: ذكر في المطبوعة اسم أبيه"تمام"، وهو خطأ. وطريف هذا: هو أبو سفيان الأشل. وهو ضعيف. وقيل في اسم أبيه"سعد". والذي جود اسمه ونسبته هو البخاري في ترجمته. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٣٥٨، وابن أبي حاتم ٢/١/٤٩٢-٤٩٣، والضعفاء للبخاري، ص: ١٨-١٩.
الله تعالى ذكره بالإفطار معه في شهر رمضان، من كان الصومُ جاهدَه جَهدًا غير محتمل، فكل من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر. وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمرَ، فإن لم يكن مأذونًا له في الإفطار فقد كلِّف عُسرًا، ومُنع يُسرًا. وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بخلقه بقوله:"يُريد اللهُ بكم اليسرَ وَلا يُريد بكم العسر". وأما من كان الصوم غيرَ جَاهدِه، فهو بمعنى الصحيح الذي يُطيق الصوم، فعليه أداءُ فرضه.
* * *
وأما قوله:"فعدة من أيام أخر"، فإنّ معناها: أيامًا معدودة سوى هذه الأيام.
وأما"الأخَر"، فإنها جمع"أخرى" كجمعهم"الكبرى" على"الكُبَر" و"القُربى" على"القُرَب". (١)
* * *
فإن قال قائل: أوَليست"الأخر" من صفة الأيام؟
قيل: بلى.
فإن قال: أوَليس واحدُ"الأيام""يوم" وهو مذكر؟
قيل: بلى.
فإن قال: فكيف يكون واحدُ"الأخر""أخرى"، وهي صفة ل"اليوم"، ولم يكن"آخر"؟
قيل: إن واحد"الأيام" وإن كان إذا نُعت بواحد"الأخر" فهو"آخر"، فإن"الأيام" في الجمع تصير إلى التأنيث، فتصير نعوتها وصفاتها كهيئة صفات المؤنث، كما يقال:"مضت الأيامُ جُمعَ"، ولا يقال: أجمعون، ولا أيام آخرون.
* * *
فإن قال لنا قائل: فإن الله تعالى قال:"فمن كانَ منكم مريضًا أو عَلى
(١) في المطبوعة: "بجمعهم الكبرى"، وكأن الصواب ما أثبت.
سفر فعدةٌ من أيام أخر"، ومعنى ذلك عندك: فعليه عدةٌ من أيام أخر، كما قد وصفت فيما مضى. فإن كان ذلك تأويله، فما قولك فيمن كان مريضًا أو عَلى سَفر فَصَام الشهر، وهو ممن له الإفطار، أُيجزيه ذلك من صيام عدة من أيام أخر، أو غيرُ مُجزيه ذلك، وفَرْضُ صوم عدة من أيام أخر ثابتٌ عليه بهيئته، وإن صام الشهر كله؟ وهل لمن كان مريضًا أو على سَفر صيامُ شهر رمضان، أم ذلك محظور عليه، وغير جائز له صومه، والواجب عليه الإفطار فيه، حتى يقيم هذا ويبرأ هذا؟
قيل: قد اختلف أهل العلم في كل ذلك، ونحن ذاكرُو اختلافهم في ذلك، ومخبرون بأولاه بالصواب إن شاء الله.
فقال بعضهم: الإفطارُ في المرض عَزْمة من الله واجبةٌ، وليسَ بترخيص.
* ذكر من قال ذلك:
٢٨٥٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي -وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية- جميعًا، عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: الإفطارُ في السفر عَزْمة.
٢٨٥٨- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، أخبرنا شعبة، عن يعلى، عن يوسف بن الحكم قال: سألتُ ابن عمر -أو: سئل- عن الصوم في السفر فقال: أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك، ألم تغضب؟ فإنها صَدقة من الله تصدق بها عليكم. (١)
(١) الخبر: ٢٨٥٨- شعبة: هو ابن الحجاج؛ إمام أهل الجرح والتعديل. وثبت في المطبوعة"سعيد". وهو خطأ ناسخ أو طابع في هذا الإسناد، كما يتبين مما سيأتي.
يعلى: هو ابن عطاء العامري، ثقة معروف.
يوسف بن الحكم أبو الحكم: تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في الثقات. وترجمه ابن أبي حاتم ٤/٢/٢٢٠ قال: "روى عن ابن عمر. روى عنه يعلى بن عطاء". وترجمه البخاري في الكبير ٤/٢/٣٧٦ باسم"يوسف أبو الحكم، سمع ابن عمر. روى عنه يعلى بن عطاء". وثبت عقب ذلك في بعض نسخ الكبير: "هذا هو الأول أظنه". يريد المترجم قبله"يوسف بن مهران". وهذا الظن من البخاري ليس في موضعه، ولعله ظن ذلك إذ لم يقع له منسوبًا لأبيه، بل وقع له باسم"يوسف" وكنية"أبي الحكم".
والذي يقطع في ذلك، ويرفع كل شبهة: أن الدولابي روى هذا الخبر، في الكنى والأسماء ١: ١٥٤-١٥٥"حدثنا محمد بن بشار. قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال، سمعت يوسف بن الحكم أبا الحكم يقول: سمعت عبد الله بن عمر يسأل عن الصوم في السفر... " فذكر نحوًا مما هنا.
ووهب بن جرير يروي عن شعبة. ويعلى بن عطاء يروي عنه شعبة. فلا موضع في هذا الإسناد لاسم"سعيد". إلى ثبوت الخبر من رواية شعبة عند الدولابي، كما ذكرنا.
وهذا الرأي لابن عمر -ثم لغيره من الصحابة- إنما هو فيمن أبى أن يقبل رخصة الله في الإفطار في السفر. قال ابن كثير ١: ٤١٠-٤١١"فأما إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه - فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام والحالة هذه. لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر، وجابر، وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة". يشير ابن كثير في ذلك إلى حديث ابن عمر في المسند: ٥٣٩٢. وانظر حديثين آخرين لابن عمر، في المسند: ٥٧٥٠، ٥٨٦٦.
٢٨٥٩- حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا المحاربي عن عبد الملك بن حميد قال، قال أبو جعفر: كان أبي لا يَصُوم في السفر، ويَنهى عنه. (١)
٢٨٦٠- وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك: أنه كره الصومَ في السفر.
* * *
وقال أهل هذه المقالة: من صام في السفر فعليه القضاءُ إذا قام.
* ذكر من قال ذلك:
٢٨٦١- حدثنا نصر بن علي الجهضميّ قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن رجل: أن عمرَ أمرَ الذي صام في السفر أن يُعيد. (٢).
٢٨٦٢- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد
(١) الخبر: ٢٨٥٩- نصر بن عبد الرحمن الأزدي. مضى في: ٤٢٣، ٨٧٥. ووقع في المطبوعة هنا - كما وقع هناك: "الأودي". وهو خطأ.
(٢) الخبر: ٢٨٦١- نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي: مضى في: ٢٣٧٦. ووقع في المطبوعة هنا"الخثمعي". وهو تصحيف واضح.
وشيخه"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي": مضى في: ١٢١٩. وقد ثبت في ترجمتيهما رواية نصر عن مسلم.
ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري: ثقة، تكلم فيه بعضهم. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧/٢/٣٥، والكبير ٢/١/٢٦٦، وابن أبي حاتم ١/٢/٤٧٧-٤٧٨.
أبوه"كلثوم بن جبر": ثقة من صغار التابعين، لم يدرك عمر بن الخطاب. ولذلك روى عنه هنا بواسطة رجل مبهم. فالإسناد لذلك ضعيف. وانظر الخبر الآتي: ٢٨٦٦.
بن عمرو بن دينار، عن رجل من بني تميم، عن أبيه قال: أمر عمر رجلا صام في السفر أن يعيدَ صَوْمه.
٢٨٦٣- حدثني ابن حميد الحمصي قال، حدثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن المحرَّر بن أبي هريرة قال: كنت مع أبي في سفر في رمضان، فكنت أصوم ويُفطر. فقال لي أبي: أما إنك إذا أقمتَ قَضيت. (١)
٢٨٦٤- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا سليمان بن داود قال، حدثنا شعبة، عن عاصم مولى قريبة، قال: سمعت عروة يأمر رجلا صام في السفر أن يَقضي.
٢٨٦٥- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة، عن عاصم مولى قريبة: أن رجلا صامَ في السفر، فأمرَهُ عروة أن يَقضي.
٢٨٦٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن صبيح قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، عن أبيه كلثوم: أنّ قومًا قدموا على عُمرَ بن الخطاب وقد صاموا رمضانَ في سفر، فقال لهم: والله لكأنكم كنتم تصُومون! فقالوا: والله يا أمير المؤمنين
(١) الخبر: ٢٨٦٣- المحرر- براءين مع فتح الأولى مشددة: هو ابن أبي هريرة. وهو تابعي معروف، يروي عن أبيه، وعن ابن عمر. وله في المسند أحاديث عن أبيه، منها: ٢١٢، ٩٥٦٢.
وهذا الخبر ذكر السيوطي ١: ١٩١، نحو معناه. ونسبه لعبد بن حميد فقط. وثبت فيه اسم"المحرر": "محرز" بالزاي في آخره، وهو تصحيف.
لقد صمنا! قال: فأطقتموه! قالوا: نعم. قال: فاقضوه، فاقضوه. (١)
* * *
وعلة مَنْ قال هذه المقالة: أن الله تعالى ذكره فرَضَ بقوله:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه" صومَ شهر رمضان على من شهده مُقيمًا غير مسافر، وجعل على من كان مريضًا أو مسافرًا صومَ عدة من أيام أخر غير أيام شهر رمضان بقوله:"ومَنْ كان مريضًا أو على سَفر فعدة من أيام أخر". قالوا: فكما غيرُ جائز للمقيم إفطارُ أيام شهر رمضان وَصَوم عدة أيام أخر مكانها -لأن الذي فرضَه الله عليه بشهوده الشهرَ صومُ الشهر دون غيره- فكذلك غير جائز لمن لم يشهده من المسافرين مقيمًا، صوْمُه. لأن الذي فرضه الله عليه عدة من أيام أخر. واعتلوا أيضًا من الخبر بما:-
٢٨٦٧- حدثنا به محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثنا عبد الله بن موسى، عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عوف قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الصائم في السفر كالمفطر في الحضر." (٢)
٢٨٦٨- حدثني محمد بن عبيد الله بن سعيد قال، حدثنا يزيد بن عياض،
(١) الخبر: ٢٨٦٦- إسناده ضعيف، لانقطاعه، فإن كلثوم بن جبر لم يدرك عمر بن الخطاب، كما بينا ذلك في: ٢٨٦١.
(٢) الحديث: ٢٨٦٧- محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي - شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة. وسيأتي بهذا الاسم أيضًا في: ٢٨٨٨. ولكن سيأتي في الإسناد الذي عقب هذا باسم"محمد بن عبيد الله بن سعيد" - بجعل أبيه"عبيد الله" بدل"عبد الله". وأنا أرجح الذي في إسنادين على الذي في إسناد واحد، ترجيحًا بدائيًا غير محقق.
يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري: مختلف فيه، والظاهر أنه ثقة، وإنما أخذوا عليه الرواية عن رجال مجهولين غير معروفي العدالة - مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٩٨، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢١٤-٢١٥، وتاريخ بغداد ١٤: ٢٦٩-٢٧١.
عبد الله بن موسى بن إبراهيم - من ولد طلحة بن عبيد الله التيمي: مختلف فيه. وضعف أحمد جدًا. وقال ابن حبان: "يرفع الموقوف، ويسند المرسل، لا يجوز الاحتجاج به". ووقع في المطبوعة هنا"عبيد الله بن موسى". وهو خطأ، فإن الحديث معروف من رواية"عبد الله بن موسى التيمي". ثم هو الذي يروي عن أسامة بن زيد.
أسامة بن زيد: هو الليثي المدني، مختلف فيه. وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند: ١٠٩٨.
وهذا الحديث رواه ابن ماجه: ١٦٦٦، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن عبد الله بن موسى التيمي بهذا الإسناد.
وقد أطال الحافظ الزيلعي في نصب الرواية ٢: ٤٦١-٤٦٣ في تخريج رواياته. ورجح أنه موقوف من كلام عبد الرحمن بن عوف، إلى انقطاع إسناده بين أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبيه. فقد رجح الحافظ أنه لم يسمع من أبيه شيئا. وقد رجحنا في شرح المسند: ١٦٦٠ أنه سمع ذاك الحديث من أبيه - وكان صغيرًا حين مات عبد الرحمن. وليس معنى هذا أنه سمع منه كل ما يرويه عنه.
وذكر ابن أبي حاتم في كتاب العلل، رقم ٦٩٤، أنه سأل أباه عن هذا الحديث، فقال أبو زرعة: "رواه أبو أحمد الزبيري، ومعن بن عيسى، وحماد بن خالد الخياط، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه، قوله. ورواه عنبسة بن خالد، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه ابن لهيهة، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه بقية، عن آخر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو زرعة: الصحيح عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه. موقوف".
ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص، ص: ١٩٥ أن الدارقطني في العلل والبيهقي، صححا أيضًا أنه موقوف. وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٤: ٢٤٤، وتعقيب ابن التركماني عليه. والرواية الموقوفة على عبد الرحمن بن عوف رواها النسائي ١: ٣١٦، بثلاثة أسانيد. هذا وسيأتي قول الطبري في ص: ٤٧٤ عن هذا الخبر والذي يليه وأشباههما، أنها: "واهية الأسانيد، لا يجوز الاحتجاج بها في الدين".
عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الصائمُ في السفر كالمفطر في الحضر. (١)
* * *
وقال آخرون: إباحة الإفطار في السفر رخصة من الله تعالى ذكره، رخصها لعباده، والفرضُ الصوم. فمن صام فرضَه أدَّى، ومن أفطر فبرُخصة الله له أفطر. قالوا: وإن صام في سفر فلا قَضاءَ عليه إذا أقام.
* ذكر من قال ذلك:
(١) الحديث: ٢٨٦٨- هو إسناد آخر للحديث السابق.
وهذا إسناد مشكل:
فشيخ الطبري ذكر هنا باسم"محمد عبيد الله بن سعيد". وذكر في الإسناد السابق باسم"محمد بن عبد الله".
وثانيًا: قوله"حدثنا يزيد بن عياض" - غير معقول. يجب أن يكون بينهما راو على الأقل. فإن يزيد بن عياض بن يزيد بن جعدبة الليثي قديم الوفاة، مات في خلافة المهدي. وذكره البخاري في التاريخ الصغير، ص: ١٧٢، في فصل (من مات بين سنتي: ١٤٠-١٥٠). فليس من المعقول أن يسمع منه أي شيخ للطبري المتوفى سنة ٣١٠. وأنا أرجح أن يكون بينهما"يزيد بن هارون"، لما سنذكر، إن شاء الله.
ويزيد بن عياض هذا: ضعيف جدًا. قال البخاري في الكبير ٤/٢/٣٥١-٣٥٢، والصغير: "منكر الحديث". ورماه مالك وابن معين والنسائي وغيرهم بالكذب. و"جعدبة" بضم الجيم والدال المهملة بينهما عين مهملة ساكنة.
ونقل الزيلعي في نصب الراية ٢: ٤٦٢، أن هذا الحديث"رواه ابن عدي في الكامل، من حديث يزيد بن هارون: حدثنا يزيد بن عياض، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه، مرفوعًا. قال ابن عدي: وهذا الحديث لا يرفعه عن الزهري - غير يزيد بن عياض، وعقيل من رواية سلامة بن روح عنه، ويونس بن يزيد من رواية القاسم بن مبرور عنه، وأسامة بن زيد من رواية عبد الله بن موسى التيمي عنه. والباقون من أصحاب الزهري - رووه عنه، عن أبي سلمة، عن أبيه، من قوله".
٢٨٦٩- حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب قال، حدثنا عروة وسالم: أنهما كانا عند عمر بن عبد العزيز إذ هو أميرٌ على المدينة، فتذاكروا الصومَ في السفر، قال سالم: كان ابن عمر لا يصُوم في السفر. وقال عروة. وكانت عائشة تصوم. فقال سالم: إنما أخذت عن ابن عمر. وقال عروة: إنما أخذتُ عن عائشة. حتى ارتفعت أصواتهما. فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم عفوً! إذا كان يُسرًا فصوموا، وإذا كان عُسرًا فأفطروا.
٢٨٧٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال، حدثني رجل قال: ذكر الصوم في السفر عند عمر بن عبد العزيز، ثم ذكر نحو حديث ابن بشار.
٢٨٧١- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق - وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس حدثنا ابن إسحاق - عن الزهري، عن سالم بن عبد الله قال: خرج عمر بن الخطاب في بعض أسفاره في ليال بقيت من رمضان، فقال: إن الشهر قد تشعشع - قال أبو كريب في حديثه: أو: تَسعسع، ولم يشك يعقوب -فلو صمنا! فصام وصام الناس مَعه. ثم أقبل مرَّة قافلا حتى إذا كان بالروحاء أهلّ هلالُ شهر رمضان، فقال: إن الله قد
قَضَى السفر، فلو صمنا ولم نَثْلم شهرنا! قال: فصام وصام الناس معه. (١).
٢٨٧٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير، قال، حدثني أبي - وحدثنا محمد بن بشار قال، أخبرنا عبيد الله قال، أخبرنا بشير بن سلمان -عن خيثمةَ قال: سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر، قال: قد أمرتُ غلامي أن يَصوم فأبى. قلت: فأين هذه الآية:"ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر"؟ قال: نزلت ونحن يومئذ نرتحلُ جياعًا وننزل على غير شِبَع، وإنا اليوم نرتحل شِباعًا وننزل على شِبَع (٢).
٢٨٧٣- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن بشير بن سلمان، عن خيثمة، عن أنس نحوه.
٢٨٧٤- حدثنا هناد وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية، عن عاصم،
(١) تسعسع الشهر: أدبر وفني إلا أقله من قولهم: "تسعسع الرجل": إذا اضطرب من الكبر أو الهرم. وتشعشع الشهر: رق وتقضى وبقى أقله. ذهب به إلى رقة الشهر وقلة ما بقي، كما يشعشع اللبن بالماء أي يمزج ويخلط. وقوله"لم نثلم شهرنا" من ثلم الإناء أو السيف: كسر شفة الإناء أو حد السيف. أي لم ندخل الخلل على صومنا ونجرح شهرنا.
(٢) الخبر: ٢٨٧٢- الحكم بن بشير بن سلمان: مضى في: ١٤٩٧.
أبوه"بشير بن سلمان النهدي": ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وأبوه: "سلمان"، بفتح السين وسكون اللام. ووقع في كثير من المراجع المطبوعة"سليمان". وهو خطأ مطبعي. وفي التهذيب وفروعه"الكندي" بدل"النهدي". وهو خطأ، صوابه في الكبير للبخاري ١/٢/٩٩، وابن أبي حاتم ١/١/٣٧٤، وابن سعد ٦: ٢٥١، ورجال الصحيحين، ص: ٥٥.
خيثمة: هو ابن أبي خيثمة البصري، وهو تابعي ثقة. وقال ابن معين: "ليس بشيء". كما في ابن أبي حاتم ١/٢/٣٩٤، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٢/١/١٩٧، فلم يذكر فيه جرحًا، وأشار إلى هذا الحديث من روايته، كعادته في إشاراته الدقيقة -لله دره- فقال: "وقال أبو نعيم، عن بشير بن سلمان، عن خيثمة. قال: سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر". ولم يذكره هو ولا النسائي في الضعفاء. وهذا كاف في توثيقه والاحتجاج بروايته، دون الجرح المجمل من ابن معين.
وهذا الخبر ذكره السيوطي ١: ١٩١، وزاد نسبته لعبد بن حميد، والنسائي. ولم أجده في النسائي، ولعله في السنن الكبرى.
عن أنس: أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: من أفطر فبرُخصة الله، ومن صام فالصومُ أفضل.
٢٨٧٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة، عن أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن عثمان بن أبي العاص قال: الفطر في السفر رخصة، والصوم أفضل.
٢٨٧٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو الفيض، قال: كان علي علينا أميرًا بالشام، فنهانا عن الصوم في السفر، فسألت أبا قِرْصافة - رجلا من أصحاب النبي ﷺ من بني ليث، قال عبد الصمد: سمعتُ رجلا من قومه يَقول: إنه واثلة بن الأسقع - قال: لو صمتَ في السفر ما قضيت. (١).
(١) الخبر: ٢٨٧٦- أبو الفيض: هو موسى بن أيوب المهري الحمصي، ويقال: ابن أبي أيوب، وهو شامي ثقة، وثقه ابن معين، والعجلي. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤/١/١٣٤.
أبو قرصافة، بكسر القاف وسكون الراء بعدها صاد مهملة: هو"واثلة بن الأسقع" الصحابي، من بني ليث بن عبد مناة. يكنى"أبا الأسقع"، ويقال"أبو قرصافة"، كما في ترجمته في الإصابة والتهذيب وغيرهما. وهذا الخبر يؤيد هذه الكنية، لأن عبد الصمد بن عبد الوارث يذكر في أثنائه، أنه سمع رجلا من قومه يقول"إنه واثلة بن الأسقع".
وقد أوقعهم هذا الخبر -أو نحوه- في وهم عجيب؛ لأن هناك رجلا آخر له صحبة، يكنى"أبا قرصافة اسمه جندرة بن خيشنة" كنابي له صحبة، مترجم في التهذيب ٢: ١١٩، والكبير ١/٢/٢٤٩، وابن أبي حاتم ١/١/٥٤٥، وأسد الغابة ١: ٣٠٧. فانتقل نظر صاحب التهذيب، في ترجمة"أبي الفيض موسى بن أيوب" ١٠: ٣٣٧ فذكر أنه يروي عن"أبي قرصافة جندرة بن خيشنة". ثم ذكر صاحب أسد الغابة، في ترجمة"جندرة" هذا أنه"جعله ابن ماكولا ليثيًا، وليس بشيء!! ". ولم يذكر صاحب التهذيب في ترجمة"جندرة" أنه يروي عنه"أبو الفيض"!!
فالظاهر عندي أن ابن ماكولا حين ذكر أن"أبا قرصافة" من بني ليث، أراد به"واثلة بن الأسقع"، كما تدل عليه الرواية في هذا الخبر. وأن صاحب التهذيب وهم حين ذكر أن أبا الفيض يروي عن"أبي قرصافة جندرة بن خيشنة"، لأن روايته إنما هي عن"أبي قرصافة واثلة"، وهو ليثي بلا خلاف فيه.
وأما قول أبي الفيض هنا: "كان على علينا أميرا بالشأم" - فلا أدري ما هو؟ وإنما اليقين أنه لا يريه به"علي بن أبي طالب"، إذ لم يكن ذلك قط. ولعله كان لهم أمير بالشأم يدعي"عليا". ويحتمل أن يكون ما هنا فيه تحريف، وأن يكون صوابه"كان علينا أمير بالشأم، فنهانا.. " إلخ.
ثم وجدت ما يؤيد ذلك: ففي مجمع الزوائد ٣: ١٦١-١٦٢"عن أبي الفيض" قال: خطبنا مسلمة بن عبد الملك، فقال: لا تصوموا رمضان في السفر، فمن صام فليقضه. قال أبو الفيض: فلقيت أبا قرصافة واثلة بن الأسقع، فسألته؟ فقال: لو ما صمت ثم صمت ما قضيته. رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات".
فهذه الرواية تماثل رواية الطبري هنا، وتدل على أن الأمير الذي نهاهم هو"مسلمة بن عبد الملك". فأكبر الرأي أن يكون الصواب في رواية الطبري"كان عليا أمير بالشأم"، كما ظننا من قبل. ولفظ آخر الحديث -في رواية الزوائد- أراه محرفًا، وأوضح منه وأصوب لفظ أبي جعفر. و"جندرة" و"خيشنة" - كلاهما بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه.
٢٨٧٧- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن بسطام بن مسلم، عن عطاء قال: إن صمتم أجزأ عنكم، وإن أفطرتم فرُخصة.
٢٨٧٨- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن كهمس قال: سألت سالم بن عبد الله عن الصوم في السفر، فقال: إن صمتم أجزأ عنكم، وإن أفطرتم فرخصة.
٢٨٧٩- حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: من صام فحقٌّ أدَّاه، ومن أفطر فرُخصة أخذ بها.
٢٨٨٠- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، قال: الفطر في السفر رُخصة، والصومُ أفضل.
٢٨٨١- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن عطاء، قال: هو تَعليم، وليس بعَزم - يعني قول الله:"ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر"، إن شاء صام وإن شاء لم يصم.
٢٨٨٢- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن الحسن: في الرجل يسافر في رمضان، قال: إن شاء صام وإن شاء أفطر.
٢٨٨٣- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب قال، حدثنا العوّام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الصوم في السفر قال: كان رسول الله ﷺ يصوم فيه ويفطر. قال: قلت: فأيهما أحب إليك؟ قال: إنما هي رُخصة، وأن تصوم رمضان أحب إليّ.
٢٨٨٤- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة،
عن حماد، عن سعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد، أنهم قالوا: الصومُ في السفر، إن شاء صَام وإن شاء أفطر، والصوم أحب إليهم.
٢٨٨٥- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، قال لي مجاهد في الصوم في السفر -يعني صوم رمضان-: والله ما منهما إلا حلال، الصومُ والإفطار، وما أراد الله بالإفطار إلا التيسير لعباده.
٢٨٨٦- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم قال: صحبت أبا الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون وأبا وائل إلى مكة، وكانوا يصومون رمضان وغيرَه في السفر.
٢٨٨٧- حدثنا علي بن حسن الأزدي قال، حدثنا معافى بن عمران، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير: الفطرُ في السفر رُخصة، والصوم أفضل.
٢٨٨٨- حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي قال، حدثنا يعقوب قال، حدثنا صالح بن محمد بن صالح، عن أبيه قال: قلت للقاسم بن محمد: إنا نسافر في الشتاء في رمضان، فإن صمتُ فيه كان أهوَنَ عليَّ من أن أقضيه في الحر! فقال: قال الله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ما كان أيسرَ عليك فافعلْ (١).
* * *
(١) الخبر: ٢٨٨٨- محمد بن عبد الله بن سعيد، شيخ الطبري: مضى في: ٢٨٦٧، ٢٨٦٨.
صالح بن محمد بن صالح بن دينار التمار المدني: ترجمه البخاري في الكبير ٢/٢/٢٩٢، ولم يذكر فيه جرحا، وذكر أنه يروي عن أبيه. ولم يترجم له ابن أبي حاتم، ولا التهذيب، ولا لسان الميزان ولكن ذكر في التهذيب في ترجمة أبيه، أنه يروي عنه.
أبوه محمد بن صالح بن دينار التمار: ثقة. مترجم في التهذيب. والكبير ١/١/١١٧، وروى حدثنا آخر من رواية ابنه صالح، عنه، وابن أبي حاتم ٣/٢/٢٨٧.
قال أبو جعفر: وهذا القول عندنا أولى بالصواب، لإجماع الجميع على أن مريضًا لو صام شهرَ رمضان -وهو ممن له الإفطار لمرضه- أنّ صومه ذلك مجزئ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلومًا بذلك أن حكم المسافر حكمه في أنْ لا قضاءَ عليه إن صامه في سفره. لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمرَ به من قضاء عدة من أيام أخر، مثلُ الذي جعل من ذلك للمريض وأمرَ به من القضاء. ثم في دلالة الآية كفايةٌ مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها. وذلك قول الله تعالى ذكره: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، ولا عُسرَ أعظم من أن يُلزم من صامه في سفره عدةً من أيام أخر، وقد تكلف أداءَ فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأدَّاه.
فإن ظن ذو غَباوة أنّ الذي صامه لم يكن فرضَهُ الواجبَ، فإن في قول الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام""شهرُ رَمضَان الذي أنزل فيه القرآن"، ما ينبئ أن المكتوبَ صومُه من الشهور على كل مُؤمن، هو شهرُ رمضان مسافرًا كان أو مقيمًا، لعموم الله تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكمُ الصيام""شهر رمضان" = وأن قوله:"ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر فعدةٌ من أيام أخر" معناه: ومن كان مريضًا أو على سفر فأفطرَ برُخصة الله، فعليه صوم عدة أيام أخر مكانَ الأيام التي أفطر في سفره أو مرضه = ثم في تظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بقوله - إذْ سئل عن الصوم في السفر:"إن شئتَ فصم، وإن شئت فأفطر" - الكفايةُ الكافيةُ عن الاستدلال على صحة ما قُلنا في ذلك بغيره.
٢٨٨٩- حدثنا هناد قال، حدثنا عبد الرحيم ووكيع وعبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن حَمزة سألَ رسول الله ﷺ عن الصوم في السفر -وكانَ يسرُد الصوم- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
شئتَ فصُمْ وإن شئت فأفطر. (١).
٢٨٩٠- حدثنا أبو كريب وعبيد بن إسماعيل الهبّاري قالا حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه أن حمزة سأل رسول الله ﷺ فذكر نحوه. (٢).
(١) الحديث: ٢٨٨٩- هو حديث صحيح. رواه الإمام أحمد، وأصحاب الكتب الستة، كما في المنتقى: ٢١٧١.
و"حمزة" هذا: هو حمزة بن عمرو الأسلمي، صحابي معروف. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٤٣، وابن سعد ٤/٢/٤٥، وابن أبي حاتم ١/٢/٢١٢، والاستيعاب، ص: ١٠٥، وأسد الغابة ٢: ٥٠-٥١، وتاريخ الإسلام للذهبي ٣: ١٤.
ومن عجب بعد هذا كله: أن يسهو الحافظ ابن حجر عن ترجمته في الإصابة، في حين أنه أشار إليه في ترجمة"حمزة بن عمر" بضم العين وفتح الميم. وهي ترجمة أخطأ فيها بعض من سبقه، وبين هو هذا الخطأ كما بينه ابن الأثير!! وانظر الإسنادين بعد هذا. سرد الصوم يسرده سردًا: إذا والاه وتابعه بعضه في إثر بعض.
(٢) الحديث: ٢٩٩٠- عبيد بن إسماعيل الهباري، شيخ الطبري: ثقة من شيوخ البخاري. ترجمه في الصغير، ص: ٢٤٧، وهو مترجم أيضًا في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٢.
ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي، مضى في: ٤٣٨، ٢٠٣٠. ووقع في التهذيب ٧: ٥٩، في شيوخ"عبيد بن إسماعيل" -" وأبي إدريس". وهو خطأ مطبعي.
وهذا الإسناد ظاهره أنه مرسل، لأن عروة بن الزبير تابعي، كما هو واضح. والظاهر أن هشام بن عروة، أو أباه عروة - كان أحدهما يصل هذا الحديث تارة ويرسله تارة. وعروة سمعه من خالته عائشة أم المؤمنين، كما في الإسناد السابق، وسمعه أيضًا من أبي مراوح عن حمزة الأسلمي نفسه، كما في الإسناد التالي لهذا.
ومالك قد روى هذا الحديث في الموطأ، ص: ٢٩٥، "عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن حمزة بن عمرو الأسلمي.. " - فذكره مرسلا، كرواية ابن إدريس هنا، عن هشام.
فقال ابن عبد البر في التقصي، رقم: ٦٤٣"هكذا رواه يحيى، لم يذكر عائشة. وخالفه أكثر رواة الموطأ، فذكروا فيه عائشة".
وقد رواه البخاري ٤: ١٥٧، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك - موصولا. وكذلك رواه غيره من الأئمة.
والظاهر عندي أن الذي كان يرسله ويصله - هو هشام أو أبوه، وأن مالكًا رواه عن هشام على الوجهين. بدلالة رواية عبد الله بن إدريس المرسلة -هنا- عن هشام.
ورواه البخاري أيضًا ٤: ١٥٦، ومسلم ١: ٣٠٩ - ٣١٠، بأسانيد، موصولا، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة.
٢٨٩١- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال: أخبرنا حيوة بن شريح قال: أخبرنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن أبي مراوح، عن حمزة الأسلمي صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، فأصومُ في السفر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي رُخْصة من الله لعباده، فمن فعلها فحسنٌ جميل، ومن تركها فلا جُناح عليه. فكان حمزة يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر. وكان عروة بن الزبير يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر، حتى إنْ كان ليمرضُ فلا يُفطر. وكان أبو مُرَاوح يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر. (١).
* * *
ففي هذا، مع نظائره من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب الدلالة الدالة على صحة ما قلنا: من أن الإفطارَ رخصةٌ لا عزم، والبيانُ الواضح على صحة ما قلنا في تأويل قوله:"وَمن كانَ مريضًا أو عَلى سَفر فعدةٌ من أيام أخر".
* * *
(١) الحديث: ٢٨٩١- أبو زرعة وهب الله بن راشد: مضى في: ٢٣٧٧. ووقع في المطبوعة هنا - كما كان هناك: "أبو زرعة وعبد الله بن راشد قالا.. ". وهو خطأ، كما بينا آنفًا.
حيوة -بفتح الحاء المهملة والواو بينهما ياء تحتية ساكنة- بن شريح التجيبي، أبو زرعة المصري: فقيه عالم ثقة ثقة.
أبو الأسود: هو"يتيم عروة"، واسمه"محمد بن عبد الرحمن بن نوفل"، وقيل له"يتيم عروة" لأن أباه كان أوصى إليه.
أبو مراوج الغفاري المدني: تابعي ثقة، أخرج له الشيخان وغيرهما.
والحديث رواه مسلم ١: ٣١٠، والنسائي ١: ٢٤٣ - والبيهقي ٤: ٤٣، ثلاثتهم من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، بهذا الإسناد.
وقصر السيوطي جدًا، فذكره ١: ١٩٠، ونسبه للدارقطني"وصححه"، فقط. وهو في أحد الصحيحين وأحد السنن الأربعة.
فظهر من هذا الإسناد أن عروة بن الزبير له في هذا الحديث طريقان: فسمعه من خالته عائشة. وسمعه مطولا من أبي مراوح، عن حمزة الأسلمي نفسه، صاحب السؤال. فليس هذا اختلافًا على عروة، إنما هو توكيد رواية صحيحة، بأخرى مثلها.
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: إن الأخبار بما قلت وإن كانت متظاهرةً، فقد تظاهرت أيضًا بقوله:"ليس من البر الصيامُ في السفر"؟
قيل: إن ذلك إذا كان الصيامُ في مثل الحال التي جَاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ أنه قالَ في ذلك لمن قال له.
٢٨٩٢- حدثنا الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن جابر: أن رسول الله ﷺ رأى رجُلا في سفره قد ظُلِّل عليه، وعليه جماعة، فقال:"من هذا؟ قالوا: صائم. قال: ليس من البر الصوم في السفر.
* * *
=قال أبو جعفر: أخشى أن يكون هذا الشيخ غلط، وبين ابن إدريس ومحمد بن عبد الرحمن، شعبة. (١).
* * *
٢٨٩٢م- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا قد اجتمع الناس عليه وقد ظُلِّل عليه، فقالوا: هذا رجل صائم! فقال رسول الله صلى الله
(١) الحديث: ٢٨٩٢- الحسين بن يزيد السبيعي، شيخ الطبري: هكذا ثبت هنا. وأخشى أن يكون نسبته"السبيعي" سهوا أو خطأ من الناسخين. والذي في هذه الطبقة، ويروي عن عبد الله بن إدريس - هو"الحسين بن يزيد بن يحيى الطحان الأنصاري" وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/٢/٦٧. روى عنه أبو داود، والترمذي، وأبو زرعة، وذكر الحافظ أنه روى عنه مسلم خارج الصحيح. والذي يرجح عندي هذا: أن الطبري روى خبرًا آخر، في التاريخ ١: ١٣٥ - ١٣٦: "حدثنا الحسين بن يزيد الطحان قال: حدثنا ابن إدريس... ". إلا أن يكون هذا شيخًا آخر للطبري، لم تصل إلينا معرفته.
وقد نبه الطبري إلى غلط هذا الشيخ، في إسقاط"شبعة" بين"ابن إديس" و"محمد بن عبد الرحمن"، وهو كما قال. فإن عبد الله بن إدريس لم يدرك أن يروي عن محمد بن عبد الرحمن. وسيأتي تخريج هذا الحديث، في الإسناد التالي له.
عليه وسلم: ليس من البر أن تَصوموا في السفر. (١).
* * *
فمن بلغ منه الصوم ما بَلغ من الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك، فليس من البر صومه. لأن الله تعالى ذكره قد حرّم على كل أحد تعريضَ نفسه لما فيه هلاكها، وله إلى نجاتها سبيل. وإنما يُطلب البر بما نَدب الله إليه وَحضَّ عليه من الأعمال، لا بما نهى عنه.
وأما الأخبار التي رويت عنه ﷺ من قوله:"الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" (٢) فقد يحتمل أن يكون قيل لمن بلغ منه الصوم ما بلغ من هذا الذي ظُلِّل عليه، إن كان قبل ذلك. وغيرُ جائز عليه أن يُضَاف إلى النبي ﷺ قيلُ ذلك، لأن الأخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله صلى
(١) الحديث: ٢٨٩٢م - محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: ثقة معروف، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وبعضهم ينسبه لجده لأمه، فيقول: "محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة". و"سعد بن زرارة"، وأخوه"أسعد بن زرارة"- صحابيان معروفان، أنصاريان، من بني النجار.
ووقع في هذا الإسناد في المطبوعة"شعبة عن عبد الرحمن بن سعد.. "، وهو خطأ واضح من الناسخين سقط منهم"محمد بن" قبل"عهد الرحمن".
محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب: تابعي ثقة، أخرج له الشيخان وغيرهما.
والحديث رواه مسلم ١: ٣٠٨، بأسانيد، منها: عن محمد بن المثني، شيخ الطبري هنا، عن محمد بن جعفر، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد في المسند: ١٤٢٤٢ (٣: ٢٩٩حلبي)، عن محمد بن جعفر، به. ورواه أبو داود الطيالسي: ١٧٢١، عن شعبة، به.
ورواه البخاري ٤: ١٦١-١٦٢ (فتح)، عن آدم، عن شعبة. ورواه أيضًا -مختصرًا- في الكبير ١/١/١٨٩-١٩٠، عن آدم.
ورواه أبو نعيم في الحلية ٧: ١٥٩، بأسانيد من طريق شعبة، ثم قال: "صحيح متفق عليه. واختلف في محمد بن عبد الرحمن: فأخرجه سليمان في ترجمة: شعبة عن أبي الرجال، وغيره أخرجه في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة".
وقد حقق الحافظ في الفتح أن الصحيح ما ذكرنا. وهو الثابت في صحيح مسلم، وسنن أبي داود: ٢٤٠٧، وغيرهما.
وقصر السيوطي جدًا، إذ نسبه في الدر المنثور ١: ١٩١ لابن أبي شيبة، وأبي داود، والنسائي، فقط؛ وهو في الصحيحين كما ترى.
(٢) انظر الأثرين رقم: ٢٨٦٧، ٢٨٦٨، والتعليق عليهما.
الله عليه وسلم واهية الأسانيد، لا يجوز الاحتجاجُ بها في الدين.
* * *
فإن قال قائل: وكيف عطف على"المريض"، وهو اسم بقوله:"أوْ على سفر" و"على" صفة لا اسم. (١).
قيل: جاز أن ينسق ب"على" على"المريض"، لأنها في معنى الفعل. وتأويل ذلك: أو مسافرًا، كما قال تعالى ذكره: (دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) [يونس: ١٢]، فعطف ب"القاعد، والقائم" على"اللام" التي في"لجنبه"، لأن معناها الفعل، كأنه قال: دعانا مضطجعًا أو قاعدًا أو قائمًا.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: يريد الله بكم، أيها المؤمنون -بترخيصه لكم في حال مرضكم وسَفركم في الإفطار، وقضاء عدة أيام أخر من الأيام التي أفطرتموها بعد إقامتكم وبعد بُرئكم من مرضكم- التخفيفَ عليكم، والتسهيل عليكم، لعلمه بمشقة ذلك عليكم في هذه الأحوال (٢) ="ولا يُريد بكم العسر"، يقول: ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم، فيكلفكم صوم الشهر في هذه الأحوال، مع علمه شدة ذلك عليكم، وثقل حمله عليكم لو حمّلكم صومه، كما:-
٢٨٩٣- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يُريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، قال: اليسر: الإفطار في السفر، والعسر الصيام في السفر.
٢٨٩٤- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا
(١) قوله: "صفة" يعني حرف جر. وحروف الصفات هي حروف الجر. وقد مضى بيان ذلك في ١: ٢٩٩ تعليق: ١.
(٢) في المطبوعة: "بشقة ذلك عليكم"، والصواب ما أثبت.
شعبة، عن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر، فقال: يُسرٌ وعُسرٌ. فخذ بيسر الله.
٢٨٩٥- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر. قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"يريد الله بكم اليسر" -قال: هو الإفطار في السفر، وَجعل عدةً من أيام أخر-"ولا يريد بكم العسر".
٢٨٩٦- حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يريد الله بكمُ اليسر ولا يُريد بكم العسر"، فأريدوا لأنفسكم الذي أراد الله لكم.
٢٨٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري عن طاوس، عن ابن عباس قال: لا تَعِبْ على من صام ولا على من أفطر -يعنِي في السفر في رمضان-"يريد الله بكم اليسر ولا يُريد بكم العسر".
٢٨٩٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضيل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمانَ، قال سمعت الضحاك بن مزاحم في قوله:"يريد الله بكمُ اليسر" -الإفطار في السفر-"ولا يريد بكم العسر"، الصيام في السفر.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (١) "ولتكملوا العدة"، عدةَ ما أفطرتم، من أيام أخر، أوجبت عليكم قضاءَ عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم، أو إقامتكم من سفركم، كما:
(١) في المطبوعة: "بذلك" مكان"بقوله"، وسياق الكلام يدل على صواب ما أثبت.
٢٨٩٩- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"ولتكملوا العدة"، قال: عدة ما أفطر المريض والمسافر.
٢٩٠٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولتكملوا العدة"، قال: إكمالُ العدة: أنَ يصومَ ما أفطر من رمضان في سفر أو مرض [إلى] أنْ يُتمه، فإذا أتمه فقد أكمل العدة. (١).
* * *
فإن قال قائل: ما الذي عليه = بهذه"الواو" التي في قوله:"ولتكملوا العدة" = عَطَفَتْ؟ (٢).
قيل: اختلف أهل العربية في ذلك.
فقال بعضهم: هي عاطفة على ما قبلها، كأنه قيل: ويُريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله.
وقال بعض نحويي الكوفة: وهذه"اللام" التي في قوله:"ولتكملوا" لام"كي" لو ألقيتْ كان صوابًا. قال: والعرب تُدخلها في كلامها على إضمار فعل بعدها، ولا تكون شرطًا للفعل الذي قبلها وفيها"الواو"، ألا ترى أنك تقول:"جئتك لتحسن إلي"، ولا تقول:"جئتك ولتحسن إليّ"، فإذا قلته فأنت تريد: ولتحسن جئتك. قال: وهذا في القرآن كثيرٌ، منه قوله: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) [سورة الأنعام: ١١٣]، وقوله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [سورة الأنعام: ٧٥]، ولو لم تكن فيه"الواو" كان شرطًا على قولك: أريْناهُ ملكوت السموات والأرض
(١) الزيادة بين القوسين لا غنى عنها هنا.
(٢) السياق: وما الذي عليه عطفت.
ليكون. فإذا كانت"الواو" فيها فلها فعل"مضمر" بعدها، و"ليكون من الموقنين"، أريناه. (١).
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب في العربية. لأن قوله:"ولتكملوا العدة"، ليس قبله"لام" بمعنى"اللام" التي في قوله:"ولتكملوا العدة" فتعطف بقوله:"ولتكملوا العدة" عليها - وإن دخول"الواو" معها، يؤذن بأنها شرط لفعل بعدها، إذ كانت"الواو" لو حذفت كانت شرطًا لما قبلها من الفعل.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولتعظِّموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به، من الهداية التي خذل عنها غيركم من أهل الملل الذين كتب عليهم من صوم شهر رمضان مثلَ الذي كتب عليكم فيه، فضلُّوا عنه بإضلال الله إياهم، وخصَّكم بكرامته فهداكم له، ووفقكم لأداء ما كتبَ الله عليكم من صومه، وتشكروه على ذلك بالعبادة لهُ.
* * *
والذكر الذي حضهم الله على تعظيمه به،"التكبير" يوم الفطر، فيما تأوله جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٢٩٠١- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن داود بن قيس، قال: سمعت زيد بن أسلم يقول:"ولتكبروا الله على
(١) هذا قول الفراء، وهو نص كلامه في معاني القرآن ١: ١١٣.
ما هداكم"، قال: إذا رأى الهلال، فالتكبيرُ من حين يَرى الهلال حتى ينصرف الإمام، في الطريق والمسجد، إلا أنه إذا حضر الإمامُ كفّ فلا يكبرِّ إلا بتكبيره.
٢٩٠٢- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول:"ولتكبِّروا الله على ما هداكم"، قال: بلغنا أنه التكبير يوم الفطر.
٢٩٠٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان ابن عباس يقول: حقٌّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبرِّوا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله تعالى ذكره يقول:"ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم". قال ابن زيد: يَنبغي لهم إذا غَدوا إلى المصلَّى كبروا، فإذا جلسوا كبروا، فإذا جاء الإمام صَمتوا، فإذا كبر الإمام كبروا، ولا يكبرون إذا جاء الإمام إلا بتكبيره، حتى إذا فرغ وانقضت الصلاة فقد انقضى العيد. قال يونس: قال ابن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: والجماعةُ عندنا على أن يغدوا بالتكبير إلى المصلَّى.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم.
و"لعل" في هذا الموضع بمعنى"كي" (١) ولذلك عطف به على قوله:"ولتكملوا العدة ولتكبروا الله عَلى ما هَداكم ولَعلكم تَشكرون".
* * *
(١) انظر ما سلف ١: ٣٦٤، والمراجع في فهرس مباحث العربية.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يمدح تعالى شهرَ الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصه بذلك، قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.
قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمْران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة - يعني ابن الأسقع - أن رسول الله ﷺ قال :" أنزلت صُحُف إبراهيم في أول ليلة من رمضان. وأنزلت التوراة لسِتٍّ مَضَين من رمضان، والإنجيل لثلاث عَشَرَةَ خلت من رمضان(١) وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " (٢).
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه : أن الزبور أنزل (٣) لثنتَي عشرة [ ليلة ](٤) خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم. رواه ابن مَردُويه.
أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل - فنزل كل منها(٥) على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى :﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. وقال :﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، ثم نزل بعدُ مفرّقًا(٦) بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ. هكذا روي من غير وجه، عن ابن عباس، كما قال إسرائيل، عن السّدي، عن محمد بن أبي المجالد عن مِقْسَم، عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود، فقال : وقع(٧) في قلبي الشك من قول الله تعالى :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقوله :﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وقوله :﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقد(٨) أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع. فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان، في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل (٩) على مواقع النجوم ترتيلا(١٠) في الشهور والأيام. رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وهذا لفظه.
وفي رواية سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجعل في بيت العِزَّة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة لجواب كلام الناس.
وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال : نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يُحْدثُ لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثَل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣].
[ قال فخر الدين : ويحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثله من اللوح إلى سماء الدنيا، وتوقف، هل هذا أولى أو الأول ؟ وهذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبي عن مقاتل بن حيان، وحكى الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وحكى الرازي عن سفيان بن عيينة وغيره أن المراد بقوله :﴿الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي : في فضله أو وجوب صومه، وهذا غريب جدا ](١١).
وقوله :﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي : ودلائل وحُجَج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبَّرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال، والحرام.
وقد روي عن بعض السلف أنه كَره أن يقال : إلا " شهر رمضان " ولا يقال :" رمضان " ؛ قال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريَّان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القُرَظي، وسعيد - هو المقْبُري - عن أبي هريرة، قال : لا تقولوا : رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا : شهر رمضان.
قال(١٢) ابن أبي حاتم : وقد روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورَخَّص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.
قلت : أبو معشر هو نَجِيح بن عبد الرحمن المدني إمام [ في ](١٣) المغازي، والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعا، عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي(١٤) - وهو جدير بالإنكار - فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري، رحمه الله، في كتابه لهذا فقال :" باب يقال(١٥) رمضان " (١٦) وساق أحاديث في ذلك منها :" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه " ونحو ذلك.
وقوله :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حَتْمٍ على من شهد استهلال الشهر - أي كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه - أن يصوم لا محالة. ونَسَخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيما أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدم بيانه. ولما حتَّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار، بشرط القضاء فقال :﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه : ومن كان به مرض في بدنه يَشُقّ عليه الصيام معه، أو يؤذيه(١٧) أو كان على سفر أي في حال سفر - فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه بعدة ما أفطره في السفر من الأيام ؛ ولهذا قال :﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي : إنما رخَّصَ لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر، مع تحتمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرًا عليكم ورحمة بكم.
وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية :
إحداها : أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه، لقوله :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المُحَلى، عن جماعة من الصحابة والتابعين. وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم. فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ أنه خرَجَ في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار(١٨) حتى بلغ الكَديد، ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح(١٩).
الثانية : ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر، لقوله :﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والصحيح قول الجمهور، أن الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحَتْم ؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان. قال :" فَمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائمُ على المفطر، ولا المفطر على الصائم(٢٠) ". فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم (٢١) الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة صائمًا، لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء [ قال ](٢٢) خرجنا مع رسول الله ﷺ [ في شهر رمضان ](٢٣) في حَرٍّ شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه [ من شدة الحر ](٢٤) وما فينا صائم إلا رسولُ الله ﷺ وعبد الله بن رواحة(٢٥).
الثالثة : قالت طائفة منهم الشافعي : الصيام في السفر أفضل من الإفطار، لفعل النبي ﷺ كما تقدم، وقالت طائفة : بل الإفطار أفضل، أخذا بالرخصة، ولما ثبت عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال :" من أفطر فحَسَن، ومن صام فلا جناح عليه " (٢٦). وقال في حديث آخر :
" عليكم برخصة الله التي رخص لكم " (٢٧) وقالت طائفة : هما سواء لحديث عائشة : أن حَمْرة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله، إني كثير الصيام، أفأصوم في السفر ؟ فقال :" إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر ". وهو في الصحيحين(٢٨). وقيل : إن شق الصيام فالإفطار أفضل لحديث جابر : أن رسول الله ﷺ رأى رجلا قد ظُلِّلَ عليه، فقال :" ما هذا ؟ " قالوا : صائم، فقال :" ليس من البر الصيام في السفر ". أخرجاه(٢٩). فأما إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر، وغيرهما : من لم يقبل رُخْصَةَ الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة(٣٠).
الرابعة : القضاء، هل يجب متتابعًا أو يجوز فيه التفريق ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه يجب التتابع ؛ لأن القضاء يحكي الأداء. والثاني : لا يجب التتابع، بل إن شاء فَرّق، وإن شاء تابع. وهذا قول جُمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل(٣١) ؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدَّةَ ما أفطر. ولهذا قال تعالى :﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ثم قال :﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قال الإمام أحمد :
حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا ابن(٣٢) هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول :" إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره " (٣٣).
وقال أحمد أيضًا : حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة بن عُرْوة الفُقَيْمي، حدثني أبي عُرْوَة، قال : كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج رَجلا(٣٤) يَقْطُرُ رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : علينا حرج في كذا ؟ فقال رسول الله ﷺ :" إن دين الله في يسر " ثلاثًا يقولها(٣٥).
ورواه الإمام أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال، به.
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال : حدثنا أبو التيّاح، سمعت أنس بن مالك يقول : إن رسول الله ﷺ قال :" يسروا، ولا تعسروا، وسكِّنُوا ولا تُنَفِّروا ". أخرجاه في الصحيحين(٣٦). وفي الصحيحين أيضا : أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن :" بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا ". وفي السنن والمسانيد أن رسول الله ﷺ قال :" بعثت بالحنيفيَّة السمحة " (٣٧).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى ابن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجُرَيري، عن عبد الله بن شقيق، عن مِحْجَن بن الأدرع : أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي فتراءاه ببصره(٣٨) ساعة، فقال :" أتراه يصلي صادقًا ؟ " قال : قلت : يا رسول الله، هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ :" لا تُسْمِعْه فَتُهلِ
١ في"أ" بعدها: "وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان"..
٢ المسند (٤/١٠٧)..
٣ في جـ: "نزلت"، وفي أ: "نزل"..
٤ زيادة من أ..
٥ في جـ: "منهما"..
٦ في و: "متفرقا"..
٧ في و: "أوقع"..
٨ في جـ: "وهذا"..
٩ في جـ: "ثم نزل"..
١٠ في أ: "رسلا"..
١١ زيادة من جـ، أ..
١٢ في جـ: "قال لي"..
١٣ زيادة من جـ..
١٤ الكامل لابن عدي (٧/٥٣)..
١٥ في جـ: "باب بأن يقال"..
١٦ الترجمة في الصحيح (٤/١١٢): "باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعا"..
١٧ في جـ: "أو يمتد به"..
١٨ في أ، و: "فصام"..
١٩ صحيح البخاري برقم (١٩٤٨، ٤٢٧٩) وصحيح مسلم برقم (١١١٣)..
٢٠ رواه مسلم في صحيحه برقم (١١١٨) من حديث أنس رضي الله عنه..
٢١ في أ: "عليهم في الصيام"..
٢٢ زيادة من و..
٢٣ زيادة من جـ، أ، و..
٢٤ زيادة من جـ، أ، و..
٢٥ صحيح البخاري برقم (١٩٤٥) وصحيح مسلم برقم (١١٢٢)..
٢٦ هذا لفظ حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في صحيح مسلم برقم (١١٢١)..
٢٧ هذا لفظ حديث جابر وسيأتي..
٢٨ صحيح البخاري برقم (١٩٤٣) وصحيح مسلم برقم (١١٢١)..
٢٩ صحيح البخاري برقم (١٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (١١٢١)..
٣٠ المسند (٢/٧١)..
٣١ في جـ: "تثبت الأدلة"..
٣٢ في أ، و: "حدثنا أبو"..
٣٣ المسند (٣/٤٧٩)..
٣٤ في أ، و: "فخرج رجل"..
٣٥ المسند (٥/٦٩)..
٣٦ صحيح البخاري برقم (٦٩) وصحيح مسلم برقم(١٧٣٤)..
٣٧ صحيح البخاري برقم (٤٣٤١، ٤٣٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣)..
٣٨ في أ، و: "ببصره"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَرَوَاهُ عَبْدٌ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ -بِمَعْنَاهُ.
وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِهَذَا الْمَعْنَى: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ، إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا، فَفِيهِمَا خِلَافٌ كَثِيرٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُفْطِرَانِ وَيَفْدِيَانِ وَيَقْضِيَانِ. وَقِيلَ: يَفْدِيَانِ فَقَطْ، وَلَا قَضَاءَ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ. وَقِيلَ: يُفْطِرَانِ، وَلَا فِدْيَةَ وَلَا قَضَاءَ. وَقَدْ بَسَطْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَقْصَاةً فِي كِتَابِ الصِّيَامِ الذِي أَفْرَدْنَاهُ (١). وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾
يَمْدَحُ تَعَالَى شهرَ الصِّيَامِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ، بِأَنِ اخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِهِنَّ لِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِيهِ، وَكَمَا اخْتَصَّهُ بِذَلِكَ، قَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ الشَّهْرُ الذِي كَانَتِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ تَنْزِلُ فِيهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عمْران أَبُو الْعَوَّامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ وَاثِلَةَ -يَعْنِي ابْنَ الْأَسْقَعِ-أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُنْزِلَتْ صُحُف إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ. وَأَنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لسِتٍّ مَضَين مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ (٢) وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ" (٣).
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَفِيهِ: أَنَّ الزَّبُورَ أُنْزِلَ (٤) لثنتَي عَشْرَةَ [لَيْلَةً] (٥) خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَمَانِي عَشْرَةَ، وَالْبَاقِي كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ ابْنُ مَردُويه.
أَمَّا الصُّحُفُ وَالتَّوْرَاةُ وَالزَّبُورُ وَالْإِنْجِيلُ -فَنَزَلَ كُلٌّ مِنْهَا (٦) عَلَى النَّبِيِّ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّمَا نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [الْقَدْرِ: ١]. وَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدُّخَانِ: ٣]، ثُمَّ نَزَلَ بعدُ مُفَرَّقًا (٧) بِحَسْبِ الْوَقَائِعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا قَالَ إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ عَنْ مِقْسَم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَطِيَّةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: وَقَعَ (٨) فِي قَلْبِي الشَّكُّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وَقَدْ (٩) أُنْزِلَ فِي شَوَّالَ، وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَفِي ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي الْمُحَرَّمِ، وَصَفَرٍ، وَشَهْرِ رَبِيعٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أُنْزِلَ فِي رَمَضَانَ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَفِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أُنْزِلَ (١٠) عَلَى مَوَاقِعِ النُّجُومِ تَرْتِيلًا (١١) فِي الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حاتم وابن مردويه، وهذا لفظه.
(١) في أ: "الذي أوردناه".
(٢) في"أ" بعدها: "وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان".
(٣) المسند (٤/١٠٧).
(٤) في جـ: "نزلت"، وفي أ: "نزل".
(٥) زيادة من أ.
(٦) في جـ: "منهما".
(٧) في و: "متفرقا".
(٨) في و: "أوقع".
(٩) في جـ: "وهذا".
(١٠) في جـ: "ثم نزل".
(١١) في أ: "رسلا".
وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَجُعِلَ فِي بَيْتِ العِزَّة، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً لِجَوَابِ كَلَامِ النَّاسِ.
وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَكَانَ اللَّهُ يُحْدثُ لَنَبِيِّهِ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَجِيءُ الْمُشْرِكُونَ بمثَل يُخَاصِمُونَ بِهِ إِلَّا جَاءَهُمُ اللَّهُ بِجَوَابِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٣٢، ٣٣].
[قَالَ فَخْرُ الدِّينِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى إِنْزَالِهِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ اللَّوْحِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَتَوَقَّفَ، هَلْ هَذَا أَوْلَى أَوِ الْأَوَّلُ؟ وَهَذَا الذِي جَعَلَهُ احْتِمَالًا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَحَكَى الرَّازِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أَيْ: فِي فَضْلِهِ أَوْ وُجُوبِ صَوْمِهِ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا] (١).
وَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هَذَا مَدْحٌ لِلْقُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هَدًى لِقُلُوبِ الْعِبَادِ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: وَدَلَائِلُ وحُجَج بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ لِمَنْ فَهِمَهَا وتدبَّرها دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْهُدَى الْمُنَافِي لِلضَّلَالِ، وَالرُّشْدِ الْمُخَالَفِ لِلْغَيِّ، وَمُفَرِّقًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَره أَنْ يُقَالَ: إِلَّا "شَهْرَ رَمَضَانَ" وَلَا يُقَالُ: "رَمَضَانُ"؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الريَّان، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، وَسَعِيدٍ -هُوَ المقْبُري-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَا تَقُولُوا: رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ.
قَالَ (٢) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ ذَلِكَ، ورَخَّص فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.
قُلْتُ: أَبُو مَعْشَرٍ هُوَ نَجِيح بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيُّ إِمَامٌ [فِي] (٣) الْمَغَازِي، وَالسِّيَرِ، وَلَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ عَنْهُ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ (٤) -وَهُوَ جَدِيرٌ بِالْإِنْكَارِ-فَإِنَّهُ مَتْرُوكٌ، وَقَدْ وَهِمَ فِي رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ انْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ لِهَذَا فَقَالَ: "بَابٌ يُقَالُ (٥) رَمَضَانُ" (٦) وَسَاقَ أَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" وَنَحْوَ ذلك.
(١) زيادة من جـ، أ.
(٢) في جـ: "قال لي".
(٣) زيادة من جـ.
(٤) الكامل لابن عدي (٧/٥٣).
(٥) في جـ: "باب بأن يقال".
(٦) الترجمة في الصحيح (٤/١١٢) :"باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعا".
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هَذَا إِيجَابُ حَتْمٍ عَلَى مَنْ شَهِدَ اسْتِهْلَالَ الشَّهْرِ -أَيْ كَانَ مُقِيمًا فِي الْبَلَدِ حِينَ دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي بَدَنِهِ -أَنْ يَصُومَ لَا مَحَالَةَ. ونَسَخت هَذِهِ الْآيَةُ الْإِبَاحَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لِمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَلَمَّا حتَّم الصِّيَامَ أَعَادَ ذِكْرَ الرُّخْصَةِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمُسَافِرِ فِي الْإِفْطَارِ، بِشَرْطِ الْقَضَاءِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ مَعْنَاهُ: وَمَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ فِي بَدَنِهِ يَشُقّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ، أَوْ يُؤْذِيهِ (١) أَوْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ أَيْ فِي حَالِ سَفَرٍ -فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، فَإِذَا أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ بِعِدَّةِ مَا أَفْطَرَهُ فِي السَّفَرِ مِنَ الْأَيَّامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا رخَّصَ لَكُمْ فِي الْفِطْرِ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَفِي السَّفَرِ، مَعَ تَحَتُّمِهِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ، تَيْسِيرًا عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ.
وَهَاهُنَا مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ:
إِحْدَاهَا: أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ، فَلَيْسَ لَهُ الْإِفْطَارُ بِعُذْرِ السَّفَرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْإِفْطَارُ لِمُسَافِرٍ اسْتَهَلَّ الشَّهْرَ وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَرِيبٌ نَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ المُحَلى، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ. وَفِيمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خرَجَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِغَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَسَارَ (٢) حَتَّى بَلَغَ الكَديد، ثُمَّ أَفْطَرَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْفِطْرِ. أَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ (٣).
الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ آخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ إِلَى وُجُوبِ الْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَيْسَ بحَتْم؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ: "فَمنا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَمْ يَعِبِ الصائمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ (٤) ". فَلَوْ كَانَ الْإِفْطَارُ هُوَ الْوَاجِبُ لَأُنْكِرَ عَلَيْهِمُ (٥) الصِّيَامَ، بَلِ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ صَائِمًا، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ [قَالَ] (٦) خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فِي شَهْرِ رَمَضَانَ] (٧) فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ [مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ] (٨) وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ (٩).
الثَّالِثَةُ: قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ: الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْطَارِ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْإِفْطَارُ أَفْضَلُ، أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ، وَلِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه سُئِلَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: "مَنْ أَفْطَرَ فحَسَن، وَمَنْ صَامَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ" (١٠). وقال في حديث آخر:
(١) في جـ: "أو يمتد به".
(٢) في أ، و: "فصام".
(٣) صحيح البخاري برقم (١٩٤٨، ٤٢٧٩) وصحيح مسلم برقم (١١١٣).
(٤) رواه مسلم في صحيحه برقم (١١١٨) من حديث أنس رضي الله عنه.
(٥) في أ: "عليهم في الصيام".
(٦) زيادة من و.
(٧) زيادة من جـ، أ، و.
(٨) زيادة من جـ، أ، و.
(٩) صحيح البخاري برقم (١٩٤٥) وصحيح مسلم برقم (١١٢٢).
(١٠) هذا لفظ حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في صحيح مسلم برقم (١١٢١).
"عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ التِي رَخَّصَ لَكُمْ" (١) وَقَالَتْ طائفة: هما سواء لحديث عائشة: أن حَمْرة بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كَثِيرُ الصِّيَامِ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٢). وَقِيلَ: إِنْ شَقَّ الصِّيَامُ فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: " لَيْسَ مِنَ الْبَرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ". أَخْرَجَاهُ (٣). فَأَمَّا إِنْ رَغِبَ عَنِ السُّنَّةِ، وَرَأَى أَنَّ الْفِطْرَ مَكْرُوهٌ إِلَيْهِ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لِمَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمَا: مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ جِبَالِ عَرَفَةَ (٤).
الرَّابِعَةُ: الْقَضَاءُ، هَلْ يَجِبُ مُتَتَابِعًا أَوْ يَجُوزُ فِيهِ التَّفْرِيقُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ التَّتَابُعُ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، بَلْ إِنَّ شَاءَ فَرّق، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ. وَهَذَا قَوْلُ جُمهور السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَعَلَيْهِ ثَبَتَتِ الدَّلَائِلُ (٥) ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ إِنَّمَا وَجَبَ فِي الشَّهْرِ لِضَرُورَةِ أَدَائِهِ فِي الشَّهْرِ، فَأَمَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ رَمَضَانَ فَالْمُرَادُ صِيَامُ أَيَّامٍ عدَّةَ مَا أَفْطَرَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ (٦) هِلَالٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ الْأَعْرَابِيِّ الذِي سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إن خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ" (٧).
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا غَاضِرَةُ بْنُ عُرْوة الفُقَيْمي، حَدَّثَنِي أَبِي عُرْوَة، قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ رَجلا (٨) يَقْطُرُ رَأْسُهُ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ: عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ دِينَ اللَّهِ فِي يُسْرٍ" ثَلَاثًا يَقُولُهَا (٩).
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ هِلَالٍ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "يَسِّرُوا، وَلَا تُعَسِّرُوا، وسكِّنُوا وَلَا تُنَفِّروا". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١٠). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ: "بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا". وَفِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم
(١) هذا لفظ حديث جابر وسيأتي.
(٢) صحيح البخاري برقم (١٩٤٣) وصحيح مسلم برقم (١١٢١).
(٣) صحيح البخاري برقم (١٩٤٦) وصحيح مسلم برقم (١١٢١).
(٤) المسند (٢/٧١).
(٥) في جـ: "تثبت الأدلة".
(٦) في أ، و: "حدثنا أبو".
(٧) المسند (٣/٤٧٩).
(٨) في أ، و: "فخرج رجل".
(٩) المسند (٥/٦٩).
(١٠) صحيح البخاري برقم (٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٤).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي : الصوم المفروض عليكم، هو شهر رمضان، الشهر العظيم، الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، وهو القرآن الكريم، المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، وتبيين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأهل السعادة وأهل الشقاوة.
فحقيق بشهر، هذا فضله، وهذا إحسان الله عليكم فيه، أن يكون موسما للعباد مفروضا فيه الصيام.
فلما قرره، وبين فضيلته، وحكمة الله تعالى في تخصيصه قال :﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر.
ولما كان النسخ للتخيير، بين الصيام والفداء خاصة، أعاد الرخصة للمريض والمسافر، لئلا يتوهم أن الرخصة أيضا منسوخة [ فقال ] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي : يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أشد(١) تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله.
وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله، سهَّله تسهيلا آخر، إما بإسقاطه، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات.
وهذه جملة لا يمكن تفصيلها، لأن تفاصيلها، جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ وهذا - والله أعلم - لئلا يتوهم متوهم، أن صيام رمضان، يحصل المقصود منه ببعضه، دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته، ويشكر الله [ تعالى ] عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعباده، وبالتكبير عند انقضائه، ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد.
١ - في ب: أبلغ تسهيل..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٨٣ - ١٨٥} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان.
وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، التي اختصيتم بها.
ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا بذلك إلى الله، راجيا بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى.
ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى.
ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام، أخبر أنه أيام معدودات، أي: قليلة في غاية السهولة.
ثم سهل تسهيلا آخر. فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وذلك للمشقة، في الغالب، رخص الله لهما، في الفطر.
ولما كان لا بد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن، أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض، وانقضى السفر، وحصلت الراحة.
وفي قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ فيه دليل على أنه يقضي عدد أيام رمضان، كاملا كان، أو ناقصا، وعلى أنه يجوز أن يقضي أياما قصيرة باردة، عن أيام طويلة حارة كالعكس.
وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يطيقون الصيام ﴿فِدْيَةٌ﴾ عن كل يوم يفطرونه ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهذا في ابتداء فرض الصيام، لما كانوا غير معتادين للصيام، وكان فرضه حتما، فيه مشقة عليهم، درجهم الرب الحكيم، بأسهل طريق، وخيَّر المطيق للصوم بين أن يصوم، وهو أفضل، أو يطعم، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
ثم بعد ذلك، جعل الصيام حتما على المطيق وغير المطيق، يفطر ويقضيه في أيام أخر [وقيل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتكلفونه، ويشق عليهم مشقة غير محتملة، كالشيخ الكبير، فدية عن كل يوم مسكين (١) وهذا هو الصحيح] (٢).
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي: الصوم المفروض عليكم، هو شهر رمضان، الشهر العظيم، الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، وهو القرآن الكريم، المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، وتبيين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأهل السعادة وأهل الشقاوة.
فحقيق بشهر، هذا فضله، وهذا إحسان الله عليكم فيه، أن يكون موسما للعباد مفروضا فيه الصيام.
فلما قرره، وبين فضيلته، وحكمة الله تعالى في تخصيصه قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر.
ولما كان النسخ للتخيير، بين الصيام والفداء خاصة، أعاد الرخصة للمريض والمسافر، لئلا يتوهم أن الرخصة أيضا منسوخة [فقال] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أشد (٣) تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية -[٨٧]- السهولة في أصله.
وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله، سهَّله تسهيلا آخر، إما بإسقاطه، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات.
وهذه جملة لا يمكن تفصيلها، لأن تفاصيلها، جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ وهذا - والله أعلم - لئلا يتوهم متوهم، أن صيام رمضان، يحصل المقصود منه ببعضه، دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته، ويشكر الله [تعالى] عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعباده، وبالتكبير عند انقضائه، ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد.
(١) ظاهر أن المراد عن كل يوم طعام مسكين.
(٢) زيادة من هامش ب.
(٣) في ب: أبلغ تسهيل.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
الْقُرْآنُ
اسم كتاب الله عز وجل، فإنه لا يسمّى به غيره، وإنما سمي قرآنا لأنه يجمع السّور فيضمها، ومنه قول الشاعر:هجان اللّون لم تقرأ جنينا «8»أي لم تضم في رحمها ولدا قط.ويكون القرآن مصدرا كالقراءة، يقال: فلان يقرأ قرآنا حسنا، أي قراءة حسنة ينبغي أن تقول كتاب الله المنزّل على محمد صلّى الله عليه وسلّم ليتميّز بذلك عن المنزّل على موسى وعيسى وغيرهما.
الْفُرْقانِ
ما فرّق بين الحقّ والباطل.
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
العسر ضد اليسر، أي: يريد بكم الإفطار في السّفر ولا يريد بكم الصّوم فيه . وقيل: اليسر:الخير والصّلاح، كاليسرى. العسر: الشّدة والشّرّ كالعسرى.

إعراب الآية ١٨٥ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

والأصل يطوقونه، وقد قرئ به فقلبت حركة الواو على الطاء فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ ابن عباس يطوّقونه «١» فصحّت الواو لأنه ليس قبلها كسرة، ويقرأ يطّوّقونه «٢» والأصل يتطوّقونه ثم أدغمت التاء في الطاء. والقراءة المجمع عليها يُطِيقُونَهُ وأصحّ ما فيها أنّ الآية منسوخة كما ذكرناه. فأما يطيّقونه وتطّيّقونه فلا يجوز لأن الواو لا تقلب ياء إلا لعلّة. فدية طعام مساكين «٣» هذه قراءة أهل المدينة وابن عامر «٤» رواها عنه عبيد الله عن نافع، وقرأ أبو عمرو والكسائي وحمزة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ «٥» وهذا اختيار أبي عبيد وزعم أنه اختاره لأن معناه لكل يوم إطعام واحد منهم فالواحد مترجم عن الجميع وليس الجميع بمترجم عن الواحد. قال أبو جعفر: وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنّما يعرف بالدلالة فقد علم أنّ معنى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين أنّ لكلّ يوم مسكينا فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع. واختار أبو عبيد أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قال: لأن الطعام هو الفدية. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك: هذا ثوب خزّ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ شرط وجوابه وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ابتداء وخبر أي فالصوم خير لكم.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٥]

شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
شَهْرُ رَمَضانَ حكيت فيه ستة أوجه: شَهْرُ رَمَضانَ قراءة العامة، وقرأ مجاهد وشهر ابن حوشب شَهْرُ رَمَضانَ بالنصب وحكي عن الحسن وأبي عمرو إدغام الراء في الراء وهذا لا يجوز لئلّا يجتمع ساكنان، والقراءة الرابعة: الإخفاء والوجه الخامس أن تقلب حركة الراء على الهاء فتضم الهاء، وهذا قول الكوفيين كما قال امرؤ القيس: [الطويل] ٣٥-
فمن كان ينسانا وحسن بلائنافليس بناسينا على حالة بكر «٦»
(١) انظر المحتسب ١/ ١١٨.
(٢) انظر المحتسب ١/ ١١٨، والبحر المحيط ٢/ ٤٢.
(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ١٧٦.
(٤) ابن عامر، عبد الله بن عامر اليحصبي، أحد القراء السبعة (ت ١١٨ هـ) ترجمته في كتاب السبعة لابن مجاهد ٨٦، وغاية النهاية ١/ ٤٢٣. [.....]
(٥) وهذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٢/ ٤٤.
(٦) الشاهد غير موجود في شعر امرئ القيس ولا في الشواهد النحوية.
ويجوز شَهْرُ رَمَضانَ «١» من جهتين: إحداهما على قراءة من نصب فقلب حركة الراء على الهاء، والأخرى على لغة من قال لحم ولحم ونهر ونهر «شهر رمضان» رفع بالابتداء وخبره الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ويجوز أن يكون شهر مرفوعا على إضمار ابتداء، والتقدير المفترض عليكم صومه شهر رمضان أو ذلك شهر رمضان أو الصوم أو الأيام. ورمضان لا ينصرف لأن النون فيه زائدة. ونصب شهر رمضان شاذّ وقد قيل فيه أقوال: قال الكسائي: المعنى كتب عليكم الصيام وأن تصوموا شهر رمضان. قال الفراء «٢» : أي كتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان. قال أبو جعفر: لا يجوز أن تنصب شهر رمضان تصوموا لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين الصلة والموصول وكذا إن نصبته بالصيام، ولكن يجوز أن تنصبه على الإغراء أي الزموا شهر رمضان وصوموا شهر رمضان. وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدّم ذكر الشهر فيغرى به.
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ في موضع نصب على الحال من القرآن والقرآن اسم ما لم يسمّ فاعله. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ يقال: ما الفائدة في هذا والحاضر والمسافر يشهدان الشهر؟ فالجواب أن الشهر ليس بمفعول وإنما هو ظرف زمان والتقدير فمن شهد منكم المصر في الشهر، وجواب آخر أن يكون التقدير فمن شهد منكم الشهر غير مسافر ولا مريض فَلْيَصُمْهُ وقرأ الحسن فَلْيَصُمْهُ وكان يكسر لام الأمر كانت مبتدأة أو كان قبلها شيء وهو الأصل ومن أسكن حذف الكسرة لأنها ثقيلة. وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ اسم «كان» فيها مضمر «ومريضا» خبره «أو على سفر» عطف أي أو مسافرا.
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ واليسر واليسر لغتان وكذا العسر والعسر.
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فيه خمسة أقوال. قال الأخفش: هو معطوف أي ويريد ولتكملوا العدة كما قال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [الصف: ٨]، وقال غيره: يريد الله هذا التخفيف لتكملوا العدة، وقيل الواو مقحمة، وقال الفراء «٣» : المعنى ولتكملوا العدّة فعل هذا. قال أبو جعفر: وهذا قول حسن ومثله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك، والقول الخامس ذكره أبو إسحاق إبراهيم بن السري «٤» قال: هو محمول على المعنى والتقدير فعل الله ذلك ليسهّل عليكم ولتكملوا العدة. قال: ومثله ما أنشد سيبويه «٥» :[الكامل]
(١) وهذه قراءة مجاهد وشهر بن حوشب وهارون الأعور، انظر البحر المحيط ٢/ ٤٥.
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١١٢.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١١٣.
(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه ٢١٩.
(٥) البيتان للشمّاخ بن ضرار في ملحق ديوانه ص ٤٢٧، وأساس البلاغة (معز)، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٩٦، ولذي الرمة في ملحق ديوانه ص ١٨٤٠، وبلا نسبة في أساس البلاغة (شجج)، وتاج العروس (شجج)، وخزانة الأدب ٥/ ١٤٧، والكتاب ١/ ٣٢٠، ولسان العرب (شجج).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٨٥ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْعُسْرَ

(العُسْرَ) بسكون السين

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(العُسُرَ) بضم السين

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

الْقُرْءَانُ

(القُرْءان) بسكون الراء بعدها همزة بعدها ألف

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(القُرَان) بفتح الراء بعدها ألف وبحذف الهمزة

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير

الْيُسْرَ

(اليُسْرَ) بسكون السين

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(اليُسُرَ) بضم السين

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

شَهْرُ رَمَضَانَ

ادغام الراء في الراء ادغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

اظهار الراء الأولى المضمومة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

لِّلنَّاسِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو

بالفتح

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

وَلِتُكْمِلُواْ

(وَلِتُكْمِلُوا) بسكون الكاف وتخفيف الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(وَلِتُكَمِّلُوا) بفتح الكاف وتشديد الميم

شعبة عن عاصم رويس عن يعقوب روح عن يعقوب
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٨٥ من سورة البقرة

٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٠٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٢٨ قولًا
١
عن أبي عثمان النَّهْدِيِّ، قال: كان سلمان يعلِّمنا التكبير: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، اللهم أنت أعلى وأجلُّ مِن أن يكون لك صاحبة، أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك ولِيٌّ من الذُّلِّ، وكبِّرْه تكبيرًا، اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ٣‏/‏٣١٦.
٢
عن ابن عباس أنه كان يكبِّر: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبرُ وأجلُّ، الله أكبر على ما هدانا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٢‏/‏١٦٧-١٦٨ من طريق عكرمة بنحوه، وابن جرير ٣‏/‏٢٢٢، والبيهقي ٣‏/‏٣١٥ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى المروزي.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (١/٤٤٦): «ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثلاثًا، ومن العلماء من يكبر، ثم يهلل، ويُسَبِّح أثناء التكبير، ومنهم من يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا. وقد قيل غير هذا، والجميع حسن واسع مع البداءة بالتكبير».
٣
عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ -من طريق عطاء بن السائب- قال: كانوا في الفطر أشدَّ منهم في الأضحى، يعني: في التكبير١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارقطني ٢‏/‏٤٤، والبيهقي في السنن ٣‏/‏٢٧٩. وعزاه السيوطي إلى المروزي.
٤
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَقَدَّمُوا الشهر حتى تَرَوُا الهلال، أو تُكْمِلوا العِدَّة ثلاثين، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تُكْمِلُوا العِدَّة ثلاثين»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٤‏/‏١٧ (٢٣٢٦)، والنسائي ٤‏/‏١٣٥ (٢١٢٦)، وابن خزيمة ٣‏/‏٣٦١ (١٩١١)، وابن حبان ٨‏/‏٢٣٨ (٣٤٥٨). قال ابن الجوزي في التحقيق ٢‏/‏٧٥ (١٠٦٣): «أحمد ضَعَّف حديث حذيفة، وقال: ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظ». وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ٣‏/‏٢٠٦: «وقول المؤلف: إنّ أحمد ضَعَّف حديثَ حذيفة. وهْمٌ منه، فإنّ أحمد إنما أراد أن الصحيح قولُ مَن قال: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وأنّ تسمية حذيفة وهْمٌ من جرير؛ فظن المؤلف أنّ هذا تضعيف من أحمد للحديث، وأنه مرسل، وليس هو بمرسل، بل متصل؛ إما عن حذيفة، وإما عن رجل من أصحاب النبي ﷺ؛ وجهالة الصحابي غير قادحة في صحة الحديث -كما ظنه بعضهم-». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧‏/‏٩٣ (٢٠١٥): «إسناده صحيح، على شرط الشيخين، وصحّحه ابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وابن القيم».
٥
عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّ عليكم الشهرَ فأَكْمِلُوا العِدَّة». وفي لفظ: «فعُدُّوا ثلاثين»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٢٧ (١٩٠٩)، ومسلم ٢‏/‏٧٦٢ (١٠٨١)، والنسائي ٤‏/‏١٣٣ (٢١١٧) واللفظ له.
٦
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين، إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٤‏/‏١٨ (٢٣٢٧) واللفظ له، والترمذي ٢‏/‏٢٢٦-٢٢٧ (٦٩٦)، والنسائي ٤‏/‏١٤٩ (٢١٧٤). قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٧‏/‏٩٤ (٢٠١٦): «حديث صحيح».
٧
عن الزُهْرِيِّ: أنّ رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر، فيكبّر حتى يأتي المصلّى وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قَطَع التكبير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١‏/‏٤٨٧ (٥٦٢١)، وابن شبة في تاريخ المدينة ١‏/‏١٤١-١٤٢. قال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢‏/‏٣١٠ (٢٣٧٦): «قال أبي: هذا حديث منكر. ثم قال: دخل شعبة على ابن أبي ذئب، فنهاه أن يُحَدِّث به، وقال: لا تُحَدِّث بهذا. وأنكره شعبة». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢‏/‏١٩٠: «مرسل». وقال الألباني في الإرواء ٣‏/‏١٢٣: «وهذا سند صحيح مرسلًا». وأورده في الصحيحة ١‏/‏٣٢٩ (١٧١).
٨
ومن وجه آخر موصولًا، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١‏/‏٤٣٧ (١١٠٥). قال الحاكم: «هذا حديث غريب الإسناد والمتن، غير أن الشيخين لم يَحْتَجّا بالوليد بن محمد الموقري، ولا بموسى بن عطاء البلقاوي». وقال الذهبي في التلخيص: «هما متروكان». وضعّفه البيهقي في الكبرى ٣‏/‏٣٩٥ (٦١٣١) وقال: «موسى بن محمد بن عطاء منكر الحديث ضعيف، والوليد بن محمد ضعيف، لا يُحْتَجُّ برواية أمثالهما». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٢٨٢: «إسناده ضعيف جِدًّا». وقال الألباني في الإرواء ٣‏/‏١٢٣: «لا يصح... وقد صحّ عن الزهري مرسلًا مرفوعًا».
٩
عن عبد الله -من طريق نافع-: أنّ رسول الله ﷺ كان يخرج إلى العيدين رافعًا صوته بالتهليل والتكبير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن خزيمة ٢‏/‏٥٤٧ (١٤٣١)، والبيهقي في الشعب ٥‏/‏٢٨٨-٢٨٩ (٣٤٤١) واللفظ له. قال النووي في خلاصة الأحكام ٢‏/‏٨٤٢ (٢٩٨٠): «ضعيف». وقال الألباني في الإرواء ٣‏/‏١٢٣: «ورجاله ثقات، رجال مسلم، غير عبد الله بن عمر، وهو العمري المكبّر، قال الذهبي: صدوق، في حفظه شيء. ورمز له هو وغيره بأنه من رجال مسلم، فمثله يُسْتَشْهَدُ به».
١٠
عن ابن مسعود أنّه كان يكبّر: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٢‏/‏١٦٨. وعزاه السيوطي لسعيد بن منصور، والمروزي.
١١
عن مِحْجَن بنِ الأدْرَعِ: أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصلّي، فتَراءاه ببصره ساعةً، فقال: «أتُراه يُصلي صادقًا؟». قلت: يا رسول الله، هذا أكثر أهل المدينة صلاةً. فقال: «لا تُسْمِعْه فتُهْلِكْه». وقال: «إنّ الله إنّما أراد بهذه الأمة اليُسْر، ولم يُرِدْ بهم العُسْر»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٣‏/‏٤٥٥ (٢٠٣٤٧)، ٣٣‏/‏٤٥٧-٤٥٨ (٢٠٣٤٩) مُطَوَّلًا، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٥٠٥- واللفظ له. قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٣٠٨ (٥٨٣٢): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح خلا رجاء، وقد وثّقه ابن حبان».
١٢
عن بُرَيْدَة، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعًا، فإذا رجل بين أيدينا يصلي، يكثر الركوع والسجود، فقال رسول الله ﷺ: «تراه مُرائِيًا؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم. فأَرْسَل يدي، فقال: «عليكم هَدْيًا قاصِدًا، فإنّه مَن يُشادَّ هذا الدين يَغْلِبْه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٨‏/‏٦١ (٢٢٩٦٣)، ٣٨‏/‏١٥٧ (٢٣٠٥٣)، والحاكم ١‏/‏٤٥٧ (١١٧٦)، وابن خزيمة ٢‏/‏٣٤٣ (١١٧٩). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وقال الهيثمي في المجمع ١‏/‏٦٢ (٢١٨): «رواه أحمد، ورجاله مُوَثَّقُون». وقال البوصيري في الإتحاف ١‏/‏١١٣ (٨٢): «هذا حديث صحيح». وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح ١‏/‏٩٤. وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏١٤٥: «وإسناده حسن أو صحيح».
١٣
عن أبي هريرة، قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: «الدِّين يُسْرٌ، ولن يُغالِبَ الدِّينَ أحدٌ إلا غلَبَه، سدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوة والرَّوْحة وشيءٍ من الدُّلجْة»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١‏/‏١٦ (٣٩)، والبيهقي في الشعب ٥‏/‏٣٩٢-٣٩٣ (٣٥٩٨) واللفظ له.
١٤
عن مَعْبَد الجهني، عن بعض أصحاب النبي ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: «العلمُ أفضل من العمل، وخير الأعمال أوسطها، ودين الله بين القاسي والغالي، والحسنة بين السيئتين، لا ينالها إلا بالله، وشرُّ السَّيْرِ الحَقْحَقة١»٢
التخريج
  1. ١قال أبو عبيد في غريب الحديث ٤‏/‏٣٨٨ في تفسير الحقحقة: «وهو أن يُلِحّ في شدّة السير حتى تقوم عليه راحلته، أو تعطب فيبقى منقطعًا به. وهذا مثل ضربه للمجتهد في العبادة حتى يَحْسِر».
  2. ٢أخرجه البيهقي في الشعب ٥‏/‏٣٩٦ (٣٦٠٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٦‏/‏٣١٧٠-٣١٧١ (٧٢٩٦). قال المناوي في التيسير ٢‏/‏١٥٦: «بإسناد ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٨‏/‏٤١٠ (٣٩٤٠): «موضوع».
١٥
عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله يُحِبُّ أن يُؤْتى رُخَصُه، كما يُحِبُّ أن تُؤْتى عزائمه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن حبان (٣٥٦٨)، والبيهقي في الشعب ٥‏/‏٣٩٧ (٣٦٠٦). قال النووي في خلاصة الأحكام ٢‏/‏٧٢٩: «رواه البيهقي بإسناد جيد».
١٦
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: «إنّ الله يُحِبُّ أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن حبان ٢‏/‏٦٩ (٣٥٤). قال المنذري في الترغيب والترهيب ١‏/‏١٤٧: «رواه البزار بإسناد حسن». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٦٢ (٤٩٤٠): «رواه الطبراني في الكبير، والبزار، ورجال البزار ثقات، وكذلك رجال الطبراني». وصحّح إسناده الألباني في الإرواء ٣‏/‏١١.
١٧
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يحب أن تؤتى رخصه، كما لا يحب أن تُؤْتى معصيته»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٠‏/‏١١٢ (٥٨٧٣)، وابن خزيمة ٢‏/‏١٥١-١٥٢ (٩٥٠)، وابن حبان ٦‏/‏٤٥١ (٢٧٤٢)، والبيهقي في الشعب ٥‏/‏٣٩٨ (٣٦٠٧) واللفظ له. قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٦٢ (٤٩٣٩): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، والبزار، والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن». وقال الألباني في الإرواء ٣‏/‏٩ (٥٦٤): «صحيح».
١٨
عن ابن عباس، قال: سُئِل النبي ﷺ: أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: «الحنيفيّة السَّمْحَة»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤‏/‏١٧ (٢١٠٧)، والبخاري في الأدب المفرد ص١٠٨ (٢٨٧)، والطبراني في الكبير ١١‏/‏٢٢٧ (١١٥٧٢) واللفظ لهما، وابن المنذر في تفسيره ١‏/‏٢٩٣ (٧١٠). وعلَّقه البخاري في صحيحه ١‏/‏١٦. قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏٦٠ (٢٠٣): «رواه أحمد، والطبراني في الكبير، والأوسط، والبزار، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، ولم يُصَرِّح بالسماع». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ١‏/‏١١٥ (٨٤): «هذا إسناد ضعيف؛ لتدليس محمد بن إسحاق». وقال ابن حجر في تغليق التعليق ٢‏/‏٤١: «وله شاهد من مرسل صحيح». وقال المناوي في فيض القدير ١‏/‏١٧٠: «قال العلائي: لكن له طرق لا ينزل عن درجة الحسن بانضمامها». وأورده الألباني في الصحيحة ٢‏/‏٥٤١ (٨٨١).
١٩
عن عبد الله بن يزيد بن آدم، قال: حدثني أبو الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله يُحِبُّ أن تُقْبَل رخصه، كما يُحِبُّ العبدُ مغفرةَ ربِّه»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٥‏/‏١٥٥ (٤٩٢٧)، والكبير ٨‏/‏١٥٣ (٧٦٦١). قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٦٣ (٤٩٤٢): «رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وعبد الله بن يزيد ضعّفه أحمد وغيره». وقال الألباني في الإرواء ٣‏/‏١٣: «هو بهذا اللفظ باطل... الحديث صحيح بلفظيه المتقدمين: كما يكره أن تؤتى معصيته... كما يحب أن تؤتى عزائمه». وقال في الضعيفة ٢‏/‏٥ (٥٠٨): «باطل بهذا اللفظ».
٢٠
عن عائشة، قالت: وضع رسول الله ﷺ ذَقْني على مَنكِبِه لأنظر زَفْنَ١ الحَبَشة، حتى كنتُ الذي مللتُ وانصرفتُ عنهم. قالتْ: وقال يومئذ: «لِتعلمَ يهودُ أنّ في ديننا فُسْحَةً، إنِّي أُرْسِلتُ بحنيفِيَّة سَمْحَة»٢
التخريج
  1. ١الزفن: اللعب والدفع. النهاية (زفن).
  2. ٢أخرجه أحمد ٤١‏/‏٣٤٨-٣٤٩ (٢٤٨٥٤، ٢٤٨٥٥)، ٤٣‏/‏١١٥ (٢٥٩٦٢). قال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٣٨١: «أصل الحديث مخرج في الصحيحين، والزيادة لها شواهد من طرق عدة». وقال ابن حجر في تغليق التعليق ٢‏/‏٤٣: «هذا الإسناد حسن». وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ص١٨٦ (٢١٤): «وسنده حسن». وقال العجلوني في كشف الخفاء ١‏/‏٦١ (١٢١): «بسند حسن». وقال الألباني في الصحيحة ٤‏/‏٤٤٣: «وهذا إسناد جيد».
٢١
سُئِل جابر بن زيد -من طريق حبيب بن يزيد- عن الصلاة عند القتال. فقال: يُصَلِّي الرجل راكبًا وماشيًا حيث كان وجهه، وذلك من تيسير الله على عباده؛ إنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٣.
٢٢
عن عامر الشعبي -من طريق داود- قال: إذا اختلف عليك أمران، فانظر أيْسَرَهما؛ فإنه أقرب إلى الحق؛ إنّ الله أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يُرِد بهم العسر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٣.
٢٣
عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ: «خيرُ دينكم أيسرُه». قال قتادة: إنّ كتاب الله قد جاءكم بذاك، وربِّ الكعبة: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، إنّ كتاب الله قد جاءكم بذاك، وربِّ الكعبة: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٩٠.
٢٤
عن واثلة بن الأسقع، أنّ رسول الله ﷺ قال: «أُنزِلَت صحفُ إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأُنزِلَت التوراةُ لِسِتٍّ مَضَيْن من رمضان، وأُنزِل الإنجيلُ لثلاث عشرة خَلَتْ من رمضان، وأُنزِل الزبورُ لثمان عشرة من رمضان، وأنزل اللهُ القرآنَ لأربع وعشرين خَلَتْ من رمضان»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٨‏/‏١٩١ (١٦٩٨٤)، وابن جرير ٣‏/‏١٨٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٠٨ (٥١٩)، ١‏/‏٣١٠ (١٦٤٩)، ٢‏/‏٥٨٧ (٣١٣٧)، ٥‏/‏١٤٢٣ (٨١٠٨)، ٥‏/‏١٥٨٢ (٨٣٣٧)، ٨‏/‏٢٥١٦ (١٤٠٨٠). قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١٩٧ (٩٥٩): «رواه أحمد، ... وفيه عمران بن داوَر القطان، ضعّفه يحيى، ووثّقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقيّة رجاله ثقات». وقال الألباني في الصحيحة ٤‏/‏١٠٤ (١٥٧٥): «وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات».
٢٥
عن عائشة، قالت: أُنزِلت الصحفُ الأولى في أول يوم من رمضان، وأنزلت التوراة في سِتٍّ من رمضان، وأنزل الإنجيل في اثنتي عشرة من رمضان، وأنزل الزبور في ثماني عشرة من رمضان، وأنزل القرآن في أربع وعشرين من رمضان١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى محمد بن نصر.
٢٦
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي مَلِيح- قال: أنزل الله صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزل التوراة على موسى لِسِتٍّ خَلَوْنَ من رمضان، وأنزل الزّبور على داود لاثنتي عشرة خَلَتْ من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى لثماني عشرة خَلَتْ من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد لأربع وعشرين خَلَتْ من رمضان١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى (٢١٩٠) دون ذكر إنجيل عيسى، وبلفظ:... وأنزل الزبور على داود في إحدى عشرة ليلة خلت من رمضان. بدل:... اثنتي عشرة... ، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٣٠٩-.
٢٧
عن أبي الجَلْد -من طريق قتادة- قال: أُنزل صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لِسِتٍّ خَلَوْنَ من رمضان، وأنزل الزّبور لاثنتي عشرة خَلَتْ من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل لثماني عشرة خَلَوْنَ من شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خَلَتْ من رمضان. وذُكِرَ لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ قال: «أُعْطِيت السبع الطُّوَل مكان التوراة، وأُعْطِيت المِئِينَ مكان الإنجيل، وأُعْطِيتُ المَثانِي مكان الزَّبُور، وفُضِّلت بالمُفَصَّل»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن ص٧٤-٧٥ (١٢٧) مرسلًا من طريق قتادة قال: حدثنا صاحبٌ لنا، عن أبي الجلد به. وعليه فالإسناد على إرساله ضعيف؛ لوجود رجل مبهم.
٢٨
عن الحسن بن علي -من طريق جعفر، عن أبيه، عن جَدِّه- أنّه لما قُتِل عليٌّ قام خطيبًا، فقال: واللهِ، لقد قتلتم الليلة رجلًا، في ليلةٍ نزل فيها القرآن، وفيها رُفِع عيسى ابن مريم، وفيها قُتِل يُوشَع بن نون، وفيها تِيب على بني إسرائيل١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى (٦٧٥٧)، وابن عساكر ٤٢‏/‏٥٨٢.

تفسير

٦١ قولًا
١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾، قال: عِدَّة ما أفطر المريضُ والمسافرُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢٢٠.
٢
قال عطاء: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾، أي: عدد أيام الشهر١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٧٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٠١.
٣
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾، قال: عِدَّة رمضان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٤.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال ﷻ: ﴿ولتكملوا العدة﴾، يعني: تمام الأيام المعدودات١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٦٢.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿ولتكملوا العدة﴾، قال: إكمالُ العِدَّة: أن يصومَ ما أفطر من رمضان في مرض أو سفر أن يُتمَّه، فإذا أتَمَّه فقد أكمل العِدَّة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢٢٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (٣/٢١٩): «﴿ولتكملوا العدة﴾: عِدَّة ما أفطرتم -مِن أيام شهر رمضان في سفركم أو مرضكم- من أيام أُخَر». وقال ابنُ كثير (٢/ ١٨٥): «إنّما أرْخَصَ لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار؛ لإرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء؛ لتكملوا عِدَّة شهركم».
٦
عن عائشة، قالت: سُئِل النبي ﷺ عن خروج العَواتِق في العيدين. فقال: «يَخْرُجْنَ». قيل: يا رسول الله، إن لم يكن لها ثوب؟ قال: «تلبسُ ثوبَ صاحبتها، ألم تسمعي أن الله يقول: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٧‏/‏١١ (٦٧٠٥). قال الهيثمي في المجمع ٢‏/‏٢٠٠ (٣٢٢٠): «فيه مطيع بن ميمون، قال ابن عدي: له حديثان غير محفوظين. وقال ابن المديني: ثقة».
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن زيد- قال: حقٌّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوّال أن يُكَبِّرُوا الله حتّى يفرغوا من عيدهم؛ لأنّ الله يقول: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبّروا الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢١٦.
٨
عن زيد بن أسلم -من طريق داود بن قيس- في قوله: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾، قال: التكبير يومَ الفطر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والمروزي في كتاب العيدين.
٩
عن زيد بن أسلم -من طريق داود بن قيس- في قوله: ﴿ولتكبّروا الله على ما هداكم﴾، قال: إذا رُئِي الهلالُ فالتكبيرُ من حِين يرى الهلال حتى ينصرف الإمام، في الطريق والمسجد، إلا أنه إذا حضر الإمامُ كفّ فلا يُكَبّر إلا بتكبيره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢٢١.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولتكبروا الله﴾ يعني: لكي تُعَظِّموا الله ﴿على ما هداكم﴾ من أمر دينه، ﴿ولعلكم﴾ يعني: لكي ﴿تشكرون﴾ ربكم في هذه النعم؛ إذ هداكم لأمر دينه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٦٢.
١١
عن سفيان [الثوري] -من طريق ابن المبارك- ﴿ولتكبِّروا الله على ما هداكم﴾، قال: بَلَغَنا: أنّه التكبير يوم الفطر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢٢٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (٣/٢٢١) مستندًا لقول أهل التأويل، وابنُ تيمية (١/٤٣٢) مستندًا للسياق: «هو تكبير العيد يوم الفطر». وقال ابنُ كثير (٢/١٨٥) مستندًا للنظائر: «هو ذِكْرُ اللهِ عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ [البقرة:٢٠٠]، وقال: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ [النساء:١٠٣]، ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد، والتكبير بعد الصلوات المكتوبات».
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: لا تَعِبْ على من صام في السفر، ولا على مَن أفطر، خُذ بأَيْسَرِهما عليك؛ قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (٤٤٩٢، ٤٤٩٨).
١٣
عن عمر بن عبد العزيز أنّهُ سُئِل عن الصوم في السفر. فقال: إن كان أهونَ عليك فصُمْ. وفي لفظ: إذا كان يُسْرٌ فصوموا، وإن كان عُسْرٌ فأفطِرُوا؛ قال الله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد.
١٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾، قال: هو الإفطار في السفر، وجَعْلُ عِدَّةٍ من أيام أخر، ﴿ولا يريد بكم العسر﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢١٨.
١٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿يريد الله بكمُ اليسر﴾ قال: الإفطارُ في السفر، ﴿ولا يريد بكم العسر﴾: الصيام في السفر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢١٩. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٣.
١٦
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾، قال: تفطر الحاملُ والمرضعُ، والإفطار في السفر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٢.
١٧
عن صالح بن محمد بن صالح، عن أبيه، قال: قلتُ للقاسم بن محمد: إنّا نُسافر في الشتاء في رمضان، فإن صمتُ فيه كان أهونَ عليَّ من أن أقضيه في الحرّ. فقال: قال الله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾؛ ما كان أيسرَ عليك فافعل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢١٣.
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ يعني: الرفق في أمر دينكم حين رخَّص للمريض والمسافر في الفطر، ﴿ولا يريد بكم العسر﴾ يعني: الضيق في الدين، فلو لم يُرخِّص للمريض والمسافر كان عسرًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٦١.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، قال: اليُسْرُ: الإفطار في السفر. والعُسْرُ: الصوم في السفر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢١٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٣، والبيهقي (٣٧٧).
٢٠
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة-، والحسن البصري -من طريق إسماعيل بن مسلم- قالا: إذا لم يستطِعِ المريضُ أن يصلّي قائمًا أفطر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٢٠٢.
٢١
عن طَرِيف بن شهاب العُطارِدِيّ: أنّه دخل على محمد بن سيرين في رَمضان وهو يأكل، فلم يسأله. فلمّا فرغ قال: إنه وجِعَتْ إصبعي هذه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢٠٢.
٢٢
عن مَهِيبِ بن سُلَيْم، قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري، يقول: اعتللت بنيسابور علّة خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه، فقال لي: أفطرتَ، يا أبا عبد الله؟ فقلت: نعم. فقال: خشيتُ أن تضعف عن قَبول الرخصة. فقلت: أخبرنا عبدان، عن ابن المبارك، عن ابن جُرَيْج، قال: قلت لعطاء: مِن أيّ المرضِ أُفطر؟ قال: من أيِّ مرضٍ كان؛ كما قال الله عز وجل: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾. قال البخاري: ولم يكن هذا عند إسحاق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٢‏/‏٨٦.
٢٣
عن الشافعي -من طريق الربيع-: أنّ المرض المُبِيح للفطر هو كُلُّ مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علّته زيادةً غيرَ مُحْتَمَلَة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٢٠٢. وينظر: الأم ٢‏/‏١٠٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٣/٢٠٣) إلى ما ذهب إليه الشافعي مستندًا إلى القرآن، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ مَن كان الصوم جاهِدَه جهدًا غير محتمل؛ فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر؛ لقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، وأما مَن كان الصّوم غير جاهِدِه فهو بمعنى الصّحيح الذي يُطيق الصّوم، فعليه أداء فرضه».
٢٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وبيّنات من الهدى والفرقان﴾، قال: بيّنات من الحلال، والحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣١١.
٢٥
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال سبحانه: ﴿هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾، يعني: في الدِّين من الشُّبْهَة والضلالة. نظيرها في آل عمران: ﴿وأنزل الفرقان﴾ [الآية:٤]، يعني: المخرج من الشبهات١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٦١.
٢٦
عن عبد الملك ابن جُرَيْج: في قوله: ﴿هدى للناس﴾ قال: يهتدون به، ﴿وبينات من الهدى﴾ قال: فيه الحلال، والحرام، والحدود١٢
التخريج
  1. ١أخرج ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١١ شطره الأول من طريق ابن ثور. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيّن ابنُ جرير (٣/١٩٢) المراد بقوله تعالى: ﴿والفرقان﴾، فقال: «يعني: والفصل بين الحق والباطل». وقال ابنُ تيمية (١/٤٣١): «الفرقان: المفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، والصدق والكذب، والمأمور والمحظور، والحلال والحرام».
٢٧
عن علي بن أبي طالب -من طريق عَبِيدة السَّلْمانِيِّ- قال: من أدرك رمضان وهو مقيم، ثم سافر؛ فقد لَزِمه الصوم؛ لأنّ الله يقول: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣١١. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد.
٢٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، قال: هو إهلالُه بالدّار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٣ وزاد في آخره تعقيبًا بلفظ: يريد: إذا هلَّ وهو مقيم. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق حصين، عُمَّن حَدَّثه- أنّه قال في قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾: فإذا شَهِده وهو مقيم فعليه الصوم؛ أقام أو سافر، وإن شهده وهو في سَفر فإن شاء صامَ وإن شاء أفطر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٣. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٢.
٣٠
عن عبد الله بن عمر -من طريق ليث، عن رجل- في قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، قال: مَن أدركه رمضانُ في أهله، ثم أراد السفر؛ فلْيَصُم١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٧٣ -تفسير).
٣١
عن عَبِيدَةَ -من طريق أبي البَخْتَرِي-: إذا سافر الرجل وقد صام في رمضان؛ فلْيَصُم ما بقي. ثم قرأ هذه الآية: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، قال: وكان ابن عباس يقول: من شاء صام، ومن شاء أفطر١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٢
عن سعيد بن جبير: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، قال: إذا كان مقيمًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٣
عن مجاهد بن جبر: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، قال: مَن كان مسافرًا في بلد [وهو]١ مُقِيمٌ؛ فلْيَصُمْهُ٢
التخريج
  1. ١قال محققو الدر: زيادة يقتضيها السياق.
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٤
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-: أما ﴿منْ شَهد منكم الشهر فليصمه﴾ فمَن دخل عليه رمضان وهو مقيم في أهله فليصُمه، وإن خَرج فيه فليصُمه؛ فإنّه دَخل عليه وهو في أهله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/١٩٩) قولَ مَن زعم أنّ معناه: فمن شهد أوَّلَه مقيمًا حاضرًا فعليه صوم جميعه، وبيَّنَ أنه قولٌ باطلٌ فاسدٌ؛ مستندًا إلى ما ورد في السُّنَّة في قوله: «لِتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسول الله ﷺ أنّه خرج عام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صام بعضه، وأفطرَ وأمر أصحابه بالإفطار». وإلى مثله استند ابنُ كثير (٢/١٨٢) في انتقاده، حيث قال: «هذا القول غريب، نقله أبو محمد ابن حزم في كتابه المُحَلّى عن جماعة من الصحابة والتابعين. وفيما حكاه عنهم نظر -والله أعلم-؛ فإنه قد ثبتت السُّنَّةُ عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح».
٣٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، فواجب عليه الصيام، ولا يُطْعِم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٦١.
٣٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: نُزِّل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة، ثم فُرِّق في السنين بعدُ. قال: وتلا ابنُ عباس هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]، قال: نزل مُتَفَرِّقًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩١.
٣٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: أُنزِل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان اللهُ إذا أراد أن يُحْدِث في الأرض شيئًا أنزله منه، حتى جمعه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضريس (١١٧)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٩)، وابن جرير ٣‏/‏١٩٠، والطبراني (١٢٣٨٢)، والحاكم ٢‏/‏٢٢٢، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٩٨). وعزاه السيوطي إلى محمد بن نصر، وابن مردويه.
٣٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فكان الله إذا أراد أن يُوحي منه شيئًا أوحاه، فهو قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر:١]، فكان بين أوَّلِه وآخره عشرون سنة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٠.
٣٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ- قال: شهر رمضان، والليلة المباركة، وليلة القدر، فإنّ ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان، نزل القرآن جملة من الذِّكْرِ إلى البيت المعمور، وهو موقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن، ثم نُزِّل على محمد ﷺ بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسَلًا رسَلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٠.
٤٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: نُزِّل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر، فكان لا يُنَزِّل منه إلا ما أُمِر به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩١.
٤١
عن سعيد بن جبير -من طريق مسلم البَطِين- قال: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان في ليلة القدر، فجُعِل في بيت العِزَّة، ثم أُنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة جوابَ كلام الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضريس (١١٩، ١٢٠).
٤٢
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق نصر بن مُشارِس- ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، يقول: الذي أُنزِل صَوْمُه في القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١١.
٤٣
عن عامر الشعبي -من طريق داود- قال: بَلَغَنا: أنّ القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩١.
٤٤
عن داود بن أبي هند، قال: قلتُ لعامر الشعبي: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، فهل كان نَزَل عليه في سائر السَّنَة إلا ما في رمضان؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يُعارِض محمدًا ما أنزل عليه في السنة في رمضان، فَيُحْكِمُ الله ما يشاء، ويُثْبِت ما يشاء، ويَنسخ ما يَنسخ، ويُنسيه ما يشاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضريس (١٢٨). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. كما أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ٢‏/‏٢٠٣ (٨٢٢) مختصرًا.
٤٥
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ بَيَّن لهم أيَّ شهرٍ يصومون، فقال عز وجل: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ من اللوح المحفوظ في عشرين شهرًا، وأُنزِل به جبريل عليه السلام عشرين سنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٦١.
٤٦
عن محمد بن إسحاق:... ابْتُدِئ رسول الله ﷺ بالتنزيل في شهر رمضان، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ إلى آخر الآية، وقال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ إلى آخر السورة، وقال: ﴿حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين﴾ [الدخان:٣]، وقال: ﴿إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾ [الأنفال:٤١]، وذلك التقى رسولُ الله ﷺ والمشركين ببدر١
التخريج
  1. ١سيرة ابن إسحاق ص١٧٤-١٧٥.
٤٧
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن المبارك- في قوله: ﴿شهرُ رَمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، قال: كان يُنَزَّلُ من القرآن في ليلة القدر كلُّ شيء يُنَزَّلُ من القرآن في تلك السنة، فيتنَزَّل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا يُنَزِّلُ جبريلُ من ذلك على محمد إلا ما أمره به ربُّه. ومثل ذلك: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ و﴿إنّا أنزلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩١.
٤٨
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- قال: بَلَغَنِي: أنّه كان ينزل فيه من القرآن حتى انقطع الوحي، وحتى مات محمد ﷺ، فكان ينزل من القرآن في ليلة القدر كُلُّ شيءٍ يَنزِل من القرآن في تلك السنة، فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا يَنزِلُ جبريل من ذلك على محمد إلا بما أمره ربُّه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وفي المطبوع من ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١١: عن ابن نجيح، وهو تصحيف.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهبَ ابنُ جرير (٣/١٨٨) إلى أنّ القرآن «نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان، ثم أنزل إلى محمد ﷺ على ما أراد الله إنزاله إليه». واستند في ذلك إلى السنّة، وأقوال أهل التأويل.
٤٩
عن أبي صالح [باذام] -من طريق إسماعيل- الفرقان، قال: التوراة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١١ عند تفسير هذه الآية. وأورده السيوطي ٥‏/‏٦٣٤ معزوًّا إلى عبد بن حميد في تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان﴾ [الأنبياء:٤٨]، وهو أشبه.
٥٠
عن أبي هريرة مرفوعًا، وموقوفًا: «لا تقولوا: رمضان. فإنّ رمضان اسمٌ من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الكبرى ٤‏/‏٣٣٩ (٧٩٠٤)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير ٢‏/‏١١٢ (٤٧٤) مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٠ (١٦٤٨) موقوفًا. قال ابن أبي حاتم في العلل ٣‏/‏١١١: «قال أبي: هذا خطأ؛ إنما هو قول أبي هريرة». وقال البيهقي: «وهكذا رواه الحارث بن عبد الله الخازن، عن أبي معشر، وأبو معشر هو نجيح السندي، ضعّفه يحيى بن معين، وكان يحيى القطّان لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدّث عنه، والله أعلم، وقد قيل: عن أبي معشر، عن محمد بن كعب من قوله، وهو أشبه». وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٢‏/‏١٨٧: «هذا حديث موضوع لا أصل له». وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٥‏/‏٢٦٣٠ (٦١٣٠): «رواه أبو معشر نجيح السندي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ونجيح ضعيف جدًّا». وقال النووي في الأذكار ص٦٠٩ (١٩٦١) وابن حجر في الفتح ٤‏/‏١١٣: «هذا الحديث ضعيف». وقال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٥٠٢: «أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني، إمام في المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي، وهو جدير بالإنكار؛ فإنه متروك، وقد وهِم في رفع هذا الحديث». وقال الفتني في تذكرة الموضوعات ص٧٠: «هو ضعيف لا موضوع، وله شاهد قول مجاهد». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏٦٠٠ (٦٧٦٨): «باطل».
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ كثير (٢/١٨١) إلى جواز أن يقال: رمضان؛ استنادًا إلى ما ورد في السُّنَّة، كما عند البخاري في الصحيح باب: يقال رمضان. وفيه أحاديث منها: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبه». ونقل إنكارَ العلماء أن يكون حديث النهي مرفوعًا.
٥١
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي معشر-، وسعيد -من طريق أبي معشر-، مثله
٥٢
عن عائشة، قالت: قيل للنبي ﷺ: يا رسول الله، ما رمضان؟ قال: «أرْمَضَ١ اللهُ فيه ذنوبَ المؤمنين، وغفرها لهم». قيل: فشوّال؟ قال: «شالَت٢ فيه ذنوبُهم، فلم يبق فيه ذنب إلا غفره»٣
التخريج
  1. ١أرمض: أحرق. لسان العرب (رمض).
  2. ٢شالت: رُفِعَتْ. لسان العرب (شول).
  3. ٣أخرجه الأصبهاني في الترغيب ٢‏/‏٣٨٠ (١٨٢١). وعزاه السيوطي في الدر ١‏/‏٣٣٤ إلى ابن مردويه. وفي سنده مَن لم يُعرَف.
٥٣
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سُمِّي: رمضان؛ لأنّ رمضان يُرْمِضُ الذنوب»١
التخريج
  1. ١أخرجه الأصبهاني في الترغيب ٢‏/‏٣٥٣ (١٧٥٨) من طريق ابن مردويه. وأورده الديلمي في الفردوس ٢‏/‏٦٠ (٢٣٣٩). قال الفتني في تذكرة الموضوعات ص٧١: «فيه زياد بن ميمون، كذاب». وقال الألباني في الضعيفة ٧‏/‏٢٠٩ (٣٢٢٣): «موضوع».
٥٤
عن عبد الله بن عمر-من طريق سالم- قال: إنما سُمِّي رمضان؛ لأن الذنوب تُرْمَضُ فيه، وإنما سُمِّي شوّال لأنه يَشُولُ الذنوبَ كما تشولُ الناقةُ ذنبَها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٤٧‏/‏٣٣٥.
٥٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق سفيان- قال: لا تقل: رمضان. فإنّك لا تدري ما رمضان، لعله اسم من أسماء الله عز وجل، ولكن قل: شهر رمضان. كما قال الله عز وجل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٨٧. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٠. وعزاه السيوطي إلى وكيع.
٥٦
عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس: أنهما رَخَّصا فيه١
التخريج
  1. ١علقه ابن أبي حاتم ١/ ٣١٠.
٥٧
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١‏/‏١٦ (٣٨)، ٣‏/‏٢٦ (١٩٠١)، ٣‏/‏٤٥-٤٦ (٢٠١٤)، ومسلم ١‏/‏٥٢٣ (٧٦٠).
٥٨
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل رمضانُ فُتحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب جهنّم، وسُلْسِلَتِ الشياطينُ»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٢٥ (١٨٩٨)، ٤‏/‏١٢٣ (٣٢٧٧) واللفظ له، ومسلم ٢‏/‏٧٥٨ (١٠٧٩).
٥٩
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مُكَفِّراتٌ لِما بينهُنَّ إذا اجْتُنِبت الكبائرُ»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١‏/‏٢٠٩ (٢٣٣).
٦٠
عن مِقْسم، قال: سأل عطيةُ بن الأسود ابنَ عباس، فقال: إنّه قد وقع في قلبي الشكُّ في قوله الله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر:١]، وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان:٣]؛ وقد أُنزِل في شوّال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول! فقال ابنُ عباس: إنه أُنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جُمْلَةً واحدة، ثم أُنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رَسَلًا١ في الشهور والأيام٢
التخريج
  1. ١الرَّسَل: واحد الأرسال، وهي الأفواج والفرق المتقطعة يتبع بعضها بعضًا. النهاية (رسل) ٢‏/‏٢٢٢.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٨٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٠، والطبراني (١٢٠٩٥)، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٣١٠-، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٠١). وعزاه السيوطي إلى محمد بن نصر في كتاب الصلاة.
٦١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: نزل القرآن جملة - وفي لفظ: فُصِل القرآن- من الذِّكْرِ لأربعة وعشرين من رمضان، فوُضِع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريلُ يُنَزِّلُه على رسول الله ﷺ، يُرَتِّلُه ترتيلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٨٨، والطبراني (١٢٣٨١)، والحاكم ٢‏/‏٢٢٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٩٦). وعزاه السيوطي إلى الفريابي، ومحمد بن نصر، وابن مردويه، والضياء في المختارة.

آثار متعلقة بأحكام الآية

٢٠ قولًا
١
عن شعبة، قال: سألتُ الحكمَ [بن عُتَيبة]، وحمّاد [بن أبي سليمان]، وأردتُ أن أسافر في رمضان. فقالا: اخرج، قال إبراهيم [النخعي]-من طريق حمّاد-: أما إذا كان العَشر فأحبُّ إلَيَّ أن يُقِيم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ١٩٧.
٢
عن أبي حنيفة، ما معناه: مَن شَهِده عاقلًا بالغًا مُكَلّفًا فلْيَصُمْه١٢
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ٣‏/‏١٩٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/١٩٨-١٩٩) قولَ أبي حنيفة ومَن قال بقوله بالدلالة العقلية، فقال: «أجمع الجميع على أنّ مَن فقد عقله جميع شهر الصوم بإغماء أو برِسامٍ، ثم أفاق بعد انقضاء الشهر؛ أنّ عليه قضاء الشهر كلّه. ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوز الاعتراض به على الأمّة، وإذ كان إجماعًا فالواجب أن يكون سبيلُ كلِّ مَن كان زائل العقل جميعَ شهر الصوم سبيلَ المغمى عليه. وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنّ تأويل الآية غير الذي تأوّلها قائلو هذه المقالة: من أنه شهود الشهر أو بعضه مكلّفًا صومه».
٣
عن عبد الرحمن، قال: قال لي سفيان: أحَبُّ إلَيَّ أن تُتِمَّه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٧.
٤
عن عبد الرحمن بن القاسم: أنّ إبراهيم بن محمد جاء إلى عائشة يُسلِّم عليها وهو في رمضان. فقالت: أين تريد؟ قال: العمرة. قالت: قعدتَ حتى دخل هذا الشهر! لا تخرج. قال: إنّ أصحابي وثَقَلِي١ قد خرجوا. قالت: وإنْ، فرُدَّه، ثم أقِمْ حتى تُفطِر٢
التخريج
  1. ١الثقل -بالتحريك-: المتاع والحشم. لسان العرب (ثقل).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
عن أمّ ذَرَّةَ، قالت: كنت عند عائشة، فجاء رسول أخي، وذلك في رمضان، فقالت لي عائشة: ما هذا؟ فقلت: رسول أخي، يريد أن يخرج. فقالت: لا يخرج حتى ينقضي الشهر، فإنّ رمضان لو أدركني وأنا في الطريق لأقمتُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن محمد بن سيرين: سألتُ عَبيدة، قلتُ: أسافر في رمضان؟ قال: لا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
عن مغيرة، قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا، فمَرَّ بالفرات وهو صائم، فأخذ منه كَفًّا، فشربه وأفطر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٦.
٨
عن قتادة، عن الحسن، وسعيد بن المسيب، قالا: مَن أدركه الصومُ وهو مقيم رمضان ثم سافر، قالا: إن شاءَ أفطر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ١٩٧.
٩
عن إبراهيم، قال: إذا أدرك الرجل رمضان فلا يخرج، فإن خرج وقد صام شيئًا منه فليصُمْه في السفر، فإنّه إن يقضِه في رمضان أحبُّ إلي مِن أن يقضيَه في غيره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٤ بنحوه من طريق عبيدة الضبي. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن عامر الشعبي -من طريق عيسى بن أبي عَزَّةَ-: أنّه سافر في شهر رمضان، فأفطر عند باب الجسر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٧.
١١
عن أبي مِجْلَز [لاحق بن حميد]، قال: إذا دخل شهرُ رمضان فلا يسافرنَّ الرجل، فإن أبى إلا أن يسافر فليصُم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٢
عن سويد بن غفلة، وابن الحنفية، وخيثمة، وعلي بن الحسين، وعامر الشعبي، نحوه١
التخريج
  1. ١علقه ابن أبي حاتم ١/ ٣١٢ (عَقِب ١٦٥٦).
١٣
عن الحسن البصري، قال: لا بأس أن يسافر الرجل في رمضان، ويفطر إن شاء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٤
عن الحسن البصري، قال: لم يجعل اللهُ رمضانَ قَيْدًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٥
عن عطاء، قال: مَن أدركه شهرُ رمضان فلا بأس أن يسافر، ثم يُفْطِر١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف أهل التأويل في معنى شهود الشهر على أقوال: أوّلها: هو مُقامُ المقيمِ في داره، فمَن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فعليه صومُ الشهر كلّه، سافر بعد ذلك أو لم يسافر. الثاني: من شهده عاقلًا بالغًا مكلفًا فليصمه. الثالث: مَن شهد منكم الشهر فليصم ما شهد منه وهو مقيم، فإن سافر بعد ذلك فهو بالخيار؛ إن شاء أفطر، وإن شاء لم يفطر. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٢٠١) القولَ الثالثَ -وهو قول الشعبي، والحسن، وسعيد بن المسيب، والحكم، وحماد، وقول لابن عباس- بعد أن انتَقَدَ القولين: الأول -كما في حاشية التوجيه السابقة- والثاني -كما في حاشية التوجيه اللاحقة- مستندًا إلى السُّنَّة، والأدلة العقلية، ثم قال: «فإذا كان فاسدًا هذان التأويلان بما عليه دَللنا من فسادهما؛ فَبيِّنٌ أنّ الصحيح من التأويل هو الثالث، وهو قول مَن قال: فمن شهد منكم الشهر فليصم جميعَ ما شهد منه مقيمًا، ومن كان مريضًا أو على سفر فعدَّةٌ من أيام أُخَرَ».
١٦
عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: «مَن أفطر يومًا من شهر رمضان في الحَضَر فليُهْدِ بَدَنَة، فإن لم يجد فليُطعم ثلاثين صاعًا من تمر للمساكين»١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارقطني ٣‏/‏١٦٧-١٦٨ (٢٣٠٩). قال الدارقطني: «الحارث بن عبيدة، ومقاتل ضعيفان». وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٢‏/‏١٩٦: «هذا حديث لا يصح». وقال السيوطي: «بسند ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٢‏/‏٨٨ (٦٢٣): «موضوع».
١٧
عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع النبي ﷺ لثمان عشرَةَ مضتْ من رمضان، فمِنّا الصائمُ ومِنّا المفطرُ، فلم يَعِب الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٧٨٧ (١١١٦)، وابن جرير ٣‏/‏٢٠١ واللفظ له.
١٨
عن ابن عباس، قال: سافرَ رسول الله ﷺ في رمضان من المدينة إلى مكة، حتى إذا أتى عُسْفان نزل به، فدعا بإناء، فوضعه على يَدِه ليراه الناسُ، ثم شربه ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٧٨٥ (١١١٣)، وابن جرير ٣‏/‏١٩٩-٢٠٠ واللفظ له.
١٩
عن ابن عباس، قال: مضى رسول الله ﷺ لسفره عام الفتح لعشر مَضَيْنَ من رمضان، فصامَ رسولُ الله ﷺ، وصامَ الناسُ معه، حتى إذا أتى الكَدِيد -ما بين عُسْفان وأَمَج- أفطرَ١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٣٤ (١٩٤٤)، ٤‏/‏٤٩ (٢٩٥٣)، ٥‏/‏١٤٥-١٤٦ (٤٢٧٥، ٤٢٧٦)، ومسلم ٢‏/‏٧٨٤ (١١١٣)، وابن جرير ٣‏/‏٢٠٠ واللفظ له.
٢٠
عن الحسن بن سعد، عن أبيه، قال: كنت مع عليّ في ضَيْعَةٍ له على ثلاث من المدينة، فخرجنا نريد المدينة في شهر رمضان، وعليٌّ راكبٌ وأنا ماشٍ، قال: فصام، وأفطرت. وفي رواية: وأمرني فأفطرتُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏١٩٦.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٨٥ من سورة البقرة

٨٦ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القران﴾ اختص ﷲ سبحانه رمضان من سائر الشهور بنزول القرآن فاجعله سمة شهرك وطابعه الذي تلازمه ليل وَنهار .

    — تأملات قرآنية

  • قال تعالى : (شهر [ رمضان ] الذي أُنزل [ فيه ] القرءان ) شرف الله الزمن رمضان بنزول القرآن فيه فكيف بشرف قلبك بالإيمان به .

    — عبدالله بلقاسم

  • (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرءان) : الذي أكرم عباده بالقرآن في رمضان وهو أفضل العطايا فلن يحرمهم ما سألوه ابدا.

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ بالقرآن زادت عظمة رمضان فكن أنت عظيما بالقرآن .

    — نايف الفيصل

  • ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ شهرٌ أُنزل فيه القرآن ، فالْزَم القرآن فيه .

    — روائع القرآن

  • في قوله تعالى : ﴿ شهر رمضان الذي أُنْزل فِيهِ الْقرآن ﴾ دليل على أن : القرآن أكبر شرف للأمة وأعظم حدث حصل في تاريخها .

    — روائع القرآن

  • (لتكبروا الله على ما هداكم) الله أكبر على هداية الله لنا ، إذ فينا من الجهل والظلم ما يحول بيننا وبين الهداية لوﻻ (الله) فالله أكبر.

    — عقيل الشمري

  • افتتحت آيات الصيام واختتمت بالتقوى ،و ثمرة التقوى تكبير الله وشكره على الهداية والتمام (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).

    — سعود الشريم

  • ( شهرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ..) تلاوة القرآن وتدبره هو الحياة فأحيوا قلوبكم به ما استطعتم.

    — عايض المطيري

  • "يريد الله بكم اليسر" ستتيسر أمورك الله يريد ذلك.

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿يريد الله بكم اليسر وﻻ يريد بكم العسر﴾ كفيلة بأن تبعد عنك كل هم وتنسيك كل حزن سبحانك يا ربي ما أرحمك.

    — روائع القرآن

  • {ولتكملوا العدة ولِتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

    — نايف الفيصل

و٧٤ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٨٥ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(185) The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,[66] let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.
[66]- Also, "whoever is present during the month."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال