كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ ؛ يعني شَهْرَ رمضانَ ثلاثينَ يوماً أو تسعةً وعشرين. قال رسولُ الله ﷺ :" [نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَحْسِبُ وَلاَ نَكْتُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا] وعقدَ الإبْهامَ في الثالثة [وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا] إتْمام الثَّلاثين ".
ونصبَ ﴿أيَّاماً﴾ على الظرفِ ؛ أيْ في أيامٍ ؛ وقيل : على خبرِ ما لم يسمَّ فاعله ؛ أيْ كتب عليكمُ الصيامَ أياماً. وقيل : بإضمار فعلٍ ؛ أي صُوموا أياماً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ؛ أي فافطرَ فعدةٌ كقوله :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾[البقرة: ١٩٦] تقديره : فحلقَ أو قصرَ ففديةٌ ؛ فاختصر وتقديره : فعليهِ عدةٌ.
قراءةُ أبي عُبيد :(فَعِدَّةً) بالنصب ؛ أي فليصمْ عدةً. و(أُخَرٍ) في موضع خفضِ ؛ إلا أنَّها لا تنصرفُ ؛ لأنَّها معدولةٌ عن جهتها فكان حقُّها (أُخْرَيَاتٍ) فلما عدلَ إلى (فُعَلٍ) لم يجز مثل عُمَرٍ وزُفَرٍ. ومعنى الآيةِ : فليصُمْ عدةً من أيام أُخر غيرِ أيام مرضهِ أو سفرهِ.
َقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ؛ قرأ ابنُ عباس وعائشةَ وعطاءُ وابن جبيرٍ وعكرمةُ ومجاهد (يُطَوَّقُونَهُ) بضمِّ الياء وفتح الطاء والواو والتشديد ؛ أي يُكَلَّفُونَهُ. ورُوي عن مجاهدٍ وعكرمة بفتحِ الياء وتشديد الطاء والواو ؛ أي يَطَّوَّقُونَهُ بمعنى يتكلَّفونه. وروي عن ابنِ عبَّاسٍ أيضاً أنه قرأ :(يَطَّيَّقُونَهُ) بفتحِ الياء وتشديد الطاء والياء الثانية وفتحها بمعنى يُطِيقُونَهُ. يقال : طَاقَ وأطَاقَ بمعنى واحدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قرأ أهلُ المدينةِ والشام (فِدْيَةُ طَعَامٍ) مضافاً إلى (مَسَاكِيْنِ) جمعاً ؛ أضافَ الطعام إلى الفدية وإن كانا واحداً لاختلافِ اللفظين، كقوله تعالى :﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾[ق: ٩]. وقولهم : مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَرَبَيْعُ الأَوَّلِ. وقرأ ابنُ عبَّاس :(طَعَامُ مِسْكِيْنٍ) على الواحدِ، وهي قراءة الباقين غيرَ نافعٍ، فمن وحَّد فمعناه لكل يومٍ طعامُ مسكين واحد، ومن جمعَ ردَّهُ إلى الجمعِ ؛ أي عليه إطعامُ مساكين فديةٌُ أيَّامٍ يُفطِرُ فيها.
ومعنى الآية :﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ يطيقونَ الصومَ فلم يصوموا (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِيْنٍ) وذلك أنه كان يرخصُ في الصومِ الأول لِمن يطيقُ الصومَ أن يُفْطِرَ ويتصدقَ مكان كلِّ يوم على مسكين ؛ ثم نُسِخَ بقوله :﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ ؛ قرأ يحيى بن وثَّاب وحمزة والكسائيُّ :(يَطَّوَّعْ) بالياء وتشديد الطاء وجزمِ العين على معنى يَتَطَوَّعُ. وقرأ الآخرون بالتاء وفتح العين وتخفيفِ الطاء على الفعلِ الماضي. ومعنى الآية : فمَن يتطوَّع خيراً ؛ أي زادَ على طعامِ مسكين واحدٍ فهو خيرٌ له ؛ ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ؛ من أن تُطعِموا وتَفطِروا، ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ ثوابُ الله في الصوم.
واختلف العلماءُ في تأويل هذه الآية وحكمها ؛ فقال قوم : كان ذلك في أوَّلِ ما فرضَ اللهُ الصومَ، وذلك أن اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا نزَّل فرضَ صيام شهر رمضانَ على رسولِ الله ﷺ وأمرََ أصحابهُ بذلك، شقَّ عليهم الصوم ؛ وكانوا قوماً لَم يتعوَّدوا الصومَ ؛ فخيَّرهم اللهُ تعالى بين الصيامِ والإطعام ؛ فكان مَن شاءَ صامَ، ومَن شاء أفطرَ وافتدَى بالطعام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى