البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الشهر مصدر : شهر الشيء يشهره، أظهره ومنه الشهرة، وبه سمي الشهر، وهو : المدة الزمانية التي يكون مبدؤ الهلال فيها خافياً إلى أن يستسر، ثم يطلع خافياً.
سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات وغيرها من أمورهم وقال الزجاج : الشهر الهلال.
قال :
والشهر مثل قلامة الظفر***
سمي بذلك لبيانه، وقيل : سمي الشهر شهراً باسم الهلال إذا أهل سمي شهراً، وتقول العرب : رأيت الشهر أي : هلاله.
قال ذو الرمة ( شعر ).
ترى الشهر قبل الناس وهو نحيل***
ويقال : أشهرنا، أي : أتى علينا شهر، وقال الفراء : لم أسمع منه فعلاً إلاَّ هذا، وقال الثعلبي : يقال شَهَرَ الهلال إذا طلع، ويجمع الشهر قلة على : أفعل، وكثرة على : فعول، وهما مقيسان فيه.
رمضان علم على شهر الصوم، وهو علم جنس، ويجمع على : رمضانات وأرمضة، وعلقة هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمضى، وهو : شدة الحرة، كما سمي الشهر ربيعاً من مدّة الربيع، وجمادى من مدّة الجمود، ويقال : رمض الصائم يرمض : احترق جوفه من شدة العطش، ورمضت الفِصال : أحرق الرمضاء أخفافها فبركت من شدّة الحر، وانزوت إلى ظلّ أمهاتها، ويقال : أرمضته الرمضاء : أحرقته، وأرمضني الأمر.
وقيل : سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب، أي : يحرقها بالأعمال الصالحة، وقيل : لأن القلوب تحترمَنَّ الموعظة فيه والفكرة في أمر الآخرة، وقيل : من رمضت النصل : رققته بين حجرين ليرق، ومنه : نصل رميض ومرموض، عن ابن السكيت.
وكانوا يرمضون أسلحتهم في هذا الشهر ليحاربوا بها في شوّال قبل دخول الأشهر الحرام، وكان هذا الشهر في الجاهلية يسمى : ناتقاً أنشد المفضل.
وفي ناتق أحلت لدى حرمة الوغى***
وولت على الأدبار فرسان خثعما
وقال الزمخشري : الرمضان، مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء.
انتهى.
ويحتاج في تحقيق أنه مصدر إلى صحة نقل لأن فعلاناً ليس مصدر فعل اللازم، بل إن جاء فيه ذلك كان شاذاً، والأولى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً.
وقيل : هو مشتق من الرمض، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر الأرض من الغبار.
القرآن : مصدر قرأ قرآنا.
قال حسان، رضي الله عنه.
محوا بإسمك عنوان السجود به***
يقطّع الليل تسبيحاً وقرآناً
أي : وقراءة وأطلق على ما بين الدفتين من كلام الله عزّ وجلّ، وصار علماً على ذلك، وهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول في الأصل، ومعنى : قرآن، بالهمز : الجمع لأنه يجمع السور، كما قيل في القرء، وهو : إجماع الدّم في الرحم أولاً، لأن القارىء يلقيه عند القراءة من قول العرب : ما قرأت هذه الناقة سلا قط : أي : ما رمت به، ومن لم يهمز فالأظهر أن يكون ذلك من باب النقل والحذف، أو تكون النون أصلية من : قرنت الشيء إلى الشيء : ضممته، لأن ما فيه من السور والآيات والحروف مقترن بعضها إلى بعض.
أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع كذلك، أو ما فيه من الدلائل ومن القرائن، لأن آياته يصدّق بعضها بعضاً، ومن زعم من : قريت الماء في الحوض، أي : جمعته، فقوله فاسد لاختلاف المادتين.
السفر : مأخوذ من قولهم : سفرت المرأة إذا ألقت خمارها، والمصدر السفور.
قال الشاعر.
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت***
فقد رابني منها الغداة سفورها
وتقول : سفر الرجل ألقى عمامته، وأسفر الوجه، والصبح أضاء.
الأزهري سمي مسافراً لكشف قناع الكنّ عن وجهه، وبروزه للأرض الفضاء، والسفْر، بسكون الفاء : المسافرون، وهو اسم جمع : كالصحْب والركْب، والسِفر من الكتب : واحد الأسفار لأنه يكشف عما تضمنة.
اليسر : السهولة، يسَّر : سهّل، ويسُر : سهُل، وأيسر : استغنى، ويسر، من الميسر، وهو : قمار، معروف.
وقال علقمة :.
لا ييسرون بخيل قد يسرت بها***
وكل ما يسر الأقوام مغروم
وسميت اليد اليسرى تفاؤلاً، أو لأنه يسهل بها الأمر لمعاونتها اليمنى.
العسر : الصعوبة والضيق، ومنه أعسر اعساراً، وذو عسرة، أي : ضيق.
الإكمال : الإتمام.
﴿شهر رمضان﴾ قرأ الجمهور برفع شهر، وقرأه بالنصب مجاهد، وشهر : دين حوشب وهارون الأعور : عن أبي عمرو، وأبو عمارة : عن حفص عن عاصم.
وإعراب شهر يتبين على المراد بقوله :﴿أياماً معدودات﴾ فإن كان المراد بها غير أيام رمضان فيكون رفع شهر على أنه مبتدأ، وخبره قوله :﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾ ويكون ذكر هذه الجملة تقدمة لفرضية صومه بذكر فضيلته والتنبيه على أن هذا الشهر هو الذي أنزل فيه القرآن هو الذي يفرض عليكم صومه، وجوزوا أن يكون : الذي أنزل، صفة.
إما للشهر فيكون مرفوعاً، وإما لرمضان فيكون مجروراً.
وخبر المبتدأ والجملة بعد الصفة من قوله :﴿فمن شهد منكم الشهر﴾ وتكون الفاء في : فمن، زائدة على مذهب أبي الحسن، ولا تكون هي الداخلة في خبر المبتدأ إذا كان منها للشرط، لأن شهر رمضان لا يشبه الشرط، قالوا : ويجوز أن لا تكون الفاء زائدة، بل دخلت هنا كما دخلت في خبر الذي، ومثله :﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ وهذا الذي قالوه ليس بشيء، لأن الذي، صفة لعلم، أو لمضاف لعلم، فليس يتخيل فيه شيء ما من العموم، ولمعنى الفعل الذي هو ﴿أنزل فيه القرآن﴾ لفظاً ومعنى، فليس كقوله :﴿قل إن الموت الذي تفرون منه﴾ لأن الموت هنا ليس معيناً، بل فيه عموم.
وصلة الذي مستقبلة، وهي : تفرون، وعلى القول، بأن الجملة من قوله ﴿فمن شهد﴾ هي الخبر، يكون العائد على المبتدأ تكرار المبتدأ بلفظه، أي : فمن شهده منكم فليصمه، فأقام لفظ المبتدأ مقام الضمير، وحصل به الربط كما في قوله :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء***
وذلك لتفخيمه وتعظيمه وإن كان المراد بقوله :﴿أياماً معدودات﴾ أيام رمضان، فجوزوا في إعراب شهر وجهين.
أحدهما : أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره هو : شهر رمضان، أي : المكتوب شهر رمضان، قاله الأخفش، وقدره الفراء : ذلكم شهر وهو قريب.
الثاني : أن يكون بدلاً من قوله : الصيام أي : كتب عليكم شهر رمضان، قاله الكسائي، وفيه بعد لوجهين : أحدهما : كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه، والثاني : أنه لا يكون إذ ذاك إلاَّ مِن بدل الإشتمال، لا، وهو عكس بدل الاشتمال، لأن بدل الاشتمال في الغالب يكون بالمصادر كقوله تعالى :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ وقول الأعشى :
لقد كان في حول ثواء ثويته***
تقضي لبانات ويسأم سائم
وهذا الذي ذكره الكسائي بالعكس، فلو كان هذا التركيب : كتب عليكم شهر رمضان صيامه، لكان البدل إذ ذاك صحيحاً.
وعكس : ويمكن توجيه قول الكسائي على أن يكون على حذف مضاف، فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة تقديره : صيام شهر رمضان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، لكن في ذلك مجاز الحذف والفصل الكثير بالجمل الكثيرة، وهو بعيد، ويجوز على بُعدٍ أن يكون بدلاً من أيام معدودات، على قراءة عبد الله، فإنه قرأ : أيامٌ معدودات، بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي : المكتوب صومه أيام معدودات.
ذكر هذه القراءة أبو عبد الله الحسين بن خالويه في كتاب ( البديع ) له في القرآن ؛ وانتصاب شهر رمضان على قراءة من قرأ ذلك على إضمار فعل تقديره : صوموا شهر رمضان، وجوزوا فيه أن يكون بدلاً من قوله :﴿أياماً معدودات﴾ قاله الأخفش، والرماني وفيه بعد لكثرة الفصل، وأن يكون منصوباً على الإغراء تقديره إلزموا شهر رمضان، قاله أبو عبيدة والحوفي، ورد بأنه لم يتقدم للشهر ذكر وإن كان منصوباً بقوله :﴿وأن تصوموا﴾ حكاه ابن عطية وجوزه الزمخشري قال : وقرئ بالنصب على : صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من :﴿أياماً معدودات﴾، أو على أنه مفعول، وأن تصوموا.
انتهى.
كلامه ؛ وهذا لا يجوز، لأن تصوموا صلة لأن، وقد فصلت بين معمول الصلة وبينها بالخبر الذي هو خير، لأن تصوموا في موضع مبتدأ، أي : وصيامكم خير لكم، ولو قلت : أن يضرب زيداً شديد، وأن تضرب شديد زيداً، لم يجز.
وأدغمت فرقة شهر رمضان.
قال ابن عطية : وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه، يعني بالأصول أصول ما قرره أكثر البصريين، لأن ما قبل الراء في شهر حرف صحيح، فلو كان في حرف علة لجاز بإجماع منهم، نحو : هذا ثوب بكر، لأن فيه لكونه حرف علة مدّا أمّا ولم تقصر لغة العرب على ما نقله أكثر البصريين، ولا على ما اختاروه، بل إذا صح النقل وجب المصير إليه.
﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾ : تقدّم اعرابه، وظاهره أنه ظرف لإنزال القرآن، والقرآن يعم الجميع ظاهراً، ولم يبين محل الإنزال، فعن ابن عباس أنه أنزل جميعه إلى سماء الدنيا ليلة أربع وعشرين من رمضان، ثم أنزل على رسول الله ﷺ منجماً.
وقيل : الإنزال هنا هو على رسول الله ﷺ، فيكون القرآن مما عبر بكله عن بعضه، والمعنى بدئ بإنزاله فيه على رسول الله ﷺ، وذلك في الرابع والعشرين من رمضان.
أو تكون الألف واللام فيه لتعريف الماهية، كما تقول : أكلت اللحم، لا تريد استغراق الأفراد، إنما تريد تعريف الماهية.
وقيل معنى :﴿أنزل فيه القرآن﴾ أن جبريل كان يعارض رسول الله ﷺ في رمضان بما أنزل الله عليه، فيمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء قاله الشعبي ؛ فيكون الإنزال عبر به عن المعارضة.
وقيل : أنزل في فرضية صومه القرآن، وفي شأنه القرآن، كما تقول : أنزل في عائشة قرآن.
والقرآن الذي نزل هو قوله :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ قاله مجاهد، والضحاك.
وقال سفيان بن عيينة : في فضله، وقيل : المعنى.
﴿أنزل فيه القرآن﴾ أي أنزل من اللوح المحفوظ إلى السفرة في سماء الدنيا في ليلة القدر من عشرين شهراً، ونزل به جبريل في عشرين سنة.
قاله مقاتل.
وروى واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ أنه قال :
« أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، والتوراة لست مضين منه، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين » وفي رواية أبي ذر :« نزلت صحف إبراهيم في ثلاث مضين من رمضان، وإنجيل عيسى في ثمانية عشر »، والجمع بين الروايتين بأن رواية واثلة أخبر فيها عن ابتداء نزول الصحف والإنجيل، ورواية أبي ذر أخبر فيها عن انتهاء النزول.
وقرأ ابن كثير القرآن بنقل حركة الهمزة، إلى الراء، وحذف الهمزة، وذلك في جميع القرآن سواء نكر أم عرف بالألف واللام، أو بالإضافة، وهذا المختار من توجيه قراءته، وقد تقدّم قول من قال : إن النون فيه مع عدم الهمز أصلية من قرنت الشيء في الشيء ضممته.
﴿هدى للناس وبينات﴾ انتصاب : هدىً، على الحال وهو مصدر وضع موضع أسم الفاعل، أي : هادياً للناس، فيكون : للناس، متعلقاً بلفظ.
هدىً، لما وقع موقع هادٍ، وذو الحال القرآن، والعامل : أنزل، وهي حال لازمة، لأن كون القرآن هدىً هو لازم له، وعطف قوله : وبينات، على : هدىً، فهو حال أيضاً، وهي لازمة، لأن كون القرآن آياتٍ جليات واضحات وصف ثابت له، وهو من عطف الخاص على العام، لأن الهدى : منه خفي ومنه جلي، فنص بالبينات على الجلي من الهدى، لأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه،
سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات وغيرها من أمورهم وقال الزجاج : الشهر الهلال.
قال :
والشهر مثل قلامة الظفر***
سمي بذلك لبيانه، وقيل : سمي الشهر شهراً باسم الهلال إذا أهل سمي شهراً، وتقول العرب : رأيت الشهر أي : هلاله.
قال ذو الرمة ( شعر ).
ترى الشهر قبل الناس وهو نحيل***
ويقال : أشهرنا، أي : أتى علينا شهر، وقال الفراء : لم أسمع منه فعلاً إلاَّ هذا، وقال الثعلبي : يقال شَهَرَ الهلال إذا طلع، ويجمع الشهر قلة على : أفعل، وكثرة على : فعول، وهما مقيسان فيه.
رمضان علم على شهر الصوم، وهو علم جنس، ويجمع على : رمضانات وأرمضة، وعلقة هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمضى، وهو : شدة الحرة، كما سمي الشهر ربيعاً من مدّة الربيع، وجمادى من مدّة الجمود، ويقال : رمض الصائم يرمض : احترق جوفه من شدة العطش، ورمضت الفِصال : أحرق الرمضاء أخفافها فبركت من شدّة الحر، وانزوت إلى ظلّ أمهاتها، ويقال : أرمضته الرمضاء : أحرقته، وأرمضني الأمر.
وقيل : سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب، أي : يحرقها بالأعمال الصالحة، وقيل : لأن القلوب تحترمَنَّ الموعظة فيه والفكرة في أمر الآخرة، وقيل : من رمضت النصل : رققته بين حجرين ليرق، ومنه : نصل رميض ومرموض، عن ابن السكيت.
وكانوا يرمضون أسلحتهم في هذا الشهر ليحاربوا بها في شوّال قبل دخول الأشهر الحرام، وكان هذا الشهر في الجاهلية يسمى : ناتقاً أنشد المفضل.
وفي ناتق أحلت لدى حرمة الوغى***
وولت على الأدبار فرسان خثعما
وقال الزمخشري : الرمضان، مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء.
انتهى.
ويحتاج في تحقيق أنه مصدر إلى صحة نقل لأن فعلاناً ليس مصدر فعل اللازم، بل إن جاء فيه ذلك كان شاذاً، والأولى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً.
وقيل : هو مشتق من الرمض، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر الأرض من الغبار.
القرآن : مصدر قرأ قرآنا.
قال حسان، رضي الله عنه.
محوا بإسمك عنوان السجود به***
يقطّع الليل تسبيحاً وقرآناً
أي : وقراءة وأطلق على ما بين الدفتين من كلام الله عزّ وجلّ، وصار علماً على ذلك، وهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول في الأصل، ومعنى : قرآن، بالهمز : الجمع لأنه يجمع السور، كما قيل في القرء، وهو : إجماع الدّم في الرحم أولاً، لأن القارىء يلقيه عند القراءة من قول العرب : ما قرأت هذه الناقة سلا قط : أي : ما رمت به، ومن لم يهمز فالأظهر أن يكون ذلك من باب النقل والحذف، أو تكون النون أصلية من : قرنت الشيء إلى الشيء : ضممته، لأن ما فيه من السور والآيات والحروف مقترن بعضها إلى بعض.
أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع كذلك، أو ما فيه من الدلائل ومن القرائن، لأن آياته يصدّق بعضها بعضاً، ومن زعم من : قريت الماء في الحوض، أي : جمعته، فقوله فاسد لاختلاف المادتين.
السفر : مأخوذ من قولهم : سفرت المرأة إذا ألقت خمارها، والمصدر السفور.
قال الشاعر.
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت***
فقد رابني منها الغداة سفورها
وتقول : سفر الرجل ألقى عمامته، وأسفر الوجه، والصبح أضاء.
الأزهري سمي مسافراً لكشف قناع الكنّ عن وجهه، وبروزه للأرض الفضاء، والسفْر، بسكون الفاء : المسافرون، وهو اسم جمع : كالصحْب والركْب، والسِفر من الكتب : واحد الأسفار لأنه يكشف عما تضمنة.
اليسر : السهولة، يسَّر : سهّل، ويسُر : سهُل، وأيسر : استغنى، ويسر، من الميسر، وهو : قمار، معروف.
وقال علقمة :.
لا ييسرون بخيل قد يسرت بها***
وكل ما يسر الأقوام مغروم
وسميت اليد اليسرى تفاؤلاً، أو لأنه يسهل بها الأمر لمعاونتها اليمنى.
العسر : الصعوبة والضيق، ومنه أعسر اعساراً، وذو عسرة، أي : ضيق.
الإكمال : الإتمام.
﴿شهر رمضان﴾ قرأ الجمهور برفع شهر، وقرأه بالنصب مجاهد، وشهر : دين حوشب وهارون الأعور : عن أبي عمرو، وأبو عمارة : عن حفص عن عاصم.
وإعراب شهر يتبين على المراد بقوله :﴿أياماً معدودات﴾ فإن كان المراد بها غير أيام رمضان فيكون رفع شهر على أنه مبتدأ، وخبره قوله :﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾ ويكون ذكر هذه الجملة تقدمة لفرضية صومه بذكر فضيلته والتنبيه على أن هذا الشهر هو الذي أنزل فيه القرآن هو الذي يفرض عليكم صومه، وجوزوا أن يكون : الذي أنزل، صفة.
إما للشهر فيكون مرفوعاً، وإما لرمضان فيكون مجروراً.
وخبر المبتدأ والجملة بعد الصفة من قوله :﴿فمن شهد منكم الشهر﴾ وتكون الفاء في : فمن، زائدة على مذهب أبي الحسن، ولا تكون هي الداخلة في خبر المبتدأ إذا كان منها للشرط، لأن شهر رمضان لا يشبه الشرط، قالوا : ويجوز أن لا تكون الفاء زائدة، بل دخلت هنا كما دخلت في خبر الذي، ومثله :﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ وهذا الذي قالوه ليس بشيء، لأن الذي، صفة لعلم، أو لمضاف لعلم، فليس يتخيل فيه شيء ما من العموم، ولمعنى الفعل الذي هو ﴿أنزل فيه القرآن﴾ لفظاً ومعنى، فليس كقوله :﴿قل إن الموت الذي تفرون منه﴾ لأن الموت هنا ليس معيناً، بل فيه عموم.
وصلة الذي مستقبلة، وهي : تفرون، وعلى القول، بأن الجملة من قوله ﴿فمن شهد﴾ هي الخبر، يكون العائد على المبتدأ تكرار المبتدأ بلفظه، أي : فمن شهده منكم فليصمه، فأقام لفظ المبتدأ مقام الضمير، وحصل به الربط كما في قوله :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء***
وذلك لتفخيمه وتعظيمه وإن كان المراد بقوله :﴿أياماً معدودات﴾ أيام رمضان، فجوزوا في إعراب شهر وجهين.
أحدهما : أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره هو : شهر رمضان، أي : المكتوب شهر رمضان، قاله الأخفش، وقدره الفراء : ذلكم شهر وهو قريب.
الثاني : أن يكون بدلاً من قوله : الصيام أي : كتب عليكم شهر رمضان، قاله الكسائي، وفيه بعد لوجهين : أحدهما : كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه، والثاني : أنه لا يكون إذ ذاك إلاَّ مِن بدل الإشتمال، لا، وهو عكس بدل الاشتمال، لأن بدل الاشتمال في الغالب يكون بالمصادر كقوله تعالى :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ وقول الأعشى :
لقد كان في حول ثواء ثويته***
تقضي لبانات ويسأم سائم
وهذا الذي ذكره الكسائي بالعكس، فلو كان هذا التركيب : كتب عليكم شهر رمضان صيامه، لكان البدل إذ ذاك صحيحاً.
وعكس : ويمكن توجيه قول الكسائي على أن يكون على حذف مضاف، فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة تقديره : صيام شهر رمضان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، لكن في ذلك مجاز الحذف والفصل الكثير بالجمل الكثيرة، وهو بعيد، ويجوز على بُعدٍ أن يكون بدلاً من أيام معدودات، على قراءة عبد الله، فإنه قرأ : أيامٌ معدودات، بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي : المكتوب صومه أيام معدودات.
ذكر هذه القراءة أبو عبد الله الحسين بن خالويه في كتاب ( البديع ) له في القرآن ؛ وانتصاب شهر رمضان على قراءة من قرأ ذلك على إضمار فعل تقديره : صوموا شهر رمضان، وجوزوا فيه أن يكون بدلاً من قوله :﴿أياماً معدودات﴾ قاله الأخفش، والرماني وفيه بعد لكثرة الفصل، وأن يكون منصوباً على الإغراء تقديره إلزموا شهر رمضان، قاله أبو عبيدة والحوفي، ورد بأنه لم يتقدم للشهر ذكر وإن كان منصوباً بقوله :﴿وأن تصوموا﴾ حكاه ابن عطية وجوزه الزمخشري قال : وقرئ بالنصب على : صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من :﴿أياماً معدودات﴾، أو على أنه مفعول، وأن تصوموا.
انتهى.
كلامه ؛ وهذا لا يجوز، لأن تصوموا صلة لأن، وقد فصلت بين معمول الصلة وبينها بالخبر الذي هو خير، لأن تصوموا في موضع مبتدأ، أي : وصيامكم خير لكم، ولو قلت : أن يضرب زيداً شديد، وأن تضرب شديد زيداً، لم يجز.
وأدغمت فرقة شهر رمضان.
قال ابن عطية : وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه، يعني بالأصول أصول ما قرره أكثر البصريين، لأن ما قبل الراء في شهر حرف صحيح، فلو كان في حرف علة لجاز بإجماع منهم، نحو : هذا ثوب بكر، لأن فيه لكونه حرف علة مدّا أمّا ولم تقصر لغة العرب على ما نقله أكثر البصريين، ولا على ما اختاروه، بل إذا صح النقل وجب المصير إليه.
﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾ : تقدّم اعرابه، وظاهره أنه ظرف لإنزال القرآن، والقرآن يعم الجميع ظاهراً، ولم يبين محل الإنزال، فعن ابن عباس أنه أنزل جميعه إلى سماء الدنيا ليلة أربع وعشرين من رمضان، ثم أنزل على رسول الله ﷺ منجماً.
وقيل : الإنزال هنا هو على رسول الله ﷺ، فيكون القرآن مما عبر بكله عن بعضه، والمعنى بدئ بإنزاله فيه على رسول الله ﷺ، وذلك في الرابع والعشرين من رمضان.
أو تكون الألف واللام فيه لتعريف الماهية، كما تقول : أكلت اللحم، لا تريد استغراق الأفراد، إنما تريد تعريف الماهية.
وقيل معنى :﴿أنزل فيه القرآن﴾ أن جبريل كان يعارض رسول الله ﷺ في رمضان بما أنزل الله عليه، فيمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء قاله الشعبي ؛ فيكون الإنزال عبر به عن المعارضة.
وقيل : أنزل في فرضية صومه القرآن، وفي شأنه القرآن، كما تقول : أنزل في عائشة قرآن.
والقرآن الذي نزل هو قوله :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ قاله مجاهد، والضحاك.
وقال سفيان بن عيينة : في فضله، وقيل : المعنى.
﴿أنزل فيه القرآن﴾ أي أنزل من اللوح المحفوظ إلى السفرة في سماء الدنيا في ليلة القدر من عشرين شهراً، ونزل به جبريل في عشرين سنة.
قاله مقاتل.
وروى واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ أنه قال :
« أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، والتوراة لست مضين منه، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين » وفي رواية أبي ذر :« نزلت صحف إبراهيم في ثلاث مضين من رمضان، وإنجيل عيسى في ثمانية عشر »، والجمع بين الروايتين بأن رواية واثلة أخبر فيها عن ابتداء نزول الصحف والإنجيل، ورواية أبي ذر أخبر فيها عن انتهاء النزول.
وقرأ ابن كثير القرآن بنقل حركة الهمزة، إلى الراء، وحذف الهمزة، وذلك في جميع القرآن سواء نكر أم عرف بالألف واللام، أو بالإضافة، وهذا المختار من توجيه قراءته، وقد تقدّم قول من قال : إن النون فيه مع عدم الهمز أصلية من قرنت الشيء في الشيء ضممته.
﴿هدى للناس وبينات﴾ انتصاب : هدىً، على الحال وهو مصدر وضع موضع أسم الفاعل، أي : هادياً للناس، فيكون : للناس، متعلقاً بلفظ.
هدىً، لما وقع موقع هادٍ، وذو الحال القرآن، والعامل : أنزل، وهي حال لازمة، لأن كون القرآن هدىً هو لازم له، وعطف قوله : وبينات، على : هدىً، فهو حال أيضاً، وهي لازمة، لأن كون القرآن آياتٍ جليات واضحات وصف ثابت له، وهو من عطف الخاص على العام، لأن الهدى : منه خفي ومنه جلي، فنص بالبينات على الجلي من الهدى، لأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه،