الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ : فيه قراءتان، المشهورةُ الرفعُ، وفيه أوجهٌ، أحدُها : أنه مبتدأٌ، وفي خبرهِ حينئذٍ قولان، الأولُ : أنه قولُه ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ويكون قد ذَكَرَ هذه الجملةَ مَنْبَهَةً على فَضْلِه ومَنْزِلَتِه، يعني أنَّ هذا الشهر الذي أُنْزِلَ فيه القرآنُ هو الذي فُرِضَ عليكم صومُهُ، والقولُ الثاني : أنه قولُه :﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وتكونُ الفاءُ زائدةً وذلك على رأي الأخفشِ، وليست هذه الفاء لا تزاد في الخبرِ لشبهِ المبتدأِ بالشرطِ، وإن كان بعضُهم زَعَم أنَّها مثلُ قولِهِ :﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] وليس كذلك، لأنَّ قولِهِ :﴿الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ﴾ يُتَوَهَّم فيه عمومٌ بخلاف شهر رمضان. فإنْ قيل : أين الرابطُ بين هذه الجملةِ وبين المبتدأِ ؟ قيل : تكرارُ المبتدأِ بلفظِه كقوله :
لا أَرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا الإِعراب - أعني كون " شهر رمضان " مبتدأ - على قولِنا : إن الأيامَ المعدوداتِ هي غيرُ رمضان، أمَّا إذا قُلْنا إنها نفسُ رمضان ففيه الوجهان الباقيان.
أحدُهما : أن يكون خَبَرَ مبتدأٍ محذوفٍ، فقدَّرَهُ الفراء : ذلكم شهرُ رمضانَ، وقدَّره الأخفش : المكتوبُ شهرُ، والثاني : أن يكونَ بدلاً مِنْ قَوْلِهِ " الصيام " أي : كُتِبَ عليكم شهرُ رمضانَ، وهذا الوجهُ وإن كان ذهب إليه الكسائي بعيدٌ جداً لوجهين، أحدُهما : كثرةُ الفصلِ بين البدلِ والمُبْدَلِ منه. والثاني : أنه لا يكونُ إذ ذاك إلا مِنْ بدلِ الإِشمالِ وهو عكسُ بدلِ الاشتمالِ، لأنَّ بدلَ الاشتمال غالباً بالمصادرِ كقوله :﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾
[البقرة: ٢١٧]، وقول الأعشى :
لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُهتَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأَمُ سائِمُ
وهذا قد أُبْدِلَ فيه الظرفُ من المصدرِ. ويمكن أن يوجَّهَ قولُه بأنَّ الكلامَ على حَذْفِ مضافٍ تقديرُهُ : صيامُ شهر رمضان، وحينئذٍ يكونُ من بابِ [ بدلِ ] الشيءِ من الشيءِ وهما لعينٍ واحدة. ويجوزُ أن يكونَ الرفعُ على البدلِ من قوله " أياماً معدوداتٍ " في قراءةِ مَنْ رَفَع " أياماً "، وهي قراءة عبدِ الله وفيه بُعْدٌ.
وأَمَّا غيرُ المشهورِ فبالنصب، وفيه أوجهٌ، أجودُها، النصبُ بإضمار فعلٍ أي : صُوموا شهرَ رمضانَ. الثاني - وذَكَره الأخفشُ والرُمَّاني - : أن يكونَ بدلاً من قولِهِ " أياماً معدوداتٍ "، وهذا يُقَوِّي كونَ الأيام المعدودات هي رمضانَ، إلا أن فيه بُعْداً من حيث كثرةُ الفَصْلِ. الثالثَ : نَصْبٌ على الإِغراء ذكره أبو عبيدة والحوفي. الرابع : أَنْ ينتصِبَ بقولِهِ :" وَأَنْ تصوموا " حكاه ابن عطية، وجَوَّزَهُ الزمخشري، وغَلَّطَهما الشيخُ :" بأنَه يَلْزَمُ منه الفصلُ بين الموصولِ وصلِتهِ بأجنبي، لأنَّ الخبرَ وهو " خيرٌ " أجنبي من الموصولِ، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصولِ إلا بعد تمامِ صلتِهِ، و " شهر " على رأيهم من تمامِ صلة " أَنْ " فامتنع ما قالوه.
وليس لقائلٍ أن يقول : يتخرَّجُ ذلك على الخلافِ في الظرفِ وحَرفِ الجر فإنه يُغْتَفَرُ فيه ذلك عند بعضهم لأنَّ الظاهرَ من نصبِهِ هنا أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ ". الخامسُ : أنه منصوبٌ ب " تَعْملون " على حَذْفِ مضافٍ، تقديرُهُ : تعلمونَ شرفَ شهرِ رمضان فَحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقَامَهُ في الإِعرابِ.
وأَدْغم أبو عمر راء " شهر " في راء " رمضان "، ولا يُلْتفت إلى من استضعفها من حيثُ إنَّه جَمَعَ بين ساكنين على غيرِ حَدَّيْهِما، وقولُ ابن عطية :" وذلك لا تقتضيه الأصولُ " غيرُ مقبولٍ منه، فإنَّه إذا صَحَّ النقلُ لا يُعارَضُ بالقياس.
والشهرُ لأهلِ اللغة فيه قولان، أشهرهُما : أنه اسمٌ لمدةِ الزمانِ التي يكونُ مَبْدَؤُها الهلال خافياً إلى أن يَسْتَسِرَّ، سُمِّي بذلك لِشُهْرَتِهِ في حاجةِ الناسِ إليه من المعلوماتِ. والثاني - قاله الزجاج - أنه اسمٌ للهلالِ نفسه. قال :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والشهرُ مثلُ قُلاَمَةِ الظُّفْرِ
سُمِّي بذلك لبيانِهِ، قال ذو الرُّمَّة :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . يَرى الشهرَ قبلَ الناسِ وهو نَحِيلُ
يقولون : رَأَيْتُ الشهرَ أي : هلاله، ثم أُطْلِقَ على الزمانِ لطلوعِهِ فيه، ويقال : أَشْهَرْنا أي : أتى علينا شهرٌ. قال الفراء :" لم أَسْمَعْ فعلاً إلاَّ هذا " قال الثعلبي :" يُقال شَهَرَ الهِلالُ إذا طَلَعَ ". ويُجْمَعُ في القلةِ على أَشْهُر/ وفي الكثرةِ على شُهور. وهما مَقِيسان.
ورمضانُ علمٌ لهذا الشهر المخصوصِ وهو علمُ جنسٍ، وفي تسميته برمضان أقوالٌ، أحدُهما : أنَّه وافق مجيئه في الرَّمْضَاء - وهي شِدَّةُ الحَرِّ - فَسُمِّي بذلك، كربيع لموافقتِه الربيعَ، وجُمادى لموافقتِه جمود الماء، وقيل : لأنه يَرْمَضُ الذنوبَ أي : يَحْرِقُها بمعنى يَمْحُوها. وقيل : لأنَّ القلوبَ تَحْتَرق فيه من الموعظة. وقيل : من رَمَضْتُ النَّصْلَ دَقَقْتُه بين حجرينِ ليَرِقَّ يقال : نَصْلٌ رَميض ومَرْموض. وكان اسمه في الجاهليةِ ناتِقاً. أنشد المفضَّل :
وفي ناتِقٍ أَجْلَتْ لدى حَوْمةِ الوَغىوولَّتْ على الأدبارِ فُرْسانُ خَثْعَمَا
وقال الزمشخري :" الرَّمَضانُ مصدرُ رَمِضَ إذا احترَق من الرَّمْضاء " قال الشيخ :" وَيَحْتَاج في تحقيقِ أنَّه مصدرٌ إلى صحةِ نقلٍ، فإن فَعَلاناً ليس مصدرَ فَعِل اللازم، بل إِنْ جاءَ منه شيءٌ كان شاذَّاً ". وقيل : هو مشتقٌّ من الرَّمَضِيّ وهو مَطَرٌ يأتي قبلَ الخريفِ يُطَهِّر الأرضَ من الغبار فكذلك هذا الشهرُ يُطَهِّر القلوبَ من الذنوب.
والقرآنُ في الأصلِ مصدرُ " قَرَأْتُ "، ثم صارَ عَلَماً لِما بين الدَّفَّتْينِ ويَدُلُّ على كونِه مصدراً في الأصلِ قولُ حَسَّان في عثمانَ رضي الله عنهما :
ضَحُّوا بأَشْمَطَ عنوانُ السجودِ بهيُقَطِّعُ الليلَ تسبيحاً وقُرْآنا
وهو مِنْ قَرَأَ بالهمزِ أي : جَمَعَ، لأنه يَجْمَعُ السورَ والآيات والحِكَمَ والمواعِظَ والجمهورُ على همزه، وقرأ ابنُ كثير من غيرِ همزٍ.
واختُلِفَ في تخريج قراءته على وَجْهَيْن أَظهرُهما : أنه من باب النقلِ، كما يَنْقُل ورش حركةَ الهمزة إلى الساكنِ قبلَها ثم يَحْذِفُها في نحوِ :
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] وهو وإنْ لم يكنْ أصلُه النقلَ، إلا أنَّه نَقَلَ هنا لكثرةِ الدَّوْر وجمعاً بين اللغتين.
والثاني : أنه مشتقٌّ عنده مِنْ قَرَنْتُ بين الشيئين، فيكونُ وزنُهُ على هذا : فُعالاً، وعلى الأول. فُعْلاناً، وذلك أنه قد قُرِنَ فيه بين السورِ والآياتِ والحِكَمْ والمواعِظِ.
وأما قولُ مَنْ قال إنَّه مشتقٌّ مِنْ قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ أي جَمَعْتُه فغلطٌ، لأنَّهما مادتان متغايرتان. و " القرآنُ " مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعله، ومعنى ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ : أنَّ القرآن نَزَلَ فيه فهو ظرفٌ لإِنزالِه : قيل في الرابع والعشرين منه، وقيل : أُنْزِلَ في شأنِه وفضلِه، كقولك " أُنِزِلَ في فلانٍ قرآنٌ ".
قوله :﴿هُدًى﴾ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من القرآن، والعاملُ فيه " أُنْزِلَ " وهُدَىً ومصدرٌ، فإمَّا أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي : ذا هدى أو على وقوعِه موقعَ اسمِ الفاعلِ أي : هادياً، أو على جَعْلِه نفسَ الهُدى مبالغةً.
قوله :﴿لِّلنَّاسِ﴾ يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما : أَنْ يتعلَّقَ ب " هُدَىً " على قولِنا بأنه وَقَعَ مَوْقِعَ " هادٍ "، أي : هادياً للناس. والثاني : أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ لأنه صفةٌ للنكرةِ قبلَه، ويكونُ محلُّه النصبَ على الصفةِ، ولا يجوزُ أَنْ يكون " هُدَىً " خبر مبتدأ محذوفٍ تقديرُه :" هو هدى " لأنه عُطِفَ عليه منصوبٌ صريحٌ وهو :" بَيِّنات "، و " بَيِّنات " عطفٌ على الحالِ فهي حالٌ أيضاً، وكِلا الحالَيْنِ لازمةٌ، فإنَّ القرآن لا يكون إلا هُدىً وبيناتٍ، وهذا من باب عطف الخاص على العامَّ، لأنَّ الهدى يكونُ بالأشياء الخفيَّة والجليَّةِ، والبَيِّنات من الأشياء الجَلِيَّة.
قوله :﴿مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا الجارُّ والمجرورُ صفةٌُ لقوله :" هدىً وبَيِّناتٍ " فمحلُّه النصبُ، ويتعلَّق بمحذوفٍ، أي : إنَّ كَوْنَ القرآنِ هدىً وبّيِّناتٍ " هو من جملةِ هُدَى الله وبَيِّناتِه ؛ وعَبَّر عن البيناتِ بالفرقان ولم يأتِ " من الهُدى والبينات " فيطابقْ العجزُ الصدر لأنَّه فيه مزيدٌ معنىً لازم للبينات وهو كونُه يُفَرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ، ومتى كان الشيءُ جليَّاً واضحاً حَصَل به الفرقُ، ولأنَّ في لفظِ الفرقانِ تواخيّ الفواصِلِ قبله، فلذلك عَبَّر عن البينات بالفرقان. وقال بعضُهم :" المرادُ بالهُدى الأولِ أصولُ الدياناتِ وبالثاني فروعُها ". وقال ابنُ عطية :" اللامُ في الهُدى للعهدِ، والمرادُ الأولُ " يعني أنه تقدَّم نكرةٌ، ثم أُعيد لفظُها معرفاً بأل، وما كان كذلك كانَ الثاني فيه هو الأولَ نحو قولِه :﴿إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥-١٦]، ومِنْ هنا قال ابن عباس :" لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن " وضابطُ هذا أَنْ يَحُلَّ محلَّ الثاني ضميرُ النكرةِ الأولى، ألا ترى أنه لو قيل : فعصاه لكان كلاماً صحيحاً ".
قال الشيخ :" وما قاله ابنُ عطية لا يتأتَّى هنا، لأنه ذَكَرَ هو والمُعْرِبُون أنَّ " هدى " منصوبٌ على الحالَ، والحالُ وَصْفٌ في ذي الحال، وعَطَفَ عليه " وَبيِّنات " فلا يَخْلو قولُه " من الهدى " - والمرادُ به الهدى الأولُ - من أن يكونَ صفةً لقولِه " هُدَىً " أو لقولِهِ " وبيناتٍ " أَوْ لهما، أو متعلِّقاً بلفظ " بينات ". لا جائزٌ أن يكونَ صفةً ل " هدى " لأنه مِنْ حيثُ هو وَصْفٌ لزم أن يكونَ بعضاً، ومن حيث هو الأولُ لَزِم أن يكونَ إياه، والشيء الواحدُ لا يكونُ بعضاً كُلاًّ بالنسبةِ لماهِيَّته، ولا جائزٌ أَنْ يكونَ صفةً لبيناتٍ فقط لأنَّ " وبينات " معطوفٌ على " هُدَى " و " هُدَى " حالٌ، والمعطوفُ على الحالِ حالٌ، والحالانِ وصفٌ في ذي الحال، فمِنْ حيثُ كونُهما حالَيْن تَخَصَّص بهما ذو الحال إذ هما وَصْفان، ومِنْ حيثُ وُصِفَتْ " بَيِّنات " بقوله :" مِنَ الهدى " خَصَصْناها به/ فتوقَّفَ تخصيصُ القرآن على قوله :" هُدَىً وَبَيَّنات " معاً، ومن حيثُ جَعَلْتَ " مِنَ الهدى " صفةً لبيِّنات وتَوَقَّفَ تخصيصُ " بيِّنات " على " هُدَى " فَلَزِمَ من ذلك تخصيصُ الشيءِ بنفسِه وهو مُحالٌ. ولا جائزٌ أَنْ يَكونَ صفةً لهما لأنه يَفْسُدُ من الوجهينِ المذكورينِ مِنْ كونِه وَصَفَ الهدى فقط، أو بينات فقط.
ولا جائزٌ أَنْ يتعلَّق بلفِظِ " بينات " لأنَّ المتعلَّقَ ق

تفسير هذه الآية من كتب أخرى