اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
في نصب أيَّاماً أربعة أوجه :
أظهرها : أنَّهُ مَنصُوب بعاملٍ مقدَّرٍ يدُلُّ عليه سياقُ الكلام، تقديره صُومُوا أيَّاماً ويحتملُ النَّصب وجهين : إما الظرفيَّة، وإما المفعول به، اتِّساعاً.
الثاني : أنَّه منصوبٌ بالصيام، ولم يذكر الزّمخشري غيره ؛ وَنَظَّره بقولك " نَوَيْتُ الخُرُوجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ "، وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ الفصل بيْن المصدر ومعمُوله بأجنبيٍّ، وهو قوله " كَمَا كُتبَ " ؛ لأَنَّهُ ليس معمولاً للمصدر على أيِّ تقدير قدَّرته.
فإن قيل : يُجعلَ " كَمَا كُتِبَ " صفةً للصّيام، وذلك على رأي من يجيزُ وصف المعرَّف " بأَل " الجنسيَّة بما يجرى مجرَى النَّكرة، فلا يكُونُ أجنبيّاً.
قيل : يلزمُ مِنْ ذلك وصفُ المصدر قَبل ذكر معموله، وهو ممتنعٌ.
الثالث : أنه منصوبٌ بالصِّيامِ على أنْ تقدَّر الكافُ نعتاً لمصدر من الصِّيام ؛ كما قد قال به بعضُهُمْ وإن كان ضعيفاً ؛ فيكون التَّقدير :" الصِّيَامُ صَوْمَاً ؛ كَمَا كُتِبَ " ؛ فجاز أن يعمل في " أَيَّاماً " " الصِّيَامُ " ؛ لأنه إذْ ذاك عاملٌ في " صوماً " الذي هو موصوفٌ ب " كمَا كُتِبَ "، فلا يقع الفصلُ بينهما بأجنبيٍّ، بل بمعمول المصدر.
الرابع : أن ينتصب ب " كُتِبَ " إِمَّا على الظَّرف، وإمَّا على المَفعُول به تَوَسُّعاً، وإليه نحا الفرَّاء(١)، وتبعه على ذلك أبو البَقَاء(٢).
قال أبو حيَّان(٣) : وكلا القَولين خطأٌ : أَمَّا النَّصب على الظرفيَّة، فإِنَّهُ محلٌّ للفعلِ، والكِتابة لَيْسَت واقعةً في الأيَّام، لكنَّ متعلَّقها هو الواقع في الأَيّام، وأَمَّا [ النَّصب على المفعول اتساعاً، فإِنَّ ذلك مبنيٌّ على كونه ظرفاً ل " كُتِبَ "، وقد تقدَّم أَنَّهُ خطأٌ، وقيل : نصبٌ على ](٤) التَّفسير.
و " مَعْدُودَاتٍ " صفةٌ، وجمعُ صفةِ ما لا يعقل بالألف والتَّاء مطَّردٌ ؛ نحو هذا، وقوله :" جِبَالٌ راسِيَاتٌ "، و " أَيَّامٌ مَعلومات ".
اختلفوا في هذه الأيام على قولين :
أحدهما : أنها غير رمضان، قاله معاذ، وقتادة، وعطاء، ورواه عن ابن عبَّاس، ثم اختلفَ هؤلاءِ : فقيل ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهر(٥)، وصوم يوم عاشُوراء، قاله قتادة، ثُمَّ اختلفوا أيضاً : هل كان تَطوعاً أو مَرضاً، واتفقُوا على أنَّه منسوخٌ برمضان.
واحتجُّ القائلُونَ بأنَّ المراد بهذه الأيَّام غيرُ رمضانَ بوجوه :
أحدها : قوله - ﷺ - :" إِنَّ صَوْمَ رَمَضَان نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ (٦) " فدلّ هذا على أنَّ قبل رمضان كان صوماً آخر واجباً.
وثانيها : أنَّه تعالى ذكر حُكم المريض والمُسافر في هذه الآية، ثم ذكر حكمها أيضاً في الآيَة الَّتي بعدها الدالَّة على صوم رمضان، فلو كان هذا الصَّوم هو صومَ رمضان، لكان ذلك تكريراً محضاً مِنْ غير فائدة، وهو لا يجوز.
وثالثها : قوله تعالى هنا ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] تدلُّ على أنَّ هذا واجبٌ على التخيير، إن شاء صام، وَإِنْ شاء أعطى الفدية، وأَما صوم رمضان، فواجبٌ على العيين ؛ فوجبَ أن يكون صَومُ هذه الأيام غير صوم رمضان.
القول الثاني وهو اختيارُ المحقِّقين، وبه قال ابنُ عبَّاس، والحسن، وأبو مُسلم أن المراد بهذه الأيَّام المعدُواتِ هو صومُ رمضان، لأَنَّهُ قال في أوَّل الآية الكريمة :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وهذا محتملٌ ليوم ويومين، وأيَّام، ثم بينه بقوله :" أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ " فزال بعضُ الاحتمال، ثم بَيَّنه بقوله :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾
[البقرة: ١٨٥] فعلى هذا التَّرتيب يمكنُ أَنْ نجعل الأيَّام المعدوداتِ بعينها صومَ رمضان، وإذا أمكن ذلك، فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النَّسخ فيه ؛ لأنَّ كل ذلك زيادةٌ لا يدلُّ عليها اللَّفظُ، وأَمَّا تمسُّكهم بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - " صَوْمُ رَمَضَانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ "، فليس فيه أَنَّه نَسَخَ عنه، وعن أُمَّته كلَّ صوْمٍ، بل يجوز أَنَّه نَسَخَ كلَّ صوم وجَبَ في الشّرائع المتقدِّمة ؛ فكما يصحُّ أن يكون بعض شرعه ناسخاً للبعض، فيجوز أن يكون شَرْعهُ ناسخاً لشَرع غيره.
سلَّمنا أَنَّ صومَ رمضان نسخ صوماً ثبت في شرعه، فلِمَ لا يجوز أن يكونَ نسخ صوماً وجب غَيْرَ هذه الأيام.
وأمَّا تمسُّكُهم بحكم المريضِ والمُسَافر وتكَرُّرِه فجوابُه : أَنَّ صوم رمضان كان في ابتداءِ الإسلام غير واجِبٍ، وكان التَّخيير فيه ثابتاً بين الصِّيام والفدية، فلمَّا رُخصَ للمسَافر الفطرُ، كان من الجائز أَنْ يصير الواجبُ عليه الفدية، ويجوز أَنْ لا فديَة علَيْه، ولا قضاء ؛ للمشقَّة. وإذا كان ذلك جائزاً، بيَّن تعالى أَنَّ إفطار المُسافِر والمريض في الحُكْم خلافُ [ التخيير في المقيم ؛ فإِنَّهُ يجبُ عليهما القَضَاء من عدَّةِ أيَّام أُخر، فلما نَسَخَ اللَّهُ تعالى ذلك التَّخييرَ عن ](٧) المقيم الصَّحيحِ، وأَلْزَمَهُ الصَّومَ حتماً، كان من الجائزِ أَنْ يظن أنَّ حكم الصَّوم، كمَّا انتقلَ عن التخيير إلى التَّضييق في حَقِّ المقيم الصَّحيح أن يتغيَّر حكمُ المريضِ والمسافر عن حكم الصَّحيح، كما كان قبل النَّسْخِ، فبيَّن تعالى في الآية الثَّانية : أنَّ حال(٨) المريض والمُسافر كحالها الأُولى لم يتغيَّر بالنَّسخ في حق المقيم الصَّحيح، فهذه هي الفائدةُ في الإعادة، وإنَّمَا تمسُّكُهم بأنَّ صَوْمَ هذه الأيَّام على التَّخير وصومَ رمضانَ واجِبٌ على التَّعيين، فتقدَّم جوابهُ من أَنَّ رمضان كان واجِباً مخيَّراً، ثم صَارَ مُعَّيناً، وعلى كِلا القَوْلَين، فلا بُدَّ من تَطَرُّق النسخ إلى الأيَّام أمَّا على القول الأوَّل فظاهر، وأما على الثاني : فلأَنَّ هذه الآية تقتضي أن يكون صَوم رمضان واجباً مخيَّراً، والآية الكريمة التي بعدها تدُلُّ على التَّضييق ؛ فكانت ناسخة للأولى.
فإن قيل : كَيْفَ يصحُّ أنْ يكونَ قوله :﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصحُّ.
والجواب : أنَّ الاتِّصال في التَّلاوة لا يوجب الاتِّصال في النُّزول ؛ وهذا كما قيل في عدَّة المتوفَّى عنها زوجها ؛ أنّ الْمقدَّم في التلاوة هو النَّاسخُ والمَنْسُوخ متأَخِّر، وهذا عكسُ ما يجبُ أن يكُونَ عليه حالُ النَّاسخ والمَنْسوخ، فقالُوا : إنَّ ذلك في التِّلاوة، أمَّا في الإنزال، فكان الاعتِدادُ بالحَولِ هو المتقدِّمَ، والآية الدَّالَّةُ على أربعة أشْهرٍ وعَشْرٍ هي المُتأخِّرَة، وكذلك في القُرآن آيات كثيرةٌ مكِّيِّةٌ متأخِّرة في التَّلاوة عن الآياتِ المدنيَّة، والله أعْلَمْ.
قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - أوَّلُ ما نُسخ بعد الهجرة أَمْرُ القِبلة والصَّوْم، ويقالُ نزل صَوْمُ شهر رمضان قَبْل بَدرٍ بشهرٍ وأيام، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان يَوْمُ عاشُورَاء تصومُهُ قُرَيش في الجاهلِيَّة، وكان رَسُول الله - ﷺ - يَصُومُهُ في الجَاهِليَّة فلمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله - ﷺ - المدِينَةَ، صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانَ كَانَ هُوَ الفريضة، وتُرِكَ يَوْمُ عاشُوراء، فَمنْ شَاءَ صاَمَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ(٩).
في قوله تعالى :" مَعْدودَاتٍ " وجهانِ :
أحدهما : أنها مُقّدَّراتٌ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ.
والثاني : قَلائِل ؛ كقوله تعالى :﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠].
وقوله :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
فالمرادُ أَنَّ فَرْضَ الصَّوم في الأَيَّامِ المعْدُودَاتِ، إنما يَلْزَمُ الأصِحَّاءَ المُقيمينَ، فأَمَّا مَنْ كَان ](١٠) مُسَافراً، أو مريضاً، فله تأخير الصَّومِ عنْ هذه الأيَّام إلى أيَّامٍ أُخَرَ.
قال القفَّالُ رحمه الله(١١) : انْظُرُوا إلى عجيب ما نبَّهَ اللَّهُ تعالى مِنْ سعة فضلِهِ وَرَحمتِهِ في هذا التَّكليف، وأَنَّهُ تعالى بَيَّنَ فِي أوَّلِ الآيَةِ أن لهذه الأُمَّةِ في هذا التكليف أَسْوَةً بالأُمَمِ المُتقدِّمةِ، والغَرضُ منهُ ما ذكرناهُ مِنْ أَنَّ الأمر الشَّاقَّ، إذا عَمَّ خفَّ، ثم بَيَّن ثانياً وجه الحكمة في إيجابِ الصَّوم، وهو أَنَّهُ سببٌ لحُصُول التَّقوَى، ثُمَّ بَيَّنَ ثالثاً : أنَّهُ مُخْتصُّ بأيَّامٍ معدوداتٍ، فلو جعلهُ أبداً، أو في أكثر الأوقات، لَحَصَلتِ المشَقَّةُ العظيمة، ثُمَّ بيَّن رابعاً : أنه خَصَّهُ من الأوقات بالشَّهر الذي أُنزل فيه القرآن ؛ لكونه أَشرَف الشُّهُور ؛ بسبب هذه الفَضيلةِ ؛ ثم بيَّن خامِساً : إزالة المشقَّة في إلزَامه، فَأَباح تأخيره لِمَنْ به مَرَضٌ، أو سَفَرٌ إلى أن يصيرَ إلى الرَّفاهية والسُّكُون، فراعى سبحانه وتعالى في إيجاب هذا الصَّوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمدُ على نعمه.
قوله :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾ : فيه معنَى الشَّرْط والجَزاءِ، أي : مَنْ يَكُنْ مرِيضاً، أو مُسَافراً، فَأَفْطَر، فَلْيَقْضِ، إذا قَدَّرْتَ فيه الشَّرط، كَانَ المرادُ بقوله : كَانَ الاسْتِقبَالُ لاَ الماضي ؛ كما تقولُ : مَنْ أَتَانِي، أَتَيْتُهُ.
قوله :﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في مَحَلِّ نَصبٍ ؛ عطفاً على خبر كان، و " أوْ " هُنَا للتَّنويع، وعَدَل عن اسمِ الفاعِل، فَلَمْ يَقْل : أَوْ مُسَافِراً، إشعارً بالاسْتِعلاء على السَّفر، لِما فيه مِنَ الاختيار للسفر ؛ بخلافِ المرض، فإنه قَهْرِيٌّ،
اختلفُوا في المَرَضِ المُبيح للفطر ؛ فقال الحَسَنُ، وابنُ سيرين : أيُّ مَرَضٍ كان، وأيُّ سَفَرٍ كان(١٢) ؛ تنزيلاً لِلَّفظ المطلق على أقلِّ الأحوال، وروي أنَّهم دخَلُوا على ابن سيرين في رمَضَان، وهو يأْكُلُ فاعتلَّ بِوَجَعِ أُصْبعِهِ(١٣)، وقال الأصمُّ - رحمه الله- : هذه الرخصةُ مختصَّةٌ بالمرضِ الَّذي لو صَامَ فيه، لَوقَع في مشقَّة، ونزَّل اللَّفظ المُطلق على أكْملِ أحوالِه.
وقال أكثَرُ الفقهاءِ : المرضُ المبيحُ للفطر الَّذي يؤدِّي إلى ضررٍ في النفسِ، أو زيادةِ في العلَّة.
قالوا : وكيفَ يمكنُ أنْ يقالَ : كُلُّ مرضٍ مرخِّصٌ، مع علمنا أنَّ في الأَمْرَاض ما ينقصه الصَّوم(١٤).
أصلُ السَّفر من الكَشف، وذلك أنه يَكشفُ عن أحوال الرِّجال وأخلاقهم، والمِسفرة : المِكْنَسَة ؛ لأنَّها تكشِفُ التُّراب عن الأَرْض، والسَّفير : الدَّاخل بين اثْنَيْن للصلح ؛ لأنَّه يكشِفُ المكروه الَّذي اتَّصل بهما، والمُسْفِر المُضِيء ؛ لأنه قد انْكَشَف وظَهَر، ومنه : أَسْفَر الصُّبح، والسّ
أظهرها : أنَّهُ مَنصُوب بعاملٍ مقدَّرٍ يدُلُّ عليه سياقُ الكلام، تقديره صُومُوا أيَّاماً ويحتملُ النَّصب وجهين : إما الظرفيَّة، وإما المفعول به، اتِّساعاً.
الثاني : أنَّه منصوبٌ بالصيام، ولم يذكر الزّمخشري غيره ؛ وَنَظَّره بقولك " نَوَيْتُ الخُرُوجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ "، وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ الفصل بيْن المصدر ومعمُوله بأجنبيٍّ، وهو قوله " كَمَا كُتبَ " ؛ لأَنَّهُ ليس معمولاً للمصدر على أيِّ تقدير قدَّرته.
فإن قيل : يُجعلَ " كَمَا كُتِبَ " صفةً للصّيام، وذلك على رأي من يجيزُ وصف المعرَّف " بأَل " الجنسيَّة بما يجرى مجرَى النَّكرة، فلا يكُونُ أجنبيّاً.
قيل : يلزمُ مِنْ ذلك وصفُ المصدر قَبل ذكر معموله، وهو ممتنعٌ.
الثالث : أنه منصوبٌ بالصِّيامِ على أنْ تقدَّر الكافُ نعتاً لمصدر من الصِّيام ؛ كما قد قال به بعضُهُمْ وإن كان ضعيفاً ؛ فيكون التَّقدير :" الصِّيَامُ صَوْمَاً ؛ كَمَا كُتِبَ " ؛ فجاز أن يعمل في " أَيَّاماً " " الصِّيَامُ " ؛ لأنه إذْ ذاك عاملٌ في " صوماً " الذي هو موصوفٌ ب " كمَا كُتِبَ "، فلا يقع الفصلُ بينهما بأجنبيٍّ، بل بمعمول المصدر.
الرابع : أن ينتصب ب " كُتِبَ " إِمَّا على الظَّرف، وإمَّا على المَفعُول به تَوَسُّعاً، وإليه نحا الفرَّاء(١)، وتبعه على ذلك أبو البَقَاء(٢).
قال أبو حيَّان(٣) : وكلا القَولين خطأٌ : أَمَّا النَّصب على الظرفيَّة، فإِنَّهُ محلٌّ للفعلِ، والكِتابة لَيْسَت واقعةً في الأيَّام، لكنَّ متعلَّقها هو الواقع في الأَيّام، وأَمَّا [ النَّصب على المفعول اتساعاً، فإِنَّ ذلك مبنيٌّ على كونه ظرفاً ل " كُتِبَ "، وقد تقدَّم أَنَّهُ خطأٌ، وقيل : نصبٌ على ](٤) التَّفسير.
و " مَعْدُودَاتٍ " صفةٌ، وجمعُ صفةِ ما لا يعقل بالألف والتَّاء مطَّردٌ ؛ نحو هذا، وقوله :" جِبَالٌ راسِيَاتٌ "، و " أَيَّامٌ مَعلومات ".
فصل في اختلافهم في المراد بالأيَّام
اختلفوا في هذه الأيام على قولين :
أحدهما : أنها غير رمضان، قاله معاذ، وقتادة، وعطاء، ورواه عن ابن عبَّاس، ثم اختلفَ هؤلاءِ : فقيل ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهر(٥)، وصوم يوم عاشُوراء، قاله قتادة، ثُمَّ اختلفوا أيضاً : هل كان تَطوعاً أو مَرضاً، واتفقُوا على أنَّه منسوخٌ برمضان.
واحتجُّ القائلُونَ بأنَّ المراد بهذه الأيَّام غيرُ رمضانَ بوجوه :
أحدها : قوله - ﷺ - :" إِنَّ صَوْمَ رَمَضَان نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ (٦) " فدلّ هذا على أنَّ قبل رمضان كان صوماً آخر واجباً.
وثانيها : أنَّه تعالى ذكر حُكم المريض والمُسافر في هذه الآية، ثم ذكر حكمها أيضاً في الآيَة الَّتي بعدها الدالَّة على صوم رمضان، فلو كان هذا الصَّوم هو صومَ رمضان، لكان ذلك تكريراً محضاً مِنْ غير فائدة، وهو لا يجوز.
وثالثها : قوله تعالى هنا ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] تدلُّ على أنَّ هذا واجبٌ على التخيير، إن شاء صام، وَإِنْ شاء أعطى الفدية، وأَما صوم رمضان، فواجبٌ على العيين ؛ فوجبَ أن يكون صَومُ هذه الأيام غير صوم رمضان.
القول الثاني وهو اختيارُ المحقِّقين، وبه قال ابنُ عبَّاس، والحسن، وأبو مُسلم أن المراد بهذه الأيَّام المعدُواتِ هو صومُ رمضان، لأَنَّهُ قال في أوَّل الآية الكريمة :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وهذا محتملٌ ليوم ويومين، وأيَّام، ثم بينه بقوله :" أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ " فزال بعضُ الاحتمال، ثم بَيَّنه بقوله :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾
[البقرة: ١٨٥] فعلى هذا التَّرتيب يمكنُ أَنْ نجعل الأيَّام المعدوداتِ بعينها صومَ رمضان، وإذا أمكن ذلك، فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النَّسخ فيه ؛ لأنَّ كل ذلك زيادةٌ لا يدلُّ عليها اللَّفظُ، وأَمَّا تمسُّكهم بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - " صَوْمُ رَمَضَانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ "، فليس فيه أَنَّه نَسَخَ عنه، وعن أُمَّته كلَّ صوْمٍ، بل يجوز أَنَّه نَسَخَ كلَّ صوم وجَبَ في الشّرائع المتقدِّمة ؛ فكما يصحُّ أن يكون بعض شرعه ناسخاً للبعض، فيجوز أن يكون شَرْعهُ ناسخاً لشَرع غيره.
سلَّمنا أَنَّ صومَ رمضان نسخ صوماً ثبت في شرعه، فلِمَ لا يجوز أن يكونَ نسخ صوماً وجب غَيْرَ هذه الأيام.
وأمَّا تمسُّكُهم بحكم المريضِ والمُسَافر وتكَرُّرِه فجوابُه : أَنَّ صوم رمضان كان في ابتداءِ الإسلام غير واجِبٍ، وكان التَّخيير فيه ثابتاً بين الصِّيام والفدية، فلمَّا رُخصَ للمسَافر الفطرُ، كان من الجائز أَنْ يصير الواجبُ عليه الفدية، ويجوز أَنْ لا فديَة علَيْه، ولا قضاء ؛ للمشقَّة. وإذا كان ذلك جائزاً، بيَّن تعالى أَنَّ إفطار المُسافِر والمريض في الحُكْم خلافُ [ التخيير في المقيم ؛ فإِنَّهُ يجبُ عليهما القَضَاء من عدَّةِ أيَّام أُخر، فلما نَسَخَ اللَّهُ تعالى ذلك التَّخييرَ عن ](٧) المقيم الصَّحيحِ، وأَلْزَمَهُ الصَّومَ حتماً، كان من الجائزِ أَنْ يظن أنَّ حكم الصَّوم، كمَّا انتقلَ عن التخيير إلى التَّضييق في حَقِّ المقيم الصَّحيح أن يتغيَّر حكمُ المريضِ والمسافر عن حكم الصَّحيح، كما كان قبل النَّسْخِ، فبيَّن تعالى في الآية الثَّانية : أنَّ حال(٨) المريض والمُسافر كحالها الأُولى لم يتغيَّر بالنَّسخ في حق المقيم الصَّحيح، فهذه هي الفائدةُ في الإعادة، وإنَّمَا تمسُّكُهم بأنَّ صَوْمَ هذه الأيَّام على التَّخير وصومَ رمضانَ واجِبٌ على التَّعيين، فتقدَّم جوابهُ من أَنَّ رمضان كان واجِباً مخيَّراً، ثم صَارَ مُعَّيناً، وعلى كِلا القَوْلَين، فلا بُدَّ من تَطَرُّق النسخ إلى الأيَّام أمَّا على القول الأوَّل فظاهر، وأما على الثاني : فلأَنَّ هذه الآية تقتضي أن يكون صَوم رمضان واجباً مخيَّراً، والآية الكريمة التي بعدها تدُلُّ على التَّضييق ؛ فكانت ناسخة للأولى.
فإن قيل : كَيْفَ يصحُّ أنْ يكونَ قوله :﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصحُّ.
والجواب : أنَّ الاتِّصال في التَّلاوة لا يوجب الاتِّصال في النُّزول ؛ وهذا كما قيل في عدَّة المتوفَّى عنها زوجها ؛ أنّ الْمقدَّم في التلاوة هو النَّاسخُ والمَنْسُوخ متأَخِّر، وهذا عكسُ ما يجبُ أن يكُونَ عليه حالُ النَّاسخ والمَنْسوخ، فقالُوا : إنَّ ذلك في التِّلاوة، أمَّا في الإنزال، فكان الاعتِدادُ بالحَولِ هو المتقدِّمَ، والآية الدَّالَّةُ على أربعة أشْهرٍ وعَشْرٍ هي المُتأخِّرَة، وكذلك في القُرآن آيات كثيرةٌ مكِّيِّةٌ متأخِّرة في التَّلاوة عن الآياتِ المدنيَّة، والله أعْلَمْ.
فصل في أول ما نسخ بعد الهجرة
قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - أوَّلُ ما نُسخ بعد الهجرة أَمْرُ القِبلة والصَّوْم، ويقالُ نزل صَوْمُ شهر رمضان قَبْل بَدرٍ بشهرٍ وأيام، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان يَوْمُ عاشُورَاء تصومُهُ قُرَيش في الجاهلِيَّة، وكان رَسُول الله - ﷺ - يَصُومُهُ في الجَاهِليَّة فلمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله - ﷺ - المدِينَةَ، صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانَ كَانَ هُوَ الفريضة، وتُرِكَ يَوْمُ عاشُوراء، فَمنْ شَاءَ صاَمَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ(٩).
فصل في المراد بقوله " مَعْدُودات "
في قوله تعالى :" مَعْدودَاتٍ " وجهانِ :
أحدهما : أنها مُقّدَّراتٌ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ.
والثاني : قَلائِل ؛ كقوله تعالى :﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠].
وقوله :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
فالمرادُ أَنَّ فَرْضَ الصَّوم في الأَيَّامِ المعْدُودَاتِ، إنما يَلْزَمُ الأصِحَّاءَ المُقيمينَ، فأَمَّا مَنْ كَان ](١٠) مُسَافراً، أو مريضاً، فله تأخير الصَّومِ عنْ هذه الأيَّام إلى أيَّامٍ أُخَرَ.
قال القفَّالُ رحمه الله(١١) : انْظُرُوا إلى عجيب ما نبَّهَ اللَّهُ تعالى مِنْ سعة فضلِهِ وَرَحمتِهِ في هذا التَّكليف، وأَنَّهُ تعالى بَيَّنَ فِي أوَّلِ الآيَةِ أن لهذه الأُمَّةِ في هذا التكليف أَسْوَةً بالأُمَمِ المُتقدِّمةِ، والغَرضُ منهُ ما ذكرناهُ مِنْ أَنَّ الأمر الشَّاقَّ، إذا عَمَّ خفَّ، ثم بَيَّن ثانياً وجه الحكمة في إيجابِ الصَّوم، وهو أَنَّهُ سببٌ لحُصُول التَّقوَى، ثُمَّ بَيَّنَ ثالثاً : أنَّهُ مُخْتصُّ بأيَّامٍ معدوداتٍ، فلو جعلهُ أبداً، أو في أكثر الأوقات، لَحَصَلتِ المشَقَّةُ العظيمة، ثُمَّ بيَّن رابعاً : أنه خَصَّهُ من الأوقات بالشَّهر الذي أُنزل فيه القرآن ؛ لكونه أَشرَف الشُّهُور ؛ بسبب هذه الفَضيلةِ ؛ ثم بيَّن خامِساً : إزالة المشقَّة في إلزَامه، فَأَباح تأخيره لِمَنْ به مَرَضٌ، أو سَفَرٌ إلى أن يصيرَ إلى الرَّفاهية والسُّكُون، فراعى سبحانه وتعالى في إيجاب هذا الصَّوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمدُ على نعمه.
قوله :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾ : فيه معنَى الشَّرْط والجَزاءِ، أي : مَنْ يَكُنْ مرِيضاً، أو مُسَافراً، فَأَفْطَر، فَلْيَقْضِ، إذا قَدَّرْتَ فيه الشَّرط، كَانَ المرادُ بقوله : كَانَ الاسْتِقبَالُ لاَ الماضي ؛ كما تقولُ : مَنْ أَتَانِي، أَتَيْتُهُ.
قوله :﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في مَحَلِّ نَصبٍ ؛ عطفاً على خبر كان، و " أوْ " هُنَا للتَّنويع، وعَدَل عن اسمِ الفاعِل، فَلَمْ يَقْل : أَوْ مُسَافِراً، إشعارً بالاسْتِعلاء على السَّفر، لِما فيه مِنَ الاختيار للسفر ؛ بخلافِ المرض، فإنه قَهْرِيٌّ،
فصل في المرض المبيح للفطر
اختلفُوا في المَرَضِ المُبيح للفطر ؛ فقال الحَسَنُ، وابنُ سيرين : أيُّ مَرَضٍ كان، وأيُّ سَفَرٍ كان(١٢) ؛ تنزيلاً لِلَّفظ المطلق على أقلِّ الأحوال، وروي أنَّهم دخَلُوا على ابن سيرين في رمَضَان، وهو يأْكُلُ فاعتلَّ بِوَجَعِ أُصْبعِهِ(١٣)، وقال الأصمُّ - رحمه الله- : هذه الرخصةُ مختصَّةٌ بالمرضِ الَّذي لو صَامَ فيه، لَوقَع في مشقَّة، ونزَّل اللَّفظ المُطلق على أكْملِ أحوالِه.
وقال أكثَرُ الفقهاءِ : المرضُ المبيحُ للفطر الَّذي يؤدِّي إلى ضررٍ في النفسِ، أو زيادةِ في العلَّة.
قالوا : وكيفَ يمكنُ أنْ يقالَ : كُلُّ مرضٍ مرخِّصٌ، مع علمنا أنَّ في الأَمْرَاض ما ينقصه الصَّوم(١٤).
فصل في أصل السَّفر واشتقاقه
أصلُ السَّفر من الكَشف، وذلك أنه يَكشفُ عن أحوال الرِّجال وأخلاقهم، والمِسفرة : المِكْنَسَة ؛ لأنَّها تكشِفُ التُّراب عن الأَرْض، والسَّفير : الدَّاخل بين اثْنَيْن للصلح ؛ لأنَّه يكشِفُ المكروه الَّذي اتَّصل بهما، والمُسْفِر المُضِيء ؛ لأنه قد انْكَشَف وظَهَر، ومنه : أَسْفَر الصُّبح، والسّ
١ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١١٢..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ٢/٣١..
٣ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٨..
٤ - سقط في ب..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤١٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١٠/٣٢٣) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٦ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/٦١). وذكر السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٢٣) أثرا أخرجه سعيد بن منصور عن أبي جعفر قال: نسخ شهر رمضان كل صوم..
٧ - سقط في ب..
٨ - في ب: إدخال..
٩ - أخرجه البخاري (٣/٩٥) كتاب الصوم باب صيام يوم عاشوراء (٢٠٠٢) و (٦/٥٤) كتاب التفسير باب تفسير سورة البقرة (٤٥٠٤) ومسلم كتاب الصوم باب ١٩، رقم (١١٨) وأبو داود (١/ ٤٧٢) كتاب الصيام باب في صوم يوم عاشوراء (٢٤٤٢)..
١٠ - سقط في ب..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٦٣..
١٢ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/ ٦٣) عن الحسن وابن سيرين..
١٣ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٥/٦٣)..
١٤ - من شروط وجوب الصوم: القدرة على الصوم حسا أو شرعا، فلا يجب صوم رمضان على العاجز عن الصوم، ثم إن العجز عن الصوم قسمان: شرعي، وحسي.
فالعجز الشرعي ما كان سببه الحيض والنفاس، فلا يجب صوم رمضان على الحائض والنفساء، وبل يحرم عليهما بالإجماع.
فإذا طهرت الحائض أو النفساء، وجب عليهما القضاء؛ دليل ذلك ما روي عن السيدة عائشة- رضي الله عنها-؛ أنها قالت في الحيض كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم- ثم نطهر فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، فوجب القضاء على الحائض بهذا الخبر؛ ويقاس عليها النفساء؛ لأنها في معناها ثم إن طهرتا في أثناء نهار رمضان، استحبّ لهما إمساك بقية النهار، ولا يلزمهما ذلك. وإنما وجب عليهما قضاء الصوم دون الصلاة؛ للفرق بينهما- وهو أن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات، بخلاف الصوم فإنه شهر في السنة.
وأما العجز الحسي عن الصوم، فهو ما لحق صاحبه مشقة لا تحتمل عادة، وله أسباب:
الأول: المرض: فيباح للمريض ترك صوم رمضان إذا كان يحصل له بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة سواء كان هذا المرض يرجى زواله أم لا لقوله تعالى: "فمن كان منكم مريضا او لى سفر فعدة من أيام آخر"؛ ولقوله تعالى: "ما جعل عليكم في الدين من حرج". ولا تتوقف إباحة الفطر للمريض على قول طبيب عدل بحصول المشقة المذكورة إذا صام، بل يكفي أن يتضرر المريض بالصوم، وأنه يدرك الألم الحاصل له بسبب الصوم، ولا يلزم المريض تبييت النية ليلا إذا كان المرض الذي عنده مطبقا، أي مستمرا ليلا ونهارا أما إذا كان غير مطبق، بأن كان متقطعا؛ كالحمى التي توجد في وقت وتنقطع في وقت آخر، فيفصل فيه، فإن كان المرض غير موجود قبيل الفجر لزمه تبييت النية؛ لاحتمال الشفاء، وعدم عودة المرض، ثم إن عاد المرض جاز له الفطر، وإلا فلا.
أما إذا كان المرض موجودا قبيل الفجر، فلا يلزمه التبييت، ويلزمه قضاء ما ترك.
ثم إذا أصبح الصحيح صائما، ثم مرض في أثناء النهار- جاز له الفطر، لأن أبيح له الفطر للضرورة، والضرورة موجودة.
الثاني: كِبَر السن فلا يجب الصوم على كبير السن الذي يلحقه بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة، سواء كان الكبير رجلا أو امرأة؛ لقوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، والظاهر أنه لا يجب عليه تبييت النية، لأن عذره- وهو الكبر- دائم، فلا يحتمل الزوال.
الثالث: الاشتغال بعمل يشق معه الصوم مشقة لا تحتمل عادة، فيباح الفطر للبنّائين، والفعلة، والخبّازين، ومن ماثلهم من كل ذي عمل شاق، وذكرا كان أو أنثى إلا أنه يلزمه تبييت النية لأن الأصل بقاء القدرة، ثم إن لحقه بالنهار المشقة المذكورة، أفطر، وإلا فلا، ولا يجوز له ترك النية ليلا.
الرابع: شدة الجوع والعطش، فيباح الفطر لمن لحقه ذلك، بل إذا غلبه الجوع أو العطش، وخشي الهلاك- لزمه الفطر، وإن كان صحيحا مقيما لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ويلزمه القضاء؛ كالمريض.
قال الغزالي في "المستصفى": من خاف الهلاك؛ لترك الأكل، حرم عليه الصوم، وإن صام، ففي انعقاده وجهان:
أصحهما: انعقاده مع الإثم.
الخامس: خوف المرضع حصول مشقة شديدة لها بسبب الصوم، سواء كانت كمستأجرة أو متبرعة وكما يُباح الفطر للمرضعة؛ لخوفها على نفسها من حصول المشقة المذكورة بسبب الصوم، يباح لها الفطر أيضا؛ لخوفها على رضيعها؛ بأن تخاف قلة اللبن، فيتضرر الرضيع.
وسيأتي أنها إذا أفطرت لخوفها على نفسها، ولو مع الرضيع، لا يجب عليها إلا القضاء فقط.
أما إذا خافت على رضيعها فقط، وأفطرت- وجب عليها القضاء بدلا عن الصوم، وفي الكفارة ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو المتفق عليه من الأصحاب وجوبها، وهي عبارة عن مد لكل يوم، لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾.
الثاني: أن الكفارة مستحبة غير واجبة وهو قول المزني، لأنه إفطار بعذر، فلم تجب فيه الكفارة، كإفطار المريض.
الثالث: تجب على المرضع دون الحامل؛ لأن الحامل أرضعت؛ لمعنى فيها، فهي كالمريضة، والمرضع أفطرت؛ لمنفصل عنها، فوجب عليها الكفارة، وحكم الحامل حكم المرضع فيما تقدم.
السادس: إنقاذ حيوان محترم أشرف على الهلاك بسبب غرق أو نحوه؛ كحرق، أو هدم، فيباح الفطر لمن ينقذ الحيوان المذكور، إن لحقه بسبب الصوم مشقة شديدة، حيث لا تحتمل عادة؛ ومثل إنقاذ الحيوان إنقاذ المال..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ٢/٣١..
٣ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٨..
٤ - سقط في ب..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤١٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١٠/٣٢٣) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٦ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/٦١). وذكر السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٢٣) أثرا أخرجه سعيد بن منصور عن أبي جعفر قال: نسخ شهر رمضان كل صوم..
٧ - سقط في ب..
٨ - في ب: إدخال..
٩ - أخرجه البخاري (٣/٩٥) كتاب الصوم باب صيام يوم عاشوراء (٢٠٠٢) و (٦/٥٤) كتاب التفسير باب تفسير سورة البقرة (٤٥٠٤) ومسلم كتاب الصوم باب ١٩، رقم (١١٨) وأبو داود (١/ ٤٧٢) كتاب الصيام باب في صوم يوم عاشوراء (٢٤٤٢)..
١٠ - سقط في ب..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٦٣..
١٢ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/ ٦٣) عن الحسن وابن سيرين..
١٣ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٥/٦٣)..
١٤ - من شروط وجوب الصوم: القدرة على الصوم حسا أو شرعا، فلا يجب صوم رمضان على العاجز عن الصوم، ثم إن العجز عن الصوم قسمان: شرعي، وحسي.
فالعجز الشرعي ما كان سببه الحيض والنفاس، فلا يجب صوم رمضان على الحائض والنفساء، وبل يحرم عليهما بالإجماع.
فإذا طهرت الحائض أو النفساء، وجب عليهما القضاء؛ دليل ذلك ما روي عن السيدة عائشة- رضي الله عنها-؛ أنها قالت في الحيض كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم- ثم نطهر فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، فوجب القضاء على الحائض بهذا الخبر؛ ويقاس عليها النفساء؛ لأنها في معناها ثم إن طهرتا في أثناء نهار رمضان، استحبّ لهما إمساك بقية النهار، ولا يلزمهما ذلك. وإنما وجب عليهما قضاء الصوم دون الصلاة؛ للفرق بينهما- وهو أن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات، بخلاف الصوم فإنه شهر في السنة.
وأما العجز الحسي عن الصوم، فهو ما لحق صاحبه مشقة لا تحتمل عادة، وله أسباب:
الأول: المرض: فيباح للمريض ترك صوم رمضان إذا كان يحصل له بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة سواء كان هذا المرض يرجى زواله أم لا لقوله تعالى: "فمن كان منكم مريضا او لى سفر فعدة من أيام آخر"؛ ولقوله تعالى: "ما جعل عليكم في الدين من حرج". ولا تتوقف إباحة الفطر للمريض على قول طبيب عدل بحصول المشقة المذكورة إذا صام، بل يكفي أن يتضرر المريض بالصوم، وأنه يدرك الألم الحاصل له بسبب الصوم، ولا يلزم المريض تبييت النية ليلا إذا كان المرض الذي عنده مطبقا، أي مستمرا ليلا ونهارا أما إذا كان غير مطبق، بأن كان متقطعا؛ كالحمى التي توجد في وقت وتنقطع في وقت آخر، فيفصل فيه، فإن كان المرض غير موجود قبيل الفجر لزمه تبييت النية؛ لاحتمال الشفاء، وعدم عودة المرض، ثم إن عاد المرض جاز له الفطر، وإلا فلا.
أما إذا كان المرض موجودا قبيل الفجر، فلا يلزمه التبييت، ويلزمه قضاء ما ترك.
ثم إذا أصبح الصحيح صائما، ثم مرض في أثناء النهار- جاز له الفطر، لأن أبيح له الفطر للضرورة، والضرورة موجودة.
الثاني: كِبَر السن فلا يجب الصوم على كبير السن الذي يلحقه بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة، سواء كان الكبير رجلا أو امرأة؛ لقوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، والظاهر أنه لا يجب عليه تبييت النية، لأن عذره- وهو الكبر- دائم، فلا يحتمل الزوال.
الثالث: الاشتغال بعمل يشق معه الصوم مشقة لا تحتمل عادة، فيباح الفطر للبنّائين، والفعلة، والخبّازين، ومن ماثلهم من كل ذي عمل شاق، وذكرا كان أو أنثى إلا أنه يلزمه تبييت النية لأن الأصل بقاء القدرة، ثم إن لحقه بالنهار المشقة المذكورة، أفطر، وإلا فلا، ولا يجوز له ترك النية ليلا.
الرابع: شدة الجوع والعطش، فيباح الفطر لمن لحقه ذلك، بل إذا غلبه الجوع أو العطش، وخشي الهلاك- لزمه الفطر، وإن كان صحيحا مقيما لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ويلزمه القضاء؛ كالمريض.
قال الغزالي في "المستصفى": من خاف الهلاك؛ لترك الأكل، حرم عليه الصوم، وإن صام، ففي انعقاده وجهان:
أصحهما: انعقاده مع الإثم.
الخامس: خوف المرضع حصول مشقة شديدة لها بسبب الصوم، سواء كانت كمستأجرة أو متبرعة وكما يُباح الفطر للمرضعة؛ لخوفها على نفسها من حصول المشقة المذكورة بسبب الصوم، يباح لها الفطر أيضا؛ لخوفها على رضيعها؛ بأن تخاف قلة اللبن، فيتضرر الرضيع.
وسيأتي أنها إذا أفطرت لخوفها على نفسها، ولو مع الرضيع، لا يجب عليها إلا القضاء فقط.
أما إذا خافت على رضيعها فقط، وأفطرت- وجب عليها القضاء بدلا عن الصوم، وفي الكفارة ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو المتفق عليه من الأصحاب وجوبها، وهي عبارة عن مد لكل يوم، لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾.
الثاني: أن الكفارة مستحبة غير واجبة وهو قول المزني، لأنه إفطار بعذر، فلم تجب فيه الكفارة، كإفطار المريض.
الثالث: تجب على المرضع دون الحامل؛ لأن الحامل أرضعت؛ لمعنى فيها، فهي كالمريضة، والمرضع أفطرت؛ لمنفصل عنها، فوجب عليها الكفارة، وحكم الحامل حكم المرضع فيما تقدم.
السادس: إنقاذ حيوان محترم أشرف على الهلاك بسبب غرق أو نحوه؛ كحرق، أو هدم، فيباح الفطر لمن ينقذ الحيوان المذكور، إن لحقه بسبب الصوم مشقة شديدة، حيث لا تحتمل عادة؛ ومثل إنقاذ الحيوان إنقاذ المال..