البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الطاقة، والطوق : القدرة والاستطاعة، ويقال : طاق وأطاق كذا، أي : استطاعه وقدر عليه، قال أبو ذئب.
فقلت له احمل فوق طوقك إنها***
مطبعة من يأتها لا يضيرها
﴿أياماً معدودات﴾ إن كان ما فرض صومه هنا هو رمضان، فيكون قوله أياماً معدودات عنى به رمضان، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين، ووصفها بقوله : معدودات، تسهيلاً على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد ليست بالكثيرة التي تفوّت العد، ولهذا وقع الاستعمال بالمعدود كناية على القلائل، كقوله :﴿في أيام معدودات﴾ ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾
وإن كان ما فرض صومه هو ثلاثة أيام من كل شهر، وقيل : هذه الثلاثة ويوم عاشوراء، كما كان ذلك مفروضاً على الذين من قبلنا، فيكون قوله :﴿أياماً معدودات﴾ عنى بها هذه الأيام، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وعطاء.
قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة : هي الأيام البيض، وقيل : وهي : الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وقيل : الثالث عشر ويومان بعده، وروي في ذلك حديث.
« إن البيض هي الثالث عشر ويومان بعده » فإن صح لم يمكن خلافه.
وروى المفسرون أنه كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجباً، وصوم يوم عاشوراء، فصاموا كذلك في سبعة عشر شهراً، ثم نسخ بصوم رمضان.
قال ابن عباس : أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة، والصوم، ويقال : نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، وقيل : كان صوم تلك الأيام تطوعاً، ثم فرض، ثم نسخ.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ( ري الظمآن ) : احتج من قال إنها غير رمضان بقوله ﷺ :« صوم رمضان نسخ كل صوم »، فدل على أن صوماً آخر كان قبله، ولأنه تعالى ذكر المريض والمسافر في هذه الآية ثم ذكر حكمها في الآية الآتية بعده، فإن كان هذا الصوم هو صوم رمضان لكان هذا تكريراً، ولأن قوله تعالى :﴿فدية﴾ يدل على التخيير، وصوم رمضان واجب على التعيين، فكان غيره، وأكثر المحققين على أن المراد بالأيام : شهر رمضان، لأن قوله :﴿كتب عليكم الصيام﴾ يحتمل يوماً ويومين وأكثر، ثم بينه بقوله :﴿شهر رمضان﴾ وإذا أمكن حمله على رمضان فلا وجه لحمله على غيره، وإثبات النسخ ؛ وأما الخبر فيمكن أن يحمل على نسخ كل صوم وجب في الشرائع المتقدمة، أو يكون ناسخاً لصيام وجب لهذه الامة، وأما ما ذكر من التكرار فيحتمل أن يكون لبيان إفطار المسافر والمريض في رمضان في الحكم، بخلاف التخيير في المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء، فلما نسخ عن المقيم الصحيح وألزم الصوم، كان من الجائز أن نظن أن حكم الصوم، لما انتقل إلى التخيير عن التضييق، يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه بمنزلة المقيم من حيث تغير الحكم في الصوم، لما بين أن حال المريض والمسافر في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً، فهذه فائدة الإعادة، وهذا هو الجواب عن الثالث، وهو قولهم : لأن قوله تعالى :﴿فدية﴾ يدل على التخيير إلى آخره، لأن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، ثم صار معيناً.
وعلى كلا القولين لا بد من النسخ في الآية، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن هذه الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجباً مخيراً، والآية التي بعد تدل على التضييق، فكانت ناسخة لها، والاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول.
انتهى كلامه.
وانتصاب قوله :﴿أياماً﴾ على إضمار فعل يدل عليه ما قبله، وتقديره : صوموا أياماً معدودات، وجوزوا أن يكون منصوباً بقوله : الصيام، وهو اختيار الزمخشري، إذ لم يذكره غيره، قال : وانتصاب أياماً بالصيام كقولك : نويت الخروج يوم الجمعة انتهى كلامه وهو خطأ، لأن معمول المصدر من صلته، وقد فصل بينهما بأجنبي وهو قوله :﴿كما كتب﴾ فكما كتب ليس لمعمول المصدر، وإنما هو معمول لغيره على أي تقدير قدرته من كونه نعتاً لمصدر محذوف، أو في موضع الحال، ولو فرعت على أنه صفة للصيام على تقدير : أن تعريف الصيام جنس، فيوصف بالنكرة، لم يجز أيضاً، لأن المصدر إذا وصف قبل ذكر معموله لم يجز إعماله، فإن قدَّرت الكاف نعتاً لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وضعَّفناه قبل، فيكون التقدير : صوماً كما كتب، جاز أن يعمل في : أياماً، الصيام، لأنه إذ ذاك العامل في صوماً، هو المصدر، فلا يقع الفصل بينهما، بما ليس لمعمول للمصدر، وأجازوا أيضاً انتصاب : أياماً، على الظرف، والعامل فيه كتب، وأن يكون مفعولاً على السعة ثانياً، والعامل فيه كتب، وإلى هذا ذهب الفراء، والحوفي، وكلا القولين خطأ.
أما النصب على الظرف فإنه محل للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلقها هو الواقع في الأيام، فلو قال الإنسان لوالده وكان ولد يوم الجمعة : سرني ولادتك يوم الجمعة، لم يكن أن يكون يوم الجمعة معمولاً لسرني، لأن، السرور يستحيل أن يكون يوم الجمعة، إذ ليس بمحل للسرور الذي أسنده إلى نفسه، وأما النصب على المفعول اتساعاً فإن ذلك مبني على جواز وقوعه ظرفاً لكتب، وقد بينا أن ذلك خطأ.
والصوم : نفل وواجب، والواجب معين الزمان، وهو : صوم رمضان والنذر المعين، وما هو في الذمة، وهو : قضاء رمضان، والنذر غير المعين، وصوم الكفارة.
وأجمعوا على اشتراط النية في الصوم، واختلفوا في زمانها.
فمذهب أبي حنيفة : أن رمضان، والنذر المعين، والنفل يصح بنية من الليل، وبنية إلى الزوال، وقضاء رمضان، وصوم الكفارة، ولا يصح إلاَّ بنية من الليل خاصة.
ومذهب مالك على المشهور : أن الفرض والنفل لا يصح إلاَّ بنية من الليل.
ومذهب الشافعي : أنه لا يصح واجب إلاَّ بنية من الليل.
ومذهب مالك : أن نية واحدة تكفي عن شهر رمضان.
وروي عن زفر أنه إذا كان صحيحاً مقيماً فأمسك فهو صائم، وإن لم ينو.
ومن صام رمضان بمطلق نية الصوم أو بنية واجب آخر، فقال أبو حنيفة : ما تعين زمانه يصح بمطلق النية، وقال مالك، والشافعي : لا يصح إلاَّ بنية الفرض، والمسافر إذا نوى واجباً آخر وقع عما نوى، وقال أبو يوسف، ومحمد : يقع عن رمضان، فلو نوى هو أو المريض التطوع فعن أبي حنيفة : يقع عن الفرض، وعنه أيضاً : يقع التطوع، وإذا صام المسافر بنية قبل الزوال جاز، قال زفر : لا يجوز النفل بنية بعد الزوال، وقال الشافعي : يجوز ولو أوجب صوم وقت معين فصام عن التطوع، فقال أبو يوسف : يقع على المنذور، ولو صام عن واجب آخر في وقت الصوم الذي أوجبه وقع عن ما نوى، ولو نوى التطوع وقضاء رمضان، فقال أبو يوسف : يقع عن القضاء، ومحمد قال : عن التطوع، ولو نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار كان على القضاء في قول أبي يوسف، وقال محمد : يقع على النفل، ولو نوى الصائم الفطر فصومه تام، وقال الشافعي : يبطل صومه.
ودلائل هذه المسائل تذكر في كتب الفقه.
﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ ظاهر اللفظ اعتبار مطلق المرض بحيث يصدق عليه الأسم، وإلى ذلك ذهب ابن سيرين، وعطاء، والبخاري.
وقال الجمهور : هو الذي يؤلم، ويؤذي، ويخاف تماديه، وتزيده ؛ وسمع من لفظ مالك : أنه المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به التلف إذا صام، وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه ؛ وقال الحسن، والنخعي : إذا لم يقدر من المرض على الصيام أفطر.
وقال الشافعي : لا يفطر إلاَّ من دعته ضرورة المرض إليه، ومتى احتمل الصوم مع المرض لم يفطر.
وقال أبو حنيفة : إن خاف أن تزداد عينه وجعاً أو حمى شديدة أفطر.
وظاهر اللفظ اعتبار مطلق السفر زماناً وقصداً.
وقد اختلفوا في المسافة التي تبيح الفطر، فقال ابن عمر، وابن عباس، والثوري وأبو حنيفة : ثلاثة أيام.
وروى البخاري أن ابن عمر، وابن عباس كانا يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وقد روي عن ابن أبي حنيفة : يومان وأكثر ثلاث، والمعتبر السير الوسط لا غيره من الإسراع والإبطاء.
وقال مالك : مسافة الفطر مسافة القصر، وهي يوم وليلة، ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلاً، وقال مرة : اثنان وأربعون، ومرة ستة وأربعون ؛ وفي المذهب : ثلاثون ميلاً، وفي غير المذهب ثلاثة أميال.
وأجمعوا على أن سفر الطاعة من جهاد وحج وصلة رحم وطلب معاش ضروري مبيح.
فأما سفر التجارة والمباح ففيه خلاف، وقال ابن عطية : والقول بالإجازة أظهر، وكذلك سفر المعاصي مختلف فيه أيضاً، والقول بالمنع أرجح.
انتهى كلامه.
واتفقوا على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر، قالوا : ولا خلاف أنه لا يجوز لمؤمل السفر أن يفطر قبل أن يخرج، فان أفطر فقال أشهب : لا يلزمه شيء سافر، أو لم يسافر.
وقال سحنون : عليه الكفارة سافر، أو لم يسافر، وقال عيسى، عن ابن القاسم : لا يلزمه إلاَّ قضاء يومه، وروي عن أنس أنه أفطر وقد أراد السفر، ولبس ثياب السفر، ورجل دابته، فأكل ثم ركب.
وقال الحسن يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج، وقال أحمد : إذا برز عن البيوت، وقال إسحاق : لا بل حتى يضع رجله في الرحل.
ومن أصبح صحيحاً ثم اعتل أفطر بقية يومه، ولو أصبح في الحضر ثم سافر فله أن يفطر، وهو قول ابن عمر، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وقيل : لا يفطر يومه ذلك، وإن نهض في سفره وهو قول الزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، وابن حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
واختلفوا إن أفطر، فكل هؤلاء قال : يقضي ولا يكفر.
وقال ابن كنانة : يقضي ويكفر، وحكاه الباجي عن الشافعي، وقال به ابن العربي واختاره، وقال أبو عمر بن عبد البر : ليس بشيء، لأن الله أباح له الفطر في الكتاب والسنة، ومن أوجب الكفارة فقد أوجب ما لم يوجبه الله.
وظاهر قوله :﴿أو على سفر﴾ إباحة الفطر للمسافر، ولو كان بيت نية الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر، ولا كفارة عليه، قاله الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي وسائر فقهاء الكوفة.
وقال مالك : عليه القضاء والكفارة، وروي عنه أيضاً أنه : لا كفارة عليه، وهو قول أكثر أصحابه.
وموضع ﴿أو على السفر﴾، نصب لأنه معطوف على خبر : كان، ومعنى : أو، هنا التنويع، وعدل عن اسم الفاعل وهو : أو مسافر إلى، أو على سفر، إشعاراً بالاستيلاء على السفر لما فيه من الاختيار للمسافر، بخلاف المرض، فإنه يأخذ الإنسان من غير اختيار، فهو قهري، بخلاف السفر ؛ فكان السفر مركوب الإنسان يستعلي عليه، ولذلك يقال : فلان على طريق، وراكب طريق إشعاراً بالاختيار، وأن الإنسان مستولٍ على السفر مختارٌ لركوب الطريق فيه.
﴿فعدة من أيام أخر﴾ قراءة الجمهور برفع عدة على أنه مبتدأ محذوف الخبر، وقدر : قبل، أي : فعليه عدة وبعد أي : أمثل له، أو خبر مبتدأ محذوف، أي : فالواجب، أو : فالحكم عدة.
وقرئ : فعدة، بالنصب على إضمار فعل، أي : فليصم عدة، وعدة هنا بمعنى معدود، كالرعي والطحن، وهو على حذف مضاف، أي : فصوم عدة ما أفطر، وبين الشرط وجوابه محذوف به يصح الكلام، التقدير : فافطر فعدة، ونظي
فقلت له احمل فوق طوقك إنها***
مطبعة من يأتها لا يضيرها
﴿أياماً معدودات﴾ إن كان ما فرض صومه هنا هو رمضان، فيكون قوله أياماً معدودات عنى به رمضان، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين، ووصفها بقوله : معدودات، تسهيلاً على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد ليست بالكثيرة التي تفوّت العد، ولهذا وقع الاستعمال بالمعدود كناية على القلائل، كقوله :﴿في أيام معدودات﴾ ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾
وإن كان ما فرض صومه هو ثلاثة أيام من كل شهر، وقيل : هذه الثلاثة ويوم عاشوراء، كما كان ذلك مفروضاً على الذين من قبلنا، فيكون قوله :﴿أياماً معدودات﴾ عنى بها هذه الأيام، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وعطاء.
قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة : هي الأيام البيض، وقيل : وهي : الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وقيل : الثالث عشر ويومان بعده، وروي في ذلك حديث.
« إن البيض هي الثالث عشر ويومان بعده » فإن صح لم يمكن خلافه.
وروى المفسرون أنه كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجباً، وصوم يوم عاشوراء، فصاموا كذلك في سبعة عشر شهراً، ثم نسخ بصوم رمضان.
قال ابن عباس : أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة، والصوم، ويقال : نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، وقيل : كان صوم تلك الأيام تطوعاً، ثم فرض، ثم نسخ.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ( ري الظمآن ) : احتج من قال إنها غير رمضان بقوله ﷺ :« صوم رمضان نسخ كل صوم »، فدل على أن صوماً آخر كان قبله، ولأنه تعالى ذكر المريض والمسافر في هذه الآية ثم ذكر حكمها في الآية الآتية بعده، فإن كان هذا الصوم هو صوم رمضان لكان هذا تكريراً، ولأن قوله تعالى :﴿فدية﴾ يدل على التخيير، وصوم رمضان واجب على التعيين، فكان غيره، وأكثر المحققين على أن المراد بالأيام : شهر رمضان، لأن قوله :﴿كتب عليكم الصيام﴾ يحتمل يوماً ويومين وأكثر، ثم بينه بقوله :﴿شهر رمضان﴾ وإذا أمكن حمله على رمضان فلا وجه لحمله على غيره، وإثبات النسخ ؛ وأما الخبر فيمكن أن يحمل على نسخ كل صوم وجب في الشرائع المتقدمة، أو يكون ناسخاً لصيام وجب لهذه الامة، وأما ما ذكر من التكرار فيحتمل أن يكون لبيان إفطار المسافر والمريض في رمضان في الحكم، بخلاف التخيير في المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء، فلما نسخ عن المقيم الصحيح وألزم الصوم، كان من الجائز أن نظن أن حكم الصوم، لما انتقل إلى التخيير عن التضييق، يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه بمنزلة المقيم من حيث تغير الحكم في الصوم، لما بين أن حال المريض والمسافر في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً، فهذه فائدة الإعادة، وهذا هو الجواب عن الثالث، وهو قولهم : لأن قوله تعالى :﴿فدية﴾ يدل على التخيير إلى آخره، لأن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، ثم صار معيناً.
وعلى كلا القولين لا بد من النسخ في الآية، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن هذه الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجباً مخيراً، والآية التي بعد تدل على التضييق، فكانت ناسخة لها، والاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول.
انتهى كلامه.
وانتصاب قوله :﴿أياماً﴾ على إضمار فعل يدل عليه ما قبله، وتقديره : صوموا أياماً معدودات، وجوزوا أن يكون منصوباً بقوله : الصيام، وهو اختيار الزمخشري، إذ لم يذكره غيره، قال : وانتصاب أياماً بالصيام كقولك : نويت الخروج يوم الجمعة انتهى كلامه وهو خطأ، لأن معمول المصدر من صلته، وقد فصل بينهما بأجنبي وهو قوله :﴿كما كتب﴾ فكما كتب ليس لمعمول المصدر، وإنما هو معمول لغيره على أي تقدير قدرته من كونه نعتاً لمصدر محذوف، أو في موضع الحال، ولو فرعت على أنه صفة للصيام على تقدير : أن تعريف الصيام جنس، فيوصف بالنكرة، لم يجز أيضاً، لأن المصدر إذا وصف قبل ذكر معموله لم يجز إعماله، فإن قدَّرت الكاف نعتاً لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وضعَّفناه قبل، فيكون التقدير : صوماً كما كتب، جاز أن يعمل في : أياماً، الصيام، لأنه إذ ذاك العامل في صوماً، هو المصدر، فلا يقع الفصل بينهما، بما ليس لمعمول للمصدر، وأجازوا أيضاً انتصاب : أياماً، على الظرف، والعامل فيه كتب، وأن يكون مفعولاً على السعة ثانياً، والعامل فيه كتب، وإلى هذا ذهب الفراء، والحوفي، وكلا القولين خطأ.
أما النصب على الظرف فإنه محل للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلقها هو الواقع في الأيام، فلو قال الإنسان لوالده وكان ولد يوم الجمعة : سرني ولادتك يوم الجمعة، لم يكن أن يكون يوم الجمعة معمولاً لسرني، لأن، السرور يستحيل أن يكون يوم الجمعة، إذ ليس بمحل للسرور الذي أسنده إلى نفسه، وأما النصب على المفعول اتساعاً فإن ذلك مبني على جواز وقوعه ظرفاً لكتب، وقد بينا أن ذلك خطأ.
والصوم : نفل وواجب، والواجب معين الزمان، وهو : صوم رمضان والنذر المعين، وما هو في الذمة، وهو : قضاء رمضان، والنذر غير المعين، وصوم الكفارة.
وأجمعوا على اشتراط النية في الصوم، واختلفوا في زمانها.
فمذهب أبي حنيفة : أن رمضان، والنذر المعين، والنفل يصح بنية من الليل، وبنية إلى الزوال، وقضاء رمضان، وصوم الكفارة، ولا يصح إلاَّ بنية من الليل خاصة.
ومذهب مالك على المشهور : أن الفرض والنفل لا يصح إلاَّ بنية من الليل.
ومذهب الشافعي : أنه لا يصح واجب إلاَّ بنية من الليل.
ومذهب مالك : أن نية واحدة تكفي عن شهر رمضان.
وروي عن زفر أنه إذا كان صحيحاً مقيماً فأمسك فهو صائم، وإن لم ينو.
ومن صام رمضان بمطلق نية الصوم أو بنية واجب آخر، فقال أبو حنيفة : ما تعين زمانه يصح بمطلق النية، وقال مالك، والشافعي : لا يصح إلاَّ بنية الفرض، والمسافر إذا نوى واجباً آخر وقع عما نوى، وقال أبو يوسف، ومحمد : يقع عن رمضان، فلو نوى هو أو المريض التطوع فعن أبي حنيفة : يقع عن الفرض، وعنه أيضاً : يقع التطوع، وإذا صام المسافر بنية قبل الزوال جاز، قال زفر : لا يجوز النفل بنية بعد الزوال، وقال الشافعي : يجوز ولو أوجب صوم وقت معين فصام عن التطوع، فقال أبو يوسف : يقع على المنذور، ولو صام عن واجب آخر في وقت الصوم الذي أوجبه وقع عن ما نوى، ولو نوى التطوع وقضاء رمضان، فقال أبو يوسف : يقع عن القضاء، ومحمد قال : عن التطوع، ولو نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار كان على القضاء في قول أبي يوسف، وقال محمد : يقع على النفل، ولو نوى الصائم الفطر فصومه تام، وقال الشافعي : يبطل صومه.
ودلائل هذه المسائل تذكر في كتب الفقه.
﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ ظاهر اللفظ اعتبار مطلق المرض بحيث يصدق عليه الأسم، وإلى ذلك ذهب ابن سيرين، وعطاء، والبخاري.
وقال الجمهور : هو الذي يؤلم، ويؤذي، ويخاف تماديه، وتزيده ؛ وسمع من لفظ مالك : أنه المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به التلف إذا صام، وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه ؛ وقال الحسن، والنخعي : إذا لم يقدر من المرض على الصيام أفطر.
وقال الشافعي : لا يفطر إلاَّ من دعته ضرورة المرض إليه، ومتى احتمل الصوم مع المرض لم يفطر.
وقال أبو حنيفة : إن خاف أن تزداد عينه وجعاً أو حمى شديدة أفطر.
وظاهر اللفظ اعتبار مطلق السفر زماناً وقصداً.
وقد اختلفوا في المسافة التي تبيح الفطر، فقال ابن عمر، وابن عباس، والثوري وأبو حنيفة : ثلاثة أيام.
وروى البخاري أن ابن عمر، وابن عباس كانا يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وقد روي عن ابن أبي حنيفة : يومان وأكثر ثلاث، والمعتبر السير الوسط لا غيره من الإسراع والإبطاء.
وقال مالك : مسافة الفطر مسافة القصر، وهي يوم وليلة، ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلاً، وقال مرة : اثنان وأربعون، ومرة ستة وأربعون ؛ وفي المذهب : ثلاثون ميلاً، وفي غير المذهب ثلاثة أميال.
وأجمعوا على أن سفر الطاعة من جهاد وحج وصلة رحم وطلب معاش ضروري مبيح.
فأما سفر التجارة والمباح ففيه خلاف، وقال ابن عطية : والقول بالإجازة أظهر، وكذلك سفر المعاصي مختلف فيه أيضاً، والقول بالمنع أرجح.
انتهى كلامه.
واتفقوا على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر، قالوا : ولا خلاف أنه لا يجوز لمؤمل السفر أن يفطر قبل أن يخرج، فان أفطر فقال أشهب : لا يلزمه شيء سافر، أو لم يسافر.
وقال سحنون : عليه الكفارة سافر، أو لم يسافر، وقال عيسى، عن ابن القاسم : لا يلزمه إلاَّ قضاء يومه، وروي عن أنس أنه أفطر وقد أراد السفر، ولبس ثياب السفر، ورجل دابته، فأكل ثم ركب.
وقال الحسن يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج، وقال أحمد : إذا برز عن البيوت، وقال إسحاق : لا بل حتى يضع رجله في الرحل.
ومن أصبح صحيحاً ثم اعتل أفطر بقية يومه، ولو أصبح في الحضر ثم سافر فله أن يفطر، وهو قول ابن عمر، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وقيل : لا يفطر يومه ذلك، وإن نهض في سفره وهو قول الزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، وابن حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
واختلفوا إن أفطر، فكل هؤلاء قال : يقضي ولا يكفر.
وقال ابن كنانة : يقضي ويكفر، وحكاه الباجي عن الشافعي، وقال به ابن العربي واختاره، وقال أبو عمر بن عبد البر : ليس بشيء، لأن الله أباح له الفطر في الكتاب والسنة، ومن أوجب الكفارة فقد أوجب ما لم يوجبه الله.
وظاهر قوله :﴿أو على سفر﴾ إباحة الفطر للمسافر، ولو كان بيت نية الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر، ولا كفارة عليه، قاله الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي وسائر فقهاء الكوفة.
وقال مالك : عليه القضاء والكفارة، وروي عنه أيضاً أنه : لا كفارة عليه، وهو قول أكثر أصحابه.
وموضع ﴿أو على السفر﴾، نصب لأنه معطوف على خبر : كان، ومعنى : أو، هنا التنويع، وعدل عن اسم الفاعل وهو : أو مسافر إلى، أو على سفر، إشعاراً بالاستيلاء على السفر لما فيه من الاختيار للمسافر، بخلاف المرض، فإنه يأخذ الإنسان من غير اختيار، فهو قهري، بخلاف السفر ؛ فكان السفر مركوب الإنسان يستعلي عليه، ولذلك يقال : فلان على طريق، وراكب طريق إشعاراً بالاختيار، وأن الإنسان مستولٍ على السفر مختارٌ لركوب الطريق فيه.
﴿فعدة من أيام أخر﴾ قراءة الجمهور برفع عدة على أنه مبتدأ محذوف الخبر، وقدر : قبل، أي : فعليه عدة وبعد أي : أمثل له، أو خبر مبتدأ محذوف، أي : فالواجب، أو : فالحكم عدة.
وقرئ : فعدة، بالنصب على إضمار فعل، أي : فليصم عدة، وعدة هنا بمعنى معدود، كالرعي والطحن، وهو على حذف مضاف، أي : فصوم عدة ما أفطر، وبين الشرط وجوابه محذوف به يصح الكلام، التقدير : فافطر فعدة، ونظي