البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿الأهلة﴾ : جمع هلال، وهو مقيس في فعال المضعف، نحو : عنان وأعنة، وشذ فيه فعل قالوا : عنن في : عنان، وحجج في حجاج.
والهلال، ذكر صاحب ( كتاب شجر الدر ) في اللغة : أنه مشترك بين هلال السماء وحديدة كالهلال بيد الصائد يعرقب بها الحمار الوحشي، وذؤابة النعل، وقطعة من الغبار، وما أطاق من اللحم بظفر الأصبع، وقطعة من رحى، وسلخ الحية، ومقاولة الأجير على الشهور، والمباراة في رقة النسج، والمباراة في التهليل.
وجمع هلة وهي المفرجة، والثعبان، وبقية الماء في الحوض.
انتهى ما ذكره ملخصاً.
ويسمى الذي في السماء هلالاً لليلتين، وقيل : لثلاث.
وقال أبو الهيثم : لليلتين من أوله وليلتين من آخره.
وما بين ذلك يسمى قمراً.
وقال الأصمعي : يسمي هلال إلى أن يحجر، وتحجيره أن يستدير له كالخيط الرقيق، وقيل : يسمى بذلك إلى أن يبهر ضوءه سواد الليل، وذلك إنما يكون في سبع.
قالوا : وسمي هلالاً لارتفاع الأصوات عند رؤيته من قولهم : استهل الصبي، والإهلال بالحج، وهو رفع الصوت بالتلبية، أو من رفع الصوت بالتهليل عند رؤيته.
وقد يطلق الهلال على الشهر كما يطلق الشهر على الهلال، ويقال : أهل الهلال، واستهل وأهللنا واستهللناه، هذا قول عامة أهل اللغة.
وقال شمر : يقال استهل الهلال أيضاً يعني مبنياً للفاعل وهو الهلال، وشهر مستهل وأنشد :
وشهر مستهل بعد شهر***
وحول بعده حول جديد
ويقال أيضاً : استهل : بمعنى تبين، ولا يقال أهل، ويقال أهللنا عن ليلة كذا، وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره : يقال أهل الهلال واستهل، وأهللنا الهلال واستهللناه، انتهى.
وقد تقدّم لنا الكلام في مادة هلل، ولكن أعدنا ذلك بخصوصية لفظ الهلال بالأشياء التي ذكرناها هنا.
﴿مواقيت﴾ : جمع ميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم : الميقات منتهى الوقت، قال تعالى :﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾
﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي ﷺ عن الهلال، وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس، قاله ابن عباس، وقتادة، والربيع، وغيرهم.
وروي أن من سأل هو معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم الأنصاري، قالا : يا رسول الله.
ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ لا يكون على حالة واحدة ؟ فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وهو أن ما قبلها من الآيات نزلت في الصيام، وأن صيام رمضان مقرون برؤية الهلال، وكذلك الإفطار في شهر شوال، ولذلك قال ﷺ :« صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته »
وكان أيضاً قد تقدّم كلام في شيء من أعمال الحج، وهو : الطواف، والحج أحد الأركان التي بني الإسلام عليها.
وكان قد مضى الكلام في توحيد الله تعالى، وفي الصلاة، والزكاة، والصيام، فأتى بالكلام على الركن الخامس وهو : الحج، ليكون قد كملت الأركان التي بني الإسلام عليها.
وروي عن ابن عباس أنه قال : ما كان أمة أقل سؤالاً من أمة محمد ﷺ سألوا عن أربعة عشر حرفاً فأجيبوا منها في سورة البقرة أولها ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ والثاني : هذا، وستة بعدها، وفي غيرها :﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ ﴿ويسألونك عن الروح﴾ ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ ﴿ويسألونك عن الجبال﴾ ﴿ويسألونك عن الساعة﴾ قيل : اثنان من هذه الأسئلة في الأول في شرح في شرح المبدأ، واثنان في الآخر في شرح المعاد، ونظيره أنه افتتحت سورتان ب ﴿يا أيها الناس﴾ الأولى وهي الرابعة من السور في النصف الأول، تشتمل على شرح المبدأ، والثانية وهي الرابعة أيضاً من السور في النصف الآخر تشتمل على شرح المعاد.
والضمير في يسألونك ضمير جمع على أن السائلين جماعة، وإن كان من سأل اثنين، كما روي، فيحتمل أن يكون من نسبة الشيء إلى جمع وإن كان ما صدر إلاَّ من واحد منهم أو اثنين، وهذا كثير في كلامهم، قيل : أو لكون الإثنين جمعاً على سبيل الاتساع والمجاز.
والكاف : خطاب للنبي ﷺ، و : يسألونك، خبر، فإن كانت الآية نزلت قبل السؤال كان ذلك من الاخبار بالمغيب : وإن كانت نزلت بعد السؤال، وهو المنقول في أسباب النزول، فيكون ذلك حكاية عن حال مضت.
و : عن، متعلقة بقوله : يسألونك، يقال : سأل به وعنه، بمعنى واحد، ولا يراد بذلك السؤال عن ذات الأهلة، بل عن حكمة اختلاف أحوالها، وفائدة ذلك، ولذلك أجاب بقوله :﴿قل هي مواقيت للناس﴾ فلو كانت على حالة واحدة ما حصل التوقيت بها.
والهلال هو مفرد وجمع باختلاف أزمانه، قالوا : من حيث كونه هلالاً في شهر، غير كونه هلالاً في آخر.
وقرأ الجمهور : عن الأهلة، بكسر النون وإسكان لام الأهلة بعدها همزة، وورش على أصله من نقل حركة الهمزة وحذف الهمزة، وقرأ شاذاً بادغام نون : عن في لام الأهلة بعد النقل والحذف.
﴿قل هي﴾ أي : الأهلة ﴿مواقيت للناس﴾ هذه : الحكمة في زيادة القمر ونقصانه إذ هي كونها مواقيت في الآجال، والمعاملات، والإيمان، والعدد، والصوم، والفطر، ومدة الحمل والرضاع، والنذور المعلقة بالأوقات، وفضائل الصوم في الأيام التي لا تعرف إلاَّ بالأهلة.
وقد ذكر تعالى هذا المعنى في قوله :﴿وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ وفي قوله :﴿فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب﴾
وقال الراغب : الوقت الزمان المفروض للعمل، ومعنى : مواقيت للناس أي ما يتعلق بهم من أمور معاملاتهم ومصالحهم.
انتهى.
وقال الرماني : الوقت مقدار من الزمان محدّد في ذاته، والتوقيت تقدير حدّه، وكلما قدّرت له غاية فهو موقت، والميقات منتهى الوقت، والآخرة منتهى الخلق، والإهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام مواقيت الحج، لأنها مقادير ينتهي إليها، والميقات مقدار جعل علماً لما يقدّر من العمل.
انتهى كلامه.
وفي تغيير الهلال بالنقص والنماء ردّ على الفلاسفة في قولهم : إن الاحرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها، فأظهر تعالى الاختلاف في القمر ولم يظهره في الشمس ليعلم أن ذلك بقدرة منه تعالى.
والحج : معطوف على قوله : للناس، قالوا : التقدير ومواقيت للحج، فحذف الثاني اكتفاءً بالأوّل، والمعنى : لتعرفوا بها أشهر الحج ومواقيته.
ولما كان الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة، أفرد بالذكر، وكأنه تخصيص بعد تعمم، إذ قوله : مواقيت للناس، ليس المعنى مواقيت لذوات الناس، وإنما المعنى : مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت ديناً ودنيا.
فجاء قوله : والحج، بعد ذلك تخصيصاً بعد تعميم.
ففي الحقيقة ليس معطوفاً على الناس، بل على المضاف المحذوف الذي ناب الناس منابه في الإعراب.
ولما كانت تلك المقاصد يفضي تعدادها إلى الإطناب، اقتصر على قوله : مواقيت للناس.
وقال القفال : إفراد الحج بالذكر لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر لأشهر أخر، إنما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء.
انتهى كلامه.
وقرأ الجمهور : والحج، بفتح الحاء.
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق : والحِج بكسرها في جميع القرآن في قوله :﴿حِج البيت﴾ فقيل بالفتح المصدر وبالكسر الاسم.
وقال سيبويه : الحَج، كالردّ والسدّ، والحِج، كالذِكر، فهما مصدران.
والظاهر من قوله : مواقيت للناس والحِج، ما ذهب إليه أبو حنيفة، ومالك من جواز الإحرام بالحج في جميع السنة لعموم الأهلة، خلافاً لمن قال : لا يصح إلاَّ في أشهر الحج.
قيل : وفيها دليل على أن من وجب عليها عدتان من رجل واحد اكتفت بمضي عدة واحدة للعدتين، ولا تستأنف لكل واحدة منهما حيضاً، ولا شهوراً، لعموم قوله : مواقيت للناس.
ودليل على أن العدة إذا كان ابتداؤها بالهلال، وكانت بالشهور، وجب استيفاؤها بالأهلة لا بعدد الأيام، ودليل على أن من آلى من امرأته من أول الشهر إلى أن مضى الأربعة الأشهر معتبر في اتباع الطلاق بالأهلة دون اعتبار الثلاثين، وكذلك فعل النبي ﷺ حين آلى من نسائه شهراً، وكذلك الإجارات، والأيمان، والديون، متى كان ابتداؤها بالهلال كان جميعها كذلك، وسقط اعتبار العدد، وبذلك حكم النبي ﷺ في الصوم، وفيها ردّ على أهل الظاهر.
ومن قال بقولهم : إن المساقات تجوز على الأجل المجهول سنين غير معلومة، ودليل على من أجاز البيع إلى الحصاد أو الدراس أو للغطاس وشبهه وهو : مالك، وأبو ثور، وأحمد ؛ وكذلك إلى قدوم الغزاة وروي عن ابن عباس منعه، وبه قال الشافعي، ودليل على عدم اعتبار وصف الهلال بالكبر أو الصغر لأنه يقال : ما فصل، فسواء رئي كبيراً أو صغيراً، فإنه لليلة التي رئي فيها.
﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى﴾.
قال البراء بن عازب، والزهري، وقتادة، سبب نزولها أن الأنصار كانوا إذا حجوا واعتمروا يلتزمون شرعاً أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدران، وقيل : كانوا في الجاهلية وفي بدء الإسلام إذا أحرم أحدهم بحج أو عمرة لم يأت حائطاً، ولا بيتاً، ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدينة نقب في ظهر بيته نقباً بدخل منه ويخرج، أو ينصب سلماً، يصعد منه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل إحرامه، ويرون ذلك براً إلاَّ أن يكون ذلك من الحمس، وهم : قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو نصر بن معاوية.
فدخل النبي ﷺ ومعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال : إني أحمس، فقال النبي ﷺ :«وأنا أحمس ».
فنزلت.
ذكر هذا مختصراً السدي.
وروى الربيع " أن النبي ﷺ دخل وخلفه رجل من الأنصار، فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي ﷺ :«لم دخلت وأنت قد أحرمت » ؟ قال : دخلت أنت فدخلت بدخولك.
فقال له النبي ﷺ :«إني أحمس، إني من قوم لا يدينون بذلك ».
فقال الرجل : وأنا ديني دينك " فنزلت.
وقال إبراهيم : كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز، وقيل : كان الخارج لحاجة لا يعود من بابه مخافة التطير بالخيبة، ويبقى كذلك حولاً كاملاً.
وملخص هذه الأسباب أن الله تعالى أنزل هذه الآية راداً على من جعل إتيان البيوت من ظهورها براً، آمراً بإتيان البيوت من أبوابها، وهذه أسباب تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز مع مخالفة ما تضافرت من هذه الآسباب.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أن الأهلة مواقيت للحج استطرد إلى ذكر شيء كانوا يفعلونه في الحج زاعمين أنه من البر، فبين لهم أن ذلك ليس من البر، وإنما جرت العادة به قبل الحج أ
والهلال، ذكر صاحب ( كتاب شجر الدر ) في اللغة : أنه مشترك بين هلال السماء وحديدة كالهلال بيد الصائد يعرقب بها الحمار الوحشي، وذؤابة النعل، وقطعة من الغبار، وما أطاق من اللحم بظفر الأصبع، وقطعة من رحى، وسلخ الحية، ومقاولة الأجير على الشهور، والمباراة في رقة النسج، والمباراة في التهليل.
وجمع هلة وهي المفرجة، والثعبان، وبقية الماء في الحوض.
انتهى ما ذكره ملخصاً.
ويسمى الذي في السماء هلالاً لليلتين، وقيل : لثلاث.
وقال أبو الهيثم : لليلتين من أوله وليلتين من آخره.
وما بين ذلك يسمى قمراً.
وقال الأصمعي : يسمي هلال إلى أن يحجر، وتحجيره أن يستدير له كالخيط الرقيق، وقيل : يسمى بذلك إلى أن يبهر ضوءه سواد الليل، وذلك إنما يكون في سبع.
قالوا : وسمي هلالاً لارتفاع الأصوات عند رؤيته من قولهم : استهل الصبي، والإهلال بالحج، وهو رفع الصوت بالتلبية، أو من رفع الصوت بالتهليل عند رؤيته.
وقد يطلق الهلال على الشهر كما يطلق الشهر على الهلال، ويقال : أهل الهلال، واستهل وأهللنا واستهللناه، هذا قول عامة أهل اللغة.
وقال شمر : يقال استهل الهلال أيضاً يعني مبنياً للفاعل وهو الهلال، وشهر مستهل وأنشد :
وشهر مستهل بعد شهر***
وحول بعده حول جديد
ويقال أيضاً : استهل : بمعنى تبين، ولا يقال أهل، ويقال أهللنا عن ليلة كذا، وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره : يقال أهل الهلال واستهل، وأهللنا الهلال واستهللناه، انتهى.
وقد تقدّم لنا الكلام في مادة هلل، ولكن أعدنا ذلك بخصوصية لفظ الهلال بالأشياء التي ذكرناها هنا.
﴿مواقيت﴾ : جمع ميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم : الميقات منتهى الوقت، قال تعالى :﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾
﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي ﷺ عن الهلال، وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس، قاله ابن عباس، وقتادة، والربيع، وغيرهم.
وروي أن من سأل هو معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم الأنصاري، قالا : يا رسول الله.
ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ لا يكون على حالة واحدة ؟ فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وهو أن ما قبلها من الآيات نزلت في الصيام، وأن صيام رمضان مقرون برؤية الهلال، وكذلك الإفطار في شهر شوال، ولذلك قال ﷺ :« صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته »
وكان أيضاً قد تقدّم كلام في شيء من أعمال الحج، وهو : الطواف، والحج أحد الأركان التي بني الإسلام عليها.
وكان قد مضى الكلام في توحيد الله تعالى، وفي الصلاة، والزكاة، والصيام، فأتى بالكلام على الركن الخامس وهو : الحج، ليكون قد كملت الأركان التي بني الإسلام عليها.
وروي عن ابن عباس أنه قال : ما كان أمة أقل سؤالاً من أمة محمد ﷺ سألوا عن أربعة عشر حرفاً فأجيبوا منها في سورة البقرة أولها ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ والثاني : هذا، وستة بعدها، وفي غيرها :﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ ﴿ويسألونك عن الروح﴾ ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ ﴿ويسألونك عن الجبال﴾ ﴿ويسألونك عن الساعة﴾ قيل : اثنان من هذه الأسئلة في الأول في شرح في شرح المبدأ، واثنان في الآخر في شرح المعاد، ونظيره أنه افتتحت سورتان ب ﴿يا أيها الناس﴾ الأولى وهي الرابعة من السور في النصف الأول، تشتمل على شرح المبدأ، والثانية وهي الرابعة أيضاً من السور في النصف الآخر تشتمل على شرح المعاد.
والضمير في يسألونك ضمير جمع على أن السائلين جماعة، وإن كان من سأل اثنين، كما روي، فيحتمل أن يكون من نسبة الشيء إلى جمع وإن كان ما صدر إلاَّ من واحد منهم أو اثنين، وهذا كثير في كلامهم، قيل : أو لكون الإثنين جمعاً على سبيل الاتساع والمجاز.
والكاف : خطاب للنبي ﷺ، و : يسألونك، خبر، فإن كانت الآية نزلت قبل السؤال كان ذلك من الاخبار بالمغيب : وإن كانت نزلت بعد السؤال، وهو المنقول في أسباب النزول، فيكون ذلك حكاية عن حال مضت.
و : عن، متعلقة بقوله : يسألونك، يقال : سأل به وعنه، بمعنى واحد، ولا يراد بذلك السؤال عن ذات الأهلة، بل عن حكمة اختلاف أحوالها، وفائدة ذلك، ولذلك أجاب بقوله :﴿قل هي مواقيت للناس﴾ فلو كانت على حالة واحدة ما حصل التوقيت بها.
والهلال هو مفرد وجمع باختلاف أزمانه، قالوا : من حيث كونه هلالاً في شهر، غير كونه هلالاً في آخر.
وقرأ الجمهور : عن الأهلة، بكسر النون وإسكان لام الأهلة بعدها همزة، وورش على أصله من نقل حركة الهمزة وحذف الهمزة، وقرأ شاذاً بادغام نون : عن في لام الأهلة بعد النقل والحذف.
﴿قل هي﴾ أي : الأهلة ﴿مواقيت للناس﴾ هذه : الحكمة في زيادة القمر ونقصانه إذ هي كونها مواقيت في الآجال، والمعاملات، والإيمان، والعدد، والصوم، والفطر، ومدة الحمل والرضاع، والنذور المعلقة بالأوقات، وفضائل الصوم في الأيام التي لا تعرف إلاَّ بالأهلة.
وقد ذكر تعالى هذا المعنى في قوله :﴿وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ وفي قوله :﴿فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب﴾
وقال الراغب : الوقت الزمان المفروض للعمل، ومعنى : مواقيت للناس أي ما يتعلق بهم من أمور معاملاتهم ومصالحهم.
انتهى.
وقال الرماني : الوقت مقدار من الزمان محدّد في ذاته، والتوقيت تقدير حدّه، وكلما قدّرت له غاية فهو موقت، والميقات منتهى الوقت، والآخرة منتهى الخلق، والإهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام مواقيت الحج، لأنها مقادير ينتهي إليها، والميقات مقدار جعل علماً لما يقدّر من العمل.
انتهى كلامه.
وفي تغيير الهلال بالنقص والنماء ردّ على الفلاسفة في قولهم : إن الاحرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها، فأظهر تعالى الاختلاف في القمر ولم يظهره في الشمس ليعلم أن ذلك بقدرة منه تعالى.
والحج : معطوف على قوله : للناس، قالوا : التقدير ومواقيت للحج، فحذف الثاني اكتفاءً بالأوّل، والمعنى : لتعرفوا بها أشهر الحج ومواقيته.
ولما كان الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة، أفرد بالذكر، وكأنه تخصيص بعد تعمم، إذ قوله : مواقيت للناس، ليس المعنى مواقيت لذوات الناس، وإنما المعنى : مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت ديناً ودنيا.
فجاء قوله : والحج، بعد ذلك تخصيصاً بعد تعميم.
ففي الحقيقة ليس معطوفاً على الناس، بل على المضاف المحذوف الذي ناب الناس منابه في الإعراب.
ولما كانت تلك المقاصد يفضي تعدادها إلى الإطناب، اقتصر على قوله : مواقيت للناس.
وقال القفال : إفراد الحج بالذكر لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر لأشهر أخر، إنما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء.
انتهى كلامه.
وقرأ الجمهور : والحج، بفتح الحاء.
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق : والحِج بكسرها في جميع القرآن في قوله :﴿حِج البيت﴾ فقيل بالفتح المصدر وبالكسر الاسم.
وقال سيبويه : الحَج، كالردّ والسدّ، والحِج، كالذِكر، فهما مصدران.
والظاهر من قوله : مواقيت للناس والحِج، ما ذهب إليه أبو حنيفة، ومالك من جواز الإحرام بالحج في جميع السنة لعموم الأهلة، خلافاً لمن قال : لا يصح إلاَّ في أشهر الحج.
قيل : وفيها دليل على أن من وجب عليها عدتان من رجل واحد اكتفت بمضي عدة واحدة للعدتين، ولا تستأنف لكل واحدة منهما حيضاً، ولا شهوراً، لعموم قوله : مواقيت للناس.
ودليل على أن العدة إذا كان ابتداؤها بالهلال، وكانت بالشهور، وجب استيفاؤها بالأهلة لا بعدد الأيام، ودليل على أن من آلى من امرأته من أول الشهر إلى أن مضى الأربعة الأشهر معتبر في اتباع الطلاق بالأهلة دون اعتبار الثلاثين، وكذلك فعل النبي ﷺ حين آلى من نسائه شهراً، وكذلك الإجارات، والأيمان، والديون، متى كان ابتداؤها بالهلال كان جميعها كذلك، وسقط اعتبار العدد، وبذلك حكم النبي ﷺ في الصوم، وفيها ردّ على أهل الظاهر.
ومن قال بقولهم : إن المساقات تجوز على الأجل المجهول سنين غير معلومة، ودليل على من أجاز البيع إلى الحصاد أو الدراس أو للغطاس وشبهه وهو : مالك، وأبو ثور، وأحمد ؛ وكذلك إلى قدوم الغزاة وروي عن ابن عباس منعه، وبه قال الشافعي، ودليل على عدم اعتبار وصف الهلال بالكبر أو الصغر لأنه يقال : ما فصل، فسواء رئي كبيراً أو صغيراً، فإنه لليلة التي رئي فيها.
﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى﴾.
قال البراء بن عازب، والزهري، وقتادة، سبب نزولها أن الأنصار كانوا إذا حجوا واعتمروا يلتزمون شرعاً أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدران، وقيل : كانوا في الجاهلية وفي بدء الإسلام إذا أحرم أحدهم بحج أو عمرة لم يأت حائطاً، ولا بيتاً، ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدينة نقب في ظهر بيته نقباً بدخل منه ويخرج، أو ينصب سلماً، يصعد منه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل إحرامه، ويرون ذلك براً إلاَّ أن يكون ذلك من الحمس، وهم : قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو نصر بن معاوية.
فدخل النبي ﷺ ومعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال : إني أحمس، فقال النبي ﷺ :«وأنا أحمس ».
فنزلت.
ذكر هذا مختصراً السدي.
وروى الربيع " أن النبي ﷺ دخل وخلفه رجل من الأنصار، فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي ﷺ :«لم دخلت وأنت قد أحرمت » ؟ قال : دخلت أنت فدخلت بدخولك.
فقال له النبي ﷺ :«إني أحمس، إني من قوم لا يدينون بذلك ».
فقال الرجل : وأنا ديني دينك " فنزلت.
وقال إبراهيم : كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز، وقيل : كان الخارج لحاجة لا يعود من بابه مخافة التطير بالخيبة، ويبقى كذلك حولاً كاملاً.
وملخص هذه الأسباب أن الله تعالى أنزل هذه الآية راداً على من جعل إتيان البيوت من ظهورها براً، آمراً بإتيان البيوت من أبوابها، وهذه أسباب تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز مع مخالفة ما تضافرت من هذه الآسباب.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أن الأهلة مواقيت للحج استطرد إلى ذكر شيء كانوا يفعلونه في الحج زاعمين أنه من البر، فبين لهم أن ذلك ليس من البر، وإنما جرت العادة به قبل الحج أ