أحكام القرآن — الجصاص

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ يوجب فَرْضَ قِتال الكفار حتى يتركوا الكفر ؛ قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس :" الفتنة هاهُنا الشرك ". وقيل : إنما سُمّي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك ؛ كما تؤدي إليه الفتنة. وقيل : إن الفتنة هي الاختبار، والكفر عند الاختبار إظهار الفساد، وأما الدِّين فهو الانقياد لله بالطاعة، وأصله في اللغة ينقسم إلى معنيين، أحدهما : الانقياد، كقول الأعشى :
* هُوَ دَانَ الرَّبَابَ إذْ كرّ هو الدِّي * نُ دِرَاكاً بَغزْوَةٍ وصِيَالٍ *
* ثمّ دَانَتْ بَعْدَ الرّبابِ وكَانَتْ * كَعذَابِ عُقُوبَةِ الأقوالِ *
والآخر : العادة، من قول الشاعر :
* تَقُولُ وقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِيني * أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِيني *
والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له على وجه المداومة والعادة، وهذه الآية خاصة في المشركين دون أهل الكتاب، لأن ابتداء الخطاب جَرَى بذكرهم في قوله عز وجل :﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ وذلك صفة مشركي أهل مكة الذين أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلم يدخل أهل الكتاب في هذا الحكم ؛ وهذا يدلّ على أن مشركي العرب لا يُقْبل منهم إلا الإسلام أو السيف، لقوله :﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ يعني كفراً ﴿ويكون الدين لله﴾ ودِينُ الله هو الإسلام، لقوله :﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩].
وقوله :﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ المعنى : فلا قَتْلَ إلاّ على الظالمين. يعني والله أعلم : القتل المبدوء بذكره في قوله ﴿وقاتلوهم﴾ وسمَّى القتل الذي يستحقونه بكفرهم عدواناً ؛ لأنه جزاء الظلم فسُمِّي باسمه، كقوله تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [ الشورة : ٤٠ ] وقوله :﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ وإن لم يكن الجزاء اعتداء ولا سيِّئة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى