البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ ضمير المفعول عائد على من قاتله وهم كفار مكة، والفتنة هنا الشرك وما تابعه من أذى المسلمين، أُمروا بقتالهم حتى لا يعبد غير الله، ولا يُسَنُّ بهم سنة أهل الكتاب في قبول الجزية، قاله ابن عباس، وقتادة، والربيع، والسدي.
أعني : أن الفتنة هنا والشرك وما تابعه من الأذى، وقيل : الضمير لجميع الكفار أمروا بقتالهم وقتلهم في كل مكان، فالآية عامة تتناول كل كافر من مشرك وغيره، ويخص منهم بالجزية من دل الدليل عليه، وقد تقدّم قول من قال : إنها ناسخة، لقوله : ولا تقاتلوهم.
قال في ( المنتخب ) : و الصحيح أنه ليس كذلك، بل هذه الصيغة عامة وما قبله خاص، وهو :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ ومذهب الشافعي تخصيص العام سواء تقدّم على المخصص أم تأخر عنه.
وقال أو مسلم : الفتنة هنا : القتال في الحرم، قال : أمرهم الله بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون من أنواع المضار.
و : حتى، هنا للغاية، أو للتعليل، وإذا فسرت الفتنة بالكفر، والكفر لا يلزم زواله بالقتال، فكيف غي الأمر بالقتال بزواله ؟.
والجواب : أن ذلك على حكم الغالب، والواقع، وذلك أن من قتل فلقد انقطع كفره وزال، ومن عاش خاف من الثبات على كفره، فأسلم، أو يكون المعنى : وقاتلوهم قصداً منكم إلى زوال الكفر، لأن الواجب في قتال الكفار أن يكون القصد زوال الكفر، ولذلك إذا ظن أنه يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه.
﴿ويكون الدين لله﴾ الدين هنا : الطاعة، أي : يكون الانقياد خالصاً لله، وقيل : الدين هنا السجود والخضوع لله وحده، فلا يسجد لغيره، وغي هنا الأمر بالقتال بشيئين : أحدهما : انتفاء الفتنة، والثاني : ثبوت الدين لله، وهو عطف مثبت على منفي، وهما في معنى واحدة ومتلازمان، لأنه إذا انتفى الشرك بالله كان تعالى هو المعبود المطاع، وعلى تفسير أبي مسلم في الفتنة يكون قد غي بأمرين مختلفين : أحدهما : انتفاء القتال في الحرم، والثاني : خلوص الدين لله تعالى.
قيل وجاء في الأنفال :﴿ويكون الدين كله الله﴾ ولم يجىء هنا : كله، لأن آية الأنفال في الكفار عموماً، وهنا في مشركي مكة، فناسب هناك التعميم، ولم يحتج هنا إليه.
قيل : وهذا لا يتوجه إلاَّ على قول من جعل الضمير في : وقاتلوهم، عائداً على أهل مكة على أحد القولين، وراجع رجل ابن عمر في الخروج في فتنة ابن الزبير مستدلاً عليه بقوله :
﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ فعارضه بقوله :﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً﴾ فقال : ألم يقل :﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ ؟ فأجابه ابن عمر بأنا فعلنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ، إذ كان الإسلام قليلاً، وكان الرجل يفتن عن دينه بقتله أو تعذيبه، وكثر الإسلام فلم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تقاتلون حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
﴿فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾.
متعلق الانتهاء محذوف، التقدير : عن الشرك بالدخول في الاسلام، أو عن القتال.
وأذعنوا إلى أداء الجزية فيمن يشرع ذلك فيهم، أو : عن الشرك وتعذيب المسلمين وفتنتهم ليرجعوا عن دينهم، وذلك على الاختلاف في الضمير، إذ هو عام في الكفار، أو خاص بكفار مكة.
والعدوان مصدر عدا، بمعنى : اعتدى، وهو نفي عام، أي : لا يؤخذ فرد فرد من أنواعه البتة إلاَّ على من ظلم، ويراد بالعدوان الذي هو الظلم الجزاء.
سماه عدواناً من حيث هو جزاء عدوان، والعقوبة تسمى باسم الذنب، وذلك على المقابلة، كقوله :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل﴾ ﴿ومكروا ومكر الله﴾ وقال الشاعر :
جزينا ذوي العدوان بالأمس فرضهم***
قصاصاً سواء حذوك النعل بالنعل
وقال الرماني، إنما استعمل لفظ العدوان في الجزاء من غير مزاوجة اللفظ، لأن مزاوجة اللفظ مزاوجة المعنى، كأنه يقول : انتهوا عن العدوان فلا عدوان إلاَّ على الظالمين انتهى كلامه.
وهذا النفي العام يراد به النهي، أي : فلا تعتدوا، وذلك على سبيل المبالغة إذا أرادوا المبالغة في ترك الشيء عدلوا فيه عن النهي إلى النفي المحض العام، وصار ألزم في المنع، إذ صار من الأشياء التي لا تقع أصلاً، ولا يصح حمل ذلك على النفي الصحيح أصلاً لوجود العدوان على غير الظالم.
فكأنه يكون إخباراً غير مطابق، وهو لا يجوز على الله تعالى.
وفسر الظالمون هنا بمن بدأ بالقتال، وقيل : من بقي على كفر وفتنة، قال عكرمة، وقتادة : الظالم هنا من أبى أن يقول لا إله إلاَّ الله.
وقال الأخفش المعنى : فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلاَّ على من لم ينته، وهو الظالم.
قال الزمخشري : فلا تعتدوا على المنتهين لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله : إلاَّ على الظالمين، موضع : على المنتهين انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله لا يصح إلاَّ على تفسير المعنى، وأما على تفسير الإعراب فلا يصح، لأن : على المنتهين، ليس مرادفاً لقوله : إلاَّ على الظالمين، لأن نفي العدوان عن المنتهين لا يدل على إثباته على الظالمين إلاَّ بالمفهوم مفهوم الصفة.
وفي التركيب القرآني يدل على إثباته على الظالمين بالمنطوق المحصور بالنفي، وإلاَّ وفرق بين الدلالتين، ويظهر من كلامه أنه أراد تفسير الإعراب.
ألا ترى قوله : فوضع قوله : إلاَّ على الظالمين، موضع : على المنتهين ؟ وهذا الوضع إنما يكون في تفسير الإعراب، وليس كذلك لما بيناه من الفرق بين الدلالتين، ألا ترى فرق ما بين قولك : ما أكرم الجاهل وما أكرم إلاَّ العالم ؟ وإلاَّ على الظالمين، استثناء مفرغ من الاخبار على الظالمين في موضع رفع على أنه خبر لا، على مذهب الأخفش، أو على أنه خبر للمبتدأ الذي هو مجموع، لا عدوان، على مذهب سيبويه.
وقد تقدّم التنبيه على ذلك، وجاء : بعلى، تنبيها على استيلاء الجزاء عليهم واستعلائه.
وقيل : معنى لا عدوان، لا سبيل، كقوله :﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ﴾ أي لا سبيل عليّ، وهو مجاز عن التسليط والتعرض، وهو راجع لمعنى جزاء الظالم الذي شرحنا به العدوان.
ورابط الجزاء بالشرط إما بتقدير حذف أي : إلاَّ على الظالمين منهم، أو بالاندراج في عموم الظالمين، فكان الربط بالعموم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنهم يسألون رسول الله ﷺ عن حال الأهلة، وفائدتها في تنقلها من الصغر إلى الكبر، وكان من الإخبار بالمغيب، فوقع السؤال عن ذلك، وأجيبوا بأن حكمة ذلك كونها جعلت مواقيت لمصالح العباد ومعاملاتهم ودياناتهم، ومن أعظم فائدتها كونها مواقيت للحج، ثم ذكر شيئاً مما كان يفعله من أحرم بالحج، وكانوا يرون ذلك براً، فرد عليهم فيه، وأمروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها، وأخبروا أن البر هو في تقوى الله، ثم أمروا بالتقوى راجين للفلاح عند حصولها.
ثم أمروا بالقتال في نصرة الدين من قاتلهم، ونهوا عن الاعتداء، وأخبر أن الله تعالى لا يحب من اعتدى.
ثم أمروا بقتل من ظفروا به، وبإخراج من أخرجهم من المكان الذي أخرجوه منه، ثم أخبر أن الفتنة في الدين أو بالإخراج من الوطن، أو بالتعذيب أشد من القتل، لأن في القتل راحة من هذا كله، ثم لما تضمن الأمر بالإخراج أن يخرجوا من المكان الذي أخرجوا منه، وكان ذلك من جملته المسجد الحرام نهوا عن مقاتلتهم فيه إلاَّ إن قاتلوكم، وذلك لحرمة المسجد الحرام جاهلية واسلاماً، ثم أمر تعالى بقتلهم إذا ناشبوا القتال، وكان فيه بشارة بأنا نقتلهم، إذ أمرنا بقتلهم لا بقتالهم، ولا يقتل الإنسان إلاَّ من كان متمكناً من قتله، ثم ذكر أن من كفر بالله فمثل هذا الجزاء جزاؤه من مقاتلته وإخراجه من وطنه وقتله.
ثم أخبر تعالى أنه غفور رحيم لمن انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله
ولما كان الأمر بالقتال، فيما سبق، مقيداً مرة بمن قاتل، ومرة بمكان حتى يبدأ بالقتال فيه، أمرهم بالقتال على كل حال من قاتل ومن لم يقاتل، وعند المسجد الحرام وغيره، فنسخ هذا الأمر تلك القيود، وصار مغياً أو معللاً بانتفاء الفتنة وخلوص الدين لله.
وختم هذا الأمر بأن من انتهى ودخل في الإسلام فلا اعتداء عليه، وإنما الاعتداء على الظالمين، وهم الكافرون، كما ختم الأمر السابق بأن من انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام غفر الله له ورحمه.
ثم أخبر تعالى أن هتك حرمة الشهر الحرام بسبب القتال فيه، وهو شهر ذي القعدة، وكانوا يكرهون القتال فيه حين خرجوا لعمرة القضاء جائز لكم بسبب هتكهم حرمته فيه حين قاتلوكم فيه عام الحديبية، وصدوكم عن البيت، ثم أكد ذلك بقوله :﴿والحرمات قصاص﴾ فاقتضى أن كل من هتك أي حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة، فكما هتكوا حرمة شهركم لا تبالوا بهتك حرمته لهم، ثم أمر بالمجازاة لمن اعتدى علينا بعقوبة مثل عقوبته، تأكيد لما سبق، وأمر بالتقوى، فلا يوقع في المجازاة غير ما سوَّغه له، ثم قال إنه تعالى مع من اتقى، ومن كان الله معه فهو المنصور على عدوه.
ثم أمر تعالى بإنفاق المال في سبيله ونصرة دينه، وأن لا يخلد إلى الدعة والرغبة في إصلاح هذه الدنيا والإخلاد إليها، ونهانا عن الالتباس بالدعة والهوينا فنضعف عن أعدائنا، ويقوون هم علينا، فيؤول أمرنا معهم لضعفنا وقوتهم إلى هلاكنا، وفي هذا الأمر وهذا النهي من الحض على الجهاد ما لا يخفى، ثم أمرهم تعالى بالإحسان، وأنه تعالى يحب من أحسن.
ثم أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة بأن يأتوا بهما تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، وأن يكون فعل ذلك لوجه الله تعالى لا يشوب فعلها رياء ولا سمعة، وكانوا في الجاهلية قد يحجون لبعض أصنامهم، فأمروا بإخلاص العمل في ذلك لله تعالى.
ثم ذكر أن من أحصر وحبس عن إتمام الحج أو العمرة فيجب عليه ما يسر من الهدي، والهدي يشمل : البعير، والبقرة، والشاة، ثم نهى عن حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محله، والذي جرت العادة به في الهدي أنه محله هو الحرم، فخوطبوا بما كان سابقاً لهم علمه به، ولما غيا الحلق بوقوع هذه الغاية من بلوغ الهدي محله، وكان قد يعرض للإنسان ما يقتضي حلق رأسه لمرض أو أذى برأسه من قمل أو قرح أو غير ذلك، فأوجب تعالى عليه بسبب ذلك فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
وبين رسول الله ﷺ ما انبهم من هذا الإطلاق في هذه الثلاثة في حديث كعب بن عجرة على ما مر تفسيره، واقتضى هذا التركيب التخيير بين هذه الثلاثة، ثم ذكر تعالى أنهم إذا كانوا آمنين، وتمتع أحدهم بالعمرة إلى وقت الإحرام بالحج فإنه يلزمه ما استيسر من الهدي، وقد فسرنا ما استيسر من الهدي، وأنه إذا لم يجد ذلك بتعذر ثمن الهدي، أو فقدان الهدي، فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج، أي : في زمن وقوع الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله ووطنه.
ثم أخبر أن هذه الأيام، وإن اختلف زمان صيامها، فمنها ما يصومه وهو ملتبس بهذه الطاعة الشريفة، ومنها ما يصومه غير ملتبس بها، لكن الجميع كامل في الثواب والأجر، إذ هو ممثل ما أمر الله تعالى به، فلا فرق في الثواب بين ما أمر بإيقاعه في الحج، وما أمر بإيقاعه في غير الحج.
ثم ذكر أن هذا التمتع، ولازمه من الهدي أو الصوم، هو مشروع لغير المكي، ثم لما تقدّم منه تعالى في هذه الآيات أوامر ونواهي، كرر الأمر بالتقوى، وأعلم أنه تعالى شديد العقاب لمن خالف ما شرع تعالى.
وجاءت هذه الآية شديدة الالتئام، مستحكمة النظام، منسوقاً بعضها على بعض، ولا كنسق اللآلىء مشرقة الدلالة ولا كإشراق الشمس في برجها العالي.
سامية في الفصاحة إلى أعالي الذرى، معجزة أن يأتى بمثلها أحد من الورى.
أعني : أن الفتنة هنا والشرك وما تابعه من الأذى، وقيل : الضمير لجميع الكفار أمروا بقتالهم وقتلهم في كل مكان، فالآية عامة تتناول كل كافر من مشرك وغيره، ويخص منهم بالجزية من دل الدليل عليه، وقد تقدّم قول من قال : إنها ناسخة، لقوله : ولا تقاتلوهم.
قال في ( المنتخب ) : و الصحيح أنه ليس كذلك، بل هذه الصيغة عامة وما قبله خاص، وهو :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ ومذهب الشافعي تخصيص العام سواء تقدّم على المخصص أم تأخر عنه.
وقال أو مسلم : الفتنة هنا : القتال في الحرم، قال : أمرهم الله بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون من أنواع المضار.
و : حتى، هنا للغاية، أو للتعليل، وإذا فسرت الفتنة بالكفر، والكفر لا يلزم زواله بالقتال، فكيف غي الأمر بالقتال بزواله ؟.
والجواب : أن ذلك على حكم الغالب، والواقع، وذلك أن من قتل فلقد انقطع كفره وزال، ومن عاش خاف من الثبات على كفره، فأسلم، أو يكون المعنى : وقاتلوهم قصداً منكم إلى زوال الكفر، لأن الواجب في قتال الكفار أن يكون القصد زوال الكفر، ولذلك إذا ظن أنه يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه.
﴿ويكون الدين لله﴾ الدين هنا : الطاعة، أي : يكون الانقياد خالصاً لله، وقيل : الدين هنا السجود والخضوع لله وحده، فلا يسجد لغيره، وغي هنا الأمر بالقتال بشيئين : أحدهما : انتفاء الفتنة، والثاني : ثبوت الدين لله، وهو عطف مثبت على منفي، وهما في معنى واحدة ومتلازمان، لأنه إذا انتفى الشرك بالله كان تعالى هو المعبود المطاع، وعلى تفسير أبي مسلم في الفتنة يكون قد غي بأمرين مختلفين : أحدهما : انتفاء القتال في الحرم، والثاني : خلوص الدين لله تعالى.
قيل وجاء في الأنفال :﴿ويكون الدين كله الله﴾ ولم يجىء هنا : كله، لأن آية الأنفال في الكفار عموماً، وهنا في مشركي مكة، فناسب هناك التعميم، ولم يحتج هنا إليه.
قيل : وهذا لا يتوجه إلاَّ على قول من جعل الضمير في : وقاتلوهم، عائداً على أهل مكة على أحد القولين، وراجع رجل ابن عمر في الخروج في فتنة ابن الزبير مستدلاً عليه بقوله :
﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ فعارضه بقوله :﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً﴾ فقال : ألم يقل :﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ ؟ فأجابه ابن عمر بأنا فعلنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ، إذ كان الإسلام قليلاً، وكان الرجل يفتن عن دينه بقتله أو تعذيبه، وكثر الإسلام فلم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تقاتلون حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
﴿فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾.
متعلق الانتهاء محذوف، التقدير : عن الشرك بالدخول في الاسلام، أو عن القتال.
وأذعنوا إلى أداء الجزية فيمن يشرع ذلك فيهم، أو : عن الشرك وتعذيب المسلمين وفتنتهم ليرجعوا عن دينهم، وذلك على الاختلاف في الضمير، إذ هو عام في الكفار، أو خاص بكفار مكة.
والعدوان مصدر عدا، بمعنى : اعتدى، وهو نفي عام، أي : لا يؤخذ فرد فرد من أنواعه البتة إلاَّ على من ظلم، ويراد بالعدوان الذي هو الظلم الجزاء.
سماه عدواناً من حيث هو جزاء عدوان، والعقوبة تسمى باسم الذنب، وذلك على المقابلة، كقوله :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل﴾ ﴿ومكروا ومكر الله﴾ وقال الشاعر :
جزينا ذوي العدوان بالأمس فرضهم***
قصاصاً سواء حذوك النعل بالنعل
وقال الرماني، إنما استعمل لفظ العدوان في الجزاء من غير مزاوجة اللفظ، لأن مزاوجة اللفظ مزاوجة المعنى، كأنه يقول : انتهوا عن العدوان فلا عدوان إلاَّ على الظالمين انتهى كلامه.
وهذا النفي العام يراد به النهي، أي : فلا تعتدوا، وذلك على سبيل المبالغة إذا أرادوا المبالغة في ترك الشيء عدلوا فيه عن النهي إلى النفي المحض العام، وصار ألزم في المنع، إذ صار من الأشياء التي لا تقع أصلاً، ولا يصح حمل ذلك على النفي الصحيح أصلاً لوجود العدوان على غير الظالم.
فكأنه يكون إخباراً غير مطابق، وهو لا يجوز على الله تعالى.
وفسر الظالمون هنا بمن بدأ بالقتال، وقيل : من بقي على كفر وفتنة، قال عكرمة، وقتادة : الظالم هنا من أبى أن يقول لا إله إلاَّ الله.
وقال الأخفش المعنى : فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلاَّ على من لم ينته، وهو الظالم.
قال الزمخشري : فلا تعتدوا على المنتهين لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله : إلاَّ على الظالمين، موضع : على المنتهين انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله لا يصح إلاَّ على تفسير المعنى، وأما على تفسير الإعراب فلا يصح، لأن : على المنتهين، ليس مرادفاً لقوله : إلاَّ على الظالمين، لأن نفي العدوان عن المنتهين لا يدل على إثباته على الظالمين إلاَّ بالمفهوم مفهوم الصفة.
وفي التركيب القرآني يدل على إثباته على الظالمين بالمنطوق المحصور بالنفي، وإلاَّ وفرق بين الدلالتين، ويظهر من كلامه أنه أراد تفسير الإعراب.
ألا ترى قوله : فوضع قوله : إلاَّ على الظالمين، موضع : على المنتهين ؟ وهذا الوضع إنما يكون في تفسير الإعراب، وليس كذلك لما بيناه من الفرق بين الدلالتين، ألا ترى فرق ما بين قولك : ما أكرم الجاهل وما أكرم إلاَّ العالم ؟ وإلاَّ على الظالمين، استثناء مفرغ من الاخبار على الظالمين في موضع رفع على أنه خبر لا، على مذهب الأخفش، أو على أنه خبر للمبتدأ الذي هو مجموع، لا عدوان، على مذهب سيبويه.
وقد تقدّم التنبيه على ذلك، وجاء : بعلى، تنبيها على استيلاء الجزاء عليهم واستعلائه.
وقيل : معنى لا عدوان، لا سبيل، كقوله :﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ﴾ أي لا سبيل عليّ، وهو مجاز عن التسليط والتعرض، وهو راجع لمعنى جزاء الظالم الذي شرحنا به العدوان.
ورابط الجزاء بالشرط إما بتقدير حذف أي : إلاَّ على الظالمين منهم، أو بالاندراج في عموم الظالمين، فكان الربط بالعموم.
ثم أمروا بالقتال في نصرة الدين من قاتلهم، ونهوا عن الاعتداء، وأخبر أن الله تعالى لا يحب من اعتدى.
ثم أمروا بقتل من ظفروا به، وبإخراج من أخرجهم من المكان الذي أخرجوه منه، ثم أخبر أن الفتنة في الدين أو بالإخراج من الوطن، أو بالتعذيب أشد من القتل، لأن في القتل راحة من هذا كله، ثم لما تضمن الأمر بالإخراج أن يخرجوا من المكان الذي أخرجوا منه، وكان ذلك من جملته المسجد الحرام نهوا عن مقاتلتهم فيه إلاَّ إن قاتلوكم، وذلك لحرمة المسجد الحرام جاهلية واسلاماً، ثم أمر تعالى بقتلهم إذا ناشبوا القتال، وكان فيه بشارة بأنا نقتلهم، إذ أمرنا بقتلهم لا بقتالهم، ولا يقتل الإنسان إلاَّ من كان متمكناً من قتله، ثم ذكر أن من كفر بالله فمثل هذا الجزاء جزاؤه من مقاتلته وإخراجه من وطنه وقتله.
ثم أخبر تعالى أنه غفور رحيم لمن انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله
ولما كان الأمر بالقتال، فيما سبق، مقيداً مرة بمن قاتل، ومرة بمكان حتى يبدأ بالقتال فيه، أمرهم بالقتال على كل حال من قاتل ومن لم يقاتل، وعند المسجد الحرام وغيره، فنسخ هذا الأمر تلك القيود، وصار مغياً أو معللاً بانتفاء الفتنة وخلوص الدين لله.
وختم هذا الأمر بأن من انتهى ودخل في الإسلام فلا اعتداء عليه، وإنما الاعتداء على الظالمين، وهم الكافرون، كما ختم الأمر السابق بأن من انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام غفر الله له ورحمه.
ثم أخبر تعالى أن هتك حرمة الشهر الحرام بسبب القتال فيه، وهو شهر ذي القعدة، وكانوا يكرهون القتال فيه حين خرجوا لعمرة القضاء جائز لكم بسبب هتكهم حرمته فيه حين قاتلوكم فيه عام الحديبية، وصدوكم عن البيت، ثم أكد ذلك بقوله :﴿والحرمات قصاص﴾ فاقتضى أن كل من هتك أي حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة، فكما هتكوا حرمة شهركم لا تبالوا بهتك حرمته لهم، ثم أمر بالمجازاة لمن اعتدى علينا بعقوبة مثل عقوبته، تأكيد لما سبق، وأمر بالتقوى، فلا يوقع في المجازاة غير ما سوَّغه له، ثم قال إنه تعالى مع من اتقى، ومن كان الله معه فهو المنصور على عدوه.
ثم أمر تعالى بإنفاق المال في سبيله ونصرة دينه، وأن لا يخلد إلى الدعة والرغبة في إصلاح هذه الدنيا والإخلاد إليها، ونهانا عن الالتباس بالدعة والهوينا فنضعف عن أعدائنا، ويقوون هم علينا، فيؤول أمرنا معهم لضعفنا وقوتهم إلى هلاكنا، وفي هذا الأمر وهذا النهي من الحض على الجهاد ما لا يخفى، ثم أمرهم تعالى بالإحسان، وأنه تعالى يحب من أحسن.
ثم أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة بأن يأتوا بهما تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، وأن يكون فعل ذلك لوجه الله تعالى لا يشوب فعلها رياء ولا سمعة، وكانوا في الجاهلية قد يحجون لبعض أصنامهم، فأمروا بإخلاص العمل في ذلك لله تعالى.
ثم ذكر أن من أحصر وحبس عن إتمام الحج أو العمرة فيجب عليه ما يسر من الهدي، والهدي يشمل : البعير، والبقرة، والشاة، ثم نهى عن حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محله، والذي جرت العادة به في الهدي أنه محله هو الحرم، فخوطبوا بما كان سابقاً لهم علمه به، ولما غيا الحلق بوقوع هذه الغاية من بلوغ الهدي محله، وكان قد يعرض للإنسان ما يقتضي حلق رأسه لمرض أو أذى برأسه من قمل أو قرح أو غير ذلك، فأوجب تعالى عليه بسبب ذلك فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
وبين رسول الله ﷺ ما انبهم من هذا الإطلاق في هذه الثلاثة في حديث كعب بن عجرة على ما مر تفسيره، واقتضى هذا التركيب التخيير بين هذه الثلاثة، ثم ذكر تعالى أنهم إذا كانوا آمنين، وتمتع أحدهم بالعمرة إلى وقت الإحرام بالحج فإنه يلزمه ما استيسر من الهدي، وقد فسرنا ما استيسر من الهدي، وأنه إذا لم يجد ذلك بتعذر ثمن الهدي، أو فقدان الهدي، فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج، أي : في زمن وقوع الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله ووطنه.
ثم أخبر أن هذه الأيام، وإن اختلف زمان صيامها، فمنها ما يصومه وهو ملتبس بهذه الطاعة الشريفة، ومنها ما يصومه غير ملتبس بها، لكن الجميع كامل في الثواب والأجر، إذ هو ممثل ما أمر الله تعالى به، فلا فرق في الثواب بين ما أمر بإيقاعه في الحج، وما أمر بإيقاعه في غير الحج.
ثم ذكر أن هذا التمتع، ولازمه من الهدي أو الصوم، هو مشروع لغير المكي، ثم لما تقدّم منه تعالى في هذه الآيات أوامر ونواهي، كرر الأمر بالتقوى، وأعلم أنه تعالى شديد العقاب لمن خالف ما شرع تعالى.
وجاءت هذه الآية شديدة الالتئام، مستحكمة النظام، منسوقاً بعضها على بعض، ولا كنسق اللآلىء مشرقة الدلالة ولا كإشراق الشمس في برجها العالي.
سامية في الفصاحة إلى أعالي الذرى، معجزة أن يأتى بمثلها أحد من الورى.