تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق. . . ) الآية. فالصَّيّب : المطر، وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيّب، من قولهم : صَابَ يَصُوبُ، إذا نزل.
وقيل : الأهل مضمر فيه، أي : كأهْل الصيب ؛ كقوله ( واسأل القرية ) (١) أي : أهل القرية.
( من السماء ) كل ما علا فهو سماء. فالسقف سماء، والسحاب سماء، وما فوقه سماء، وأراد به السحاب ههنا.
( فيه ظلمات ) يعنى : في السحاب ؛ لأنه لا يخلو عن ظلمة، ألا تراه يغشى وجه الشمس( ورعد وبرق ) قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين : إن الرعد صوت ملك يزجر السحاب، والبرق لمعان سوط في يد ملك يضرب به السحاب يسوقه إلى حيث قدره الله تعالى.
وفي الخبر أن النبي قال :«إذا سمعتم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا » (٢). وكان ﷺ إذا سمع صوت الرعد يقول :«اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك » (٣).
وقيل : الرعد اسم الملك. وقيل : صوت [ اختناق ] (٤) الريح إلى السحاب. و الأول أصح.
( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ) يعني : من صوت العذاب، حذر الموت. وقيل : الصاعقة قطعة من العذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء وعليه دل قوله تعالى ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) (٥) ( والله محيط بالكافرين ) أي جامعهم. قال مجاهد : يجمعهم فيعذبهم. والإحاطة بالشيء جمعه بحيث لا يشذ منه شئ، والإحاطة من الله تعالى تكون بالقهر والاقتدار والعلم.
ومعنى المثل في هذا : أما قوله :( أو كصيب من السماء ) يعني : إن شئت مثلهم بالمستوقد وإن شئت مثلهم بالصيب، أي بأهل الصيب. ضرب الصيب مثلا لما أظهروا باللسان من الإسلام.
( فيه ظلمات ) مثل لما في الإسلام من البلايا والمحن والشدائد ( ورعد ) مثل لما فيه من المخاوف في الآخرة.
( وبرق ) لما فيه من الوعد والوعيد.
وقيل : ضرب الصيب مثلا للقرآن الذي كانوا يقرءونه باللسان ؛ لأن في القرآن حياة الباطن كما في الماء حياة الظاهر. ( فيه ظلمات ) مثل لما ذكرنا في القرآن من أنواع الكفر والنفاق، ( ورعد ) مثل لما ذكرنا فيه من الوعيد ( وبرق ) مثل لما فيه من البيان.
( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) يعنى : أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا وتأخروا ؛ حذرا من الهلاك.
( والله محيط بالكافرين ) يعنى : لا ينفعهم حذرهم ؛ لأن الله تعالى من ورائهم يجمعهم فيعذبهم.
١ - يوسف: ٨٢..
٢ - أخرجه الطبراني في الكبير (١١/١٦٤ رقم ١١٣٧١) وفي الدعاء (٢/١٢٦٠ رقم ٩٨٢)؛ وأبو الشيخ في العظمة ص ٢٦٨ رقم ٧٨٦ من حديث ابن عباس. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٣٩): فيه يحيى بن كثير أبو النظر، وهو ضعيف..
٣ - أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٢١٢)، والترمذي (٥/٤٦٩ رقم ٣٤٥)، والنسائي في الكبرى (٦/٢٣٠ رقم ١٠٧٦٣، ١٠٧٦٤)، وأحمد في مسنده (٢/١٠٠-١٠١)، والحاكم (٤/٢٨٦) وصحح إسناده والبيهقي في الكبرى (٣/٣٦٢) وابن السنى في عمل اليوم والليلة (ص ١١٠ رقم ٣٠٤) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وقال الترمذي: غريب..
٤ - في "الأصل"، و"ك": الخناق، وهو تصحيف والصواب ما أثبتناه. انظر تفسير الطبري (١/٣٤١)..
٥ - الرعد: ١٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى